لماذا نخشى التقسيم أكثر من الانقسام؟

عمر قدور

أثار “مؤتمر المسيحيين العرب الأول”، الذي اختتم أعماله السبت الفائت في باريس، سخرية وانتقادات واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، مع انتباه خاص للسوريين المشاركين فيه، فضلاً عن الحضور الأساسي للموضوع السوري في البيان الختامي والمداولات. ليس على سبيل المقارنة ولا السخرية، كانت لافتة قادمة من تظاهرة في دير الزور قبل أسابيع قليلة مرفوعة باسم “شعوب دير الزور”. وكما نذكر قبل قرابة سنة من الآن كان تركمان سوريا قد اعتمدوا علماً موحداً، في حين ما يزال أكراد سوريا منقسمين بين العلم الكردي التاريخي والعلم الذي يعتمده حزب العمال الكردستاني وفروعه.

الانقسام السوري هو المشترك بين العديد من الأمثلة المذكورة والمشابهة، مع النظر إلى لافتة “شعوب دير الزور” كتعبير طريف ليس إلا. كنا مثلاً في بداية الثورة قد شهدنا مؤتمراً لبعض العلويين المعارضين للأسد، وكانت رسالته السياسية مشابهة لمؤتمر المسيحيين الأخير، وحينها نال الحاضرون استحساناً من بعض أنصار الثورة وانتقاداً من بعضهم الآخر، فضلاً عن الهجوم الشديد من موالين صريحين أو مستترين. غير بعيد عن ذلك، نالت حركة “مشايخ الكرامة” تعاطفاً شديداً بين أنصار الثورة، بسبب دعوتها إلى الامتناع عن الخدمة في قوات الأسد، رغم أن الحركة هي تعبير درزي وتعتمد علم الحدود الخمسة برمزيته المذهبية المعروفة.

لم تغب العشائر عن لوحة الانقسام، ولعل المثال الأشهر هو نواف البشير، شيخ عشيرة البقارة. تقدّم سيرة البشير بتناقضاتها نموذجاً معبّراً عن شيخ العشيرة السوري، فالرجل استهل حياته “السياسية” كعضو في مجلس الشعب الأسدي، ثم انتقل إلى صفوف المعارضة على نحو معلن أثناء ربيع دمشق، ليصبح عضواً وناشطاً فيما سُمي إعلان دمشق. بعد الثورة “في آب 2011” اعتُقل البشير قرابة شهرين ونصف، ولاقى حينها تعاطفاً كبيراً حتى أن تنسيقيات الثورة دعت إلى مظاهرات مسائية تحت اسم “ثلاثاء الوفاء لنواف البشير”. بعد إرغامه على الظهور بشكل مهين جداً عبر تلفزيون الأسد ثم إطلاق سراحه، غادر البشير متجهاً إلى تركيا، وحاول مبكراً تقديم نفسه لأنقرة كذراع محلي ضد ما تعتبره تهديداً كردياً، ثم حاول تنظيم داعش استقطابه إلا أنه رفض وأقام صلات لم تنجح مع التحالف الدولي ضد داعش. أخيراً قرر البشير بعد إفلاس العودة إلى حضن الأسد من البوابة الإيرانية، ولم يجد أدنى حرج في إطلاق اسم “البقّارة الحسينية” على عشيرته في دلالة على التشيع.

الإدارة الذاتية الكردية استثمرت أيضاً في الموضوع العشائري، حيث مُنح الشيخ حميدي دهام الجربا منصب الرئيس المساعد في “كانتون الجزيرة”، وأثناء سيطرة داعش على مساحة واسعة من تواجد العشائر نسج علاقات “الضرورة” مع قسم منها، وبُرر الأمر أيضاً باضطرار رؤساء العشائر إلى التعاطي مع سلطة الأمر الواقع. سلطة الأسد كانت قد سبقت الجميع بربط كافة رؤساء العشائر والطوائف وبعض الأحزاب الكردية بمركزها، وهؤلاء القادة كان لأغلبهم القدرة على الاتصال المباشر إما بمكتب الرئاسة أو برؤساء فروع مخابرات ذوي حظوة وتأثير. ينطبق هذا على رؤساء الكنائس وعلى مشايخ العقل وشيوخ العشائر. أي أن الجماعات السورية كانت واقعاً معترفاً به ويحظى بالدعم قبل الثورة، وإن كان مخفياً تحت سطح الشعارات القومية البعثية أو القليل من الشعارات الوطنية لاحقاً.

نظرياً، يُفترض أن الثورة قامت على الضد من سلطة الأسد، وعلى الضد من سلطة أية جماعة “ما قبل وطنية” متضافرة مع تلك السلطة. رد الفعل الأسدي، على مطالبات الثورة بدولة المواطنة، من خلال إشهار المسألة الطائفية واللعب على وتر الأقليات ومن ثم تحييد الأكراد عن الثورة، رد الفعل هذا منطقي جداً لتجريد الثورة من جمهورها العام المفترض ومحاصرتها في بيئة مذهبية واحدة، ما يُسهّل وصمها بالطائفية مع قناعته باستحالة تحول الأكثرية العددية السنية إلى طائفة موحدة بالمعنى السياسي. بعد انقضاء الطور السلمي للثورة، بات مفهوماً من كافة الأطراف الاستنجاد بالجماعات حيث يصعب تحشيد الأفراد حول مطالب الوطن المأمول، وهذا ليس بجديد على منطق الحروب الداخلية والخارجية عبر التاريخ.

عطفاً على هذا الواقع، وخلال السنوات الماضية من الصراع، قدّم بشار نفسه حامياً للأقليات في الفترة الأولى، ثم حامياً لوحدة سوريا لاحقاً، وبالطبع بواسطة الاستبداد مع تنامي قناعات غربية بعدم قدرة المجموعات السورية على العيش المشترك من دون قبضة قوية تجبرها عليه. في المقابل، لم يتطور خطاب معارض يلحظ صعود الجماعات السورية وتأثيرها، ويربط هذا الصعود بالتحول الديموقراطي كضامن لحقوق الأفراد والجماعات، وبما يحفظ التوازن بينهما. ما يُسيّر هذا الوعي إلى حد كبير اعتبار الوطن السوري منجزاً، رغم أن الجغرافيا السياسية لسوريا رسمها الانتداب الفرنسي، ولم تكن هناك فرصة بعد الاستقلال لتدعيمها باجتماع وطني بسبب الانقلابات والاستبداد الناصري اللذين تخللا الديموقراطية الوليدة قبل الإجهاز عليها نهائياً بانقلاب البعث.

إن أسوأ نقد يُوجّه إلى صعود الجماعات السورية هو ذاك المبني على وهم وطنية سورية لم تتحقق أصلاً، وهو وهم يتراوح في رؤوس أصحابه بين فكرة تجاوزتها البشرية هي فكرة الانصهار القومي لبناء الدول وتلك الفكرة الغائمة عن انصهار وطني بطريقة مشابهة. لقد شهدنا الكثير من المماحكات على هذه الأرضية التي لن تؤدي سوى إلى تعزيز الانقسام السوري، من دون وجود قدرة ذاتية على الوصول إلى تقسيم البلاد بما يتناسب مع الاحتراب الفعلي أو اللفظي القائم. أما أصحاب التغني بالفسيفساء السورية فلم يقدّم أحد منهم تصوراً واقعياً من أجل تماسكها، وأيضاً من أجل النظر إليها كفعالية مجتمعية لا كمجرد ديكور.

ربما يتعين علينا طرح الأسئلة البسيطة، والتي تتطلب جرأة في المواجهة والإجابة. منها مثلاً: لماذا يجد أفراد حمايتهم وأمانهم الشخصي في العشيرة، وألا يحتاج خروجهم من تحت تلك المظلة دولة قانون تثبت لهم جدارتها على صعيد أمانهم الحقوقي والمعيشي؟ بدل تحصيل فتات الحقوق عبر مكتب الرئاسة أو رؤساء فروع المخابرات، ألا ينبغي أن يكون هناك إقرار صريح بحرية الاعتقاد وتكافؤ هذا المبدأ بين الجميع بما يلغي سلطة المخابرات والكهنوت معاً؟ أيضاً: ما الذي يمس كرامة وضمير العربي إذا تعلم الكردي لغته أو تعلم التركماني لغته، أو كانت هناك أوقات بث في التلفزيون الحكومي موجهة للسوريين غير العرب؟ ما الكارثة مثلاً إذا رُفع علم الحدود الخمسة إلى جانب العلم الوطني على مبنى حكومي في السويداء، أو إذا رُفع علم كردي إلى جانب العلم الوطني على مبنى حكومي في عفرين، أو علم تركماني في حالة مماثلة في مكان آخر؟ ألسنا نرى في الكثير من المقاطعات الأوروبية علم المقاطعة إلى جانب العلم الوطني وعلم الاتحاد الأوروبي؟ وألسنا نرى بلداناً أوروبية تعتبر تعلم اللغة الأم للمهاجر حقاً مشروعاً لأبناء المهاجرين؟ وليس أخيراً؛ هل رفع أي علم “سيفقد قدسيته أو حساسيته مع الاعتياد على وجوده” أو تعلم اللغة الأم أكثر أذى من “جرائم شرف” تُرتكب بسبب زيجات مختلطة طائفياً أو إثنياً ولا يُعاقب مرتكبوها؟

ما سبق من أسئلة ليس برنامجاً سياسياً، هو بعض من أسئلة يجدر بنا التمرن على طرحها بلا خوف. وقد يكون واحداً من الأسئلة الضرورية: لماذا نخشى التقسيم السياسي أكثر من الانقسام المجتمعي، فنحارب الأول بينما نتساهل مع الثاني أو نساهم فيه؟

بروكار برس

اترك رد