هنيئاً لكم بما حُرمنا منه

عمر قدور

تابع السوريون أربعين يوماً انقضت من الثورة اللبنانية بحفاوة، ينبغي الاستدراك بأنها لا تخلو من الشعور بالحسرة لدى سوريي الثورة الذين تذكروا حرمانهم من حرية التظاهر التي نعِم بها اللبنانيون إلى حد كبير. الطريف ربما أن موالي بشار الأسد راحوا في بداية الانتفاضة اللبنانية يستخدمون صورها للنيل من الثورة السورية، تحت ادعاء تحضّر الأولى وتخلف وأسلمة الثانية، بالطبع مع تجاهل سلوك قوات وشبيحة الأسد إزاء المتظاهرين، أو بالأحرى بما يحمل تبريراً لذلك السلوك. على أية حال، سرعان ما سيتراجع هؤلاء عن تأييد الثورة اللبنانية حالما يظهر إلى العلن موقف حزب الله المعادي لها، وقد رأينا قبل سنوات وقوفهم مع الثورة المصرية ضد حسني مبارك ثم عداءهم للثورة السورية، أي انتقائيتهم المفضوحة في قضية الحرية.

لبنانياً، وعراقياً أيضاً، لا يغيب ذلك الاحتفاء بالوطن الجديد الذي كان يتكشف شيئاً فشيئاً مع انضمام محتجين جدد إلى ساحات التظاهر. تحديداً، لا يغيب الاحتفاء بتنوع المنابت الأهلية للمتظاهرين، وباكتشاف إمكانية انتظامهم خلف مطالب موحدة، على الضد من الاحتراب الأهلي المباشر أو غير المباشر الذي عاشه البلدان من قبل. في ساحات التظاهر العراقية لا يدور الحديث عن سنة أو شيعة أو مسيحيين، بل يتبارى نشطاء وناشطات من كافة تلك المنابت في إظهار الوجه الذي يريدونه معاً للعراق الجديد. وفي لبنان أيضاً اخترقت المظاهراتُ الانقساماتِ الأهلية التي بدت دائماً قدَرَ البلد، وحصل ذلك بنسبة مبشّرة في بيئات كان يُنظر إليها من قبل عصية على الاختراق.

في تتويج لما سبق، تطالعنا الأخبار بعودة لبنانيين من المَهاجر للمشاركة في المظاهرات، يحدوهم الأمل بوطن مغاير لذلك الذي غادروه بداعي اليأس. على المقلب العراقي، كانت هناك حركة مشابهة لشابات وشبان عادوا من أجل المشاركة في الثورة، والبعض منهم تعرض للاعتقال أو القتل. مرة أخرى، بالمقارنة مع حالتنا السورية، ندرة من الشجعان عادوا للمشاركة في الثورة التي تعرضت منذ لحظتها الأولى للقمع الوحشي، بل سرعان ما اضطر ناشطوها إلى التخفي ضمن البلد أو مغادرته.

من جانب آخر لصيق، تتوارد صور اللبنانيات المشاركات في التظاهر، وصور العراقيات التي لم تُثر ضجة مشابهة، بينما لم تسفر الثورة السورية عن جانبها الأنثوي باستثناء قلة من الناشطات اللواتي لمعت أسماؤهن ثم انطفأت، ليعزز هذا من صورتها كثورة أصولية ذكورية. وفي الطور اللاحق، الطور العسكري، ستبرز فصائل إسلامية معادية بطبيعتها الأيديولوجية لمشاركة المرأة، وتركز وحدات الحماية الكردية على المرأة الكردية المقاتلة، فتغيب صورة المرأة العربية التي أُجبرت على الاحتجاب، وتغيب الصورة المدنية للمرأة الكردية التي راحت تُختزل بسبب البروباغندا الإعلامية بحاملات السلاح. 

كسوريين، يصح أن نقول للبنانيين والعراقيين: هنيئاً لكم بكل ما حُرمنا منه. نقولها على سبيل الغبطة لا الحسد، ونقولها مع شحنة من الخشية أو الخوف من زوال ما يجعل ثورتي العراق ولبنان متميزتين عن الثورة السورية، خاصة مع الأخبار المتزايدة عن ارتفاع منسوب القمع في العراق، وعن محاولات تطييف الانتفاضة اللبنانية واختراقها بمختلف الأساليب ومنها العنف المباشر. مع التنويه بأن ارتفاع منسوب القمع لا يستهدف القضاء على مطالب ثورة فحسب، هو يستهدف كافة معانيها العميقة.

في المقارنة، وليس من باب التبرير لأخطاء الثورة السورية، لنتخيّل لو أن الساحات كانت متاحة للمتظاهرات والمتظاهرين. لا يدخل في باب التنجيم أننا كنا سنرى مظاهر مشابهة لما رأيناه في بغداد أو بيروت، سيكون هناك اختلافات شكلانية بالتأكيد، ربما كنا سنرى مثلاً نسبة من المحجبات في ساحة الأمويين لا نراها في ساحة الشهداء، ولمَ لا؟ ما هو مؤكد أيضاً أن الشباب السوري لا يختلف عن نظيريه في لبنان والعراق، وأنه لم يُخلق متطرفاً أو طائفياً. في الواقع كانت لدينا تجربتان في مدينتين صغيرتين؛ حماة التي جمعت ساحتها “ساحة العاصي” أبناء المدينة من مختلف الانتماءات وقُمعت بدموية، وحمص التي استقبلت ساحة “الساعة” فيها نشطاء من مختلف الانتماءات ولا يُعرف حتى الآن عدد ضحايا فض الاعتصام الذي كان موجوداً فيها بسبب وحشية مهاجمته والتكتم التام على ما جرى.

بعبارة أخرى، كان يمكن لساحات المدن في سوريا جمع الأطياف السورية، ولو بنسب متفاوتة. كان يمكن لها أن تجمع السني والعلوي والمسيحي والدرزي والعربي والكردي، وكان ممكناً لهذا الاجتماع أن يصبح مساحة للتعارف والمشترك، أو صياغة المشترك في ما بين الجميع. ما حدث أن كل محاولات الوصول إلى ساحتي الأمويين أو العباسيين في دمشق سُحقت بوحشية، وفي ما بعد قوبلت كل محاولات الوصول إلى ساحة “سعدالله الجابري” في حلب بوحشية مماثلة. أكثر من ذلك، كان شبيحة الأسد وقواته قد قسموا المدن إلى مربعات أمنية بحيث يصعب التنقل بين الأحياء لأي سبب كان.

الوحشية المفرطة لعبت دوراً طارداً للمشاركة العلنية للنساء، وكما نعلم اضطرت المشاركات منذ المظاهرات الأولى إلى استخدام اللثام أو الحجاب لتمويه شخصياتهن الحقيقية هرباً من الملاحقة والاعتقال، من دون أن ننسى التذكير بعمليات الاغتصاب التي كانت قد بدأت على نحو ممنهج في معتقلات الأسد. ثمة نساء كن يخفين أوجههن لأسباب اجتماعية، وهذا لا يقلل من أهمية ما فعلن ولا من مظالم ومطالب بيئتهن، بل يُحسب لهن كثورة شخصية ضمن ثورتهن العامة.

نعم، وبكل ثقة، لولا الوحشية غير المسبوقة التي قوبل بها السوريون فور اندلاع ثورتهم لتمكنوا من المباشرة في صوغ اجتماعهم الوطني. المكان الحصري لفعل ذلك هو ساحات المدن، ليس في أية قرية أو بلدة، ولا في أي حي منفصل من أحياء المدينة الكبرى أو العاصمة. إنه في الساحات التي لها رمزية الاجتماع، وهذا ما نراه حتى في الدول الديموقراطية العريقة، حيث تحتل ساحات معينة مكانة رمزية جامعة وتكون مقصداً للمظاهرات أو الاعتصامات.

إننا، عندما نسترجع التجربة السورية المريرة، يجب ألا ننسى أن الإجهاز عليها هو بمثابة انقضاض على المشروع الوطني، لأن وظيفة العنف الذي مورس عليها لم تتوقف للحظة عند قمع تقليدي لثورة ما. كان العنف المباشر والرمزي منذ البداية موجهاً ضد الاجتماع الوطني بمعنييه المكاني والمعنوي، وما رأيناه لاحقاً من تفسخ سوري هو أبلغ دلالة على نجاح العنف، قبل أن يؤخذ حجة على المجتمع السوري نفسه.

ثمة درس تقدمه الثورتان اللبنانية والعراقية، بتجاوزهما الانقسامات الأهلية التقليدية، وبشروعهما في بناء اجتماع وطني وهذا أهم وأبعد أثراً من استقالة حكومة هنا أو محاكمة فاسد هناك. في المقابل، ثمة درس مضاد يقدّمه العنف المفرط الذي مورس على الثورة السورية، وهو يطلّ كوعيد في مواجهتهما. من أوجه الشؤم أن يكون في لبنان والعراق عشرات الآلاف ممن اختبروا وحشيتهم باللحم والدم السوريين، أولئك تحديداً نتمنى منهم أن يكفّروا عن شيء من إجرامهم بعدم حرمان أبناء بلدهم مما حرموا السوريين منه. 

المدن

اترك رد