تحوّلات شرقي الفرات: القوات الأميركية تعيد تموضعها

تتلاحق التطورات في الشمال الشرقي من سورية، الذي بات يُعرف بمنطقة شرقي الفرات، في ظل محاولة من “قوات سورية الديمقراطية” (قسد)، التي تسيطر على الجانب الأكبر من منطقة شرقي نهر الفرات، استنزاف الجيش التركي، الذي سيطر على نحو 100 كيلومتر من الحدود السورية في المنطقة، بينما أعادت القوات الأميركية تموضعها في محافظة الحسكة، في خطوة جديدة لوضع يدها على الثروة النفطية.

وفي تطور ميداني يشي بأن الصراع في منطقة شرقي الفرات ربما ينتقل إلى مستويات خطرة، أعلنت وزارة الدفاع التركية، أمس الخميس، عن مقتل اثنين من جنودها، الأربعاء الماضي، في هجوم صاروخي على مخفر حدودي مقابل لمدينة تل أبيض في ريف الرقة الشمالي. وكان الجيش التركي قد سيطر الشهر الماضي على المنطقة الممتدة بين مدينتي تل أبيض ورأس العين، بطول 100 كيلومتر على الحدود السورية التركية وبعمق يصل إلى 30 كيلومتراً. ومنذ ذلك الحين، تحاول “قسد” استنزاف الجيش التركي وفصائل المعارضة السورية الموالية له من خلال إبقاء المنطقة مشتعلة بالانفجارات والاستهداف الصاروخي.

وتحاول “قسد” نقل الصراع إلى غربي نهر الفرات حيث لا تزال تسيطر على مدينة منبج ومدينة تل رفعت وقرى أخرى في ريف حلب الشمالي. وضربت “قوات سورية الديمقراطية”، التي تمثل “وحدات حماية الشعب” الكردية عمودها الفقري، أمس الخميس، مدينة أعزاز في ريف حلب الشمالي، معقل المعارضة البارز. وأكدت مصادر محلية إصابة عدد من المدنيين بجروح إثر قصف صاروخي لـ”قسد”، المتمركزة في مطار منغ، على مدينة إعزاز وقرية مريمين بريف حلب الشمالي. في غضون ذلك، أصيب عدد من الأشخاص بجروح، صباح أمس، بانفجار عبوة ناسفة بسيارة قرب مستشفى الفارابي، وسط مدينة الباب، في ريف حلب الشرقي. وقالت مصادر محلية إن التفجير كان يستهدف، كما يبدو، سيارة عسكرية تابعة لفصائل “الجيش الوطني” السوري المدعوم من تركيا، ما تسبّب بإصابة 3 عناصر، إضافة إلى بعض المدنيين، وحدوث أضرار مادية في مكان الانفجار. كما انفجرت عبوة ناسفة بسيارة في حي الأشرفية، وسط مدينة عفرين، بريف حلب الشمالي الغربي، واقتصرت الأضرار على الماديات فقط.

ومنذ سيطرة القوات التركية و”الجيش الوطني” على مدن وبلدات وقرى في شمال شرق سورية، حصل 11 انفجاراً في تلك المناطق، خلال الفترة الممتدة من أواخر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي حتى الآن، طاولت خصوصاً مدينة تل أبيض وبلدة سلوك وقرية حمام التركمان في ريف الرقة الشمالي، وبلدة تل حلف بريف رأس العين الغربي، شمال الحسكة، وذلك بحسب إحصائيات المرصد السوري لحقوق الإنسان. وأسفرت هذه التفجيرات، بحسب المرصد، عن مقتل 50 شخصاً على الأقل، هم 20 مدنياً، بينهم 5 أطفال، و30 مقاتلاً من فصائل “الجيش الوطني”، فيما أصيب ما لا يقل عن 128 شخصاً من مدنيين وعسكريين. وفي السياق، أعلنت وزارة الدفاع التركية، أمس الخميس، عودة 593 سورياً إلى منازلهم في منطقة تل أبيض، بعدما اضطروا إلى النزوح منها هرباً من ممارسات “الوحدات” الكردية، وفق بيان نشرته الوزارة عبر حسابها على “تويتر”. وتأمل أنقرة في عودة عشرات آلاف السوريين الموجودين على أراضيها إلى المنطقة التي سيطرت عليها الشهر الماضي، بعد استقرار الوضع الأمني.

على صعيد آخر، لا يزال الشمال الغربي من سورية، الذي يضم محافظة إدلب ومحيطها، تحت وطأة تصعيد عسكري من قبل الروس والنظام. لكن وتيرة هذا التصعيد خفّت، أمس الخميس، نتيجة الأحوال الجوية التي تحول دون تحليق الطيران وتنفيذ غارات على المدن والبلدات والقرى. وارتفعت حصيلة القصف الصاروخي من قبل المليشيات الإيرانية المتمركزة في معسكر جورين، غرب حماة، على قرية بكفلا شمال مدينة جسر الشغور، إلى قتيل وعشرة جرحى، بينهم امرأة و5 متطوعين في الدفاع المدني. وأكدت مصادر محلية، أمس، أن مروحيات تابعة للنظام قصفت بالبراميل المتفجرة تلال الكبانة بريف اللاذقية الشمالي، التي استعصت على قوات النظام والمليشيات التابعة لها على مدى أشهر.

على صعيد آخر، تقترب الأوضاع في جنوب سورية من حافة الانهيار الكامل، مع استمرار ما تسمي نفسها بـ”المقاومة الشعبية” باستهداف شخصيات مقربة من النظام، الذي لم يستطع حتى اللحظة إخضاع محافظة درعا. وقتل، أول من أمس الأربعاء، أحد القياديين في المليشيات الموالية لقوات النظام عقب تعرضه لهجوم من قبل شخصين يستقلان دراجة نارية في مدينة طفس بريف درعا. وقُتل رئيس مفرزة المخابرات الجوية، أشرس أجهزة النظام الأمنية في مدينة بصر الحرير، إثر كمين نفذه مجهولون بريف درعا الشرقي، الأربعاء، سبقه بساعات انفجار عبوة ناسفة استهدفت حاجزاً للمخابرات الجوية أيضاً بريف درعا الغربي. وكانت قوات النظام وأجهزته الأمنية قد سيطرت على محافظتي درعا والقنيطرة، جنوب سورية، إثر اتفاق المصالحة الذي أبرم بين روسيا والمعارضة في يوليو/ تموز 2018. وتبيّن لاحقاً أن الاتفاق كان مدخلاً واسعاً للفتك بأهالي درعا، عقاباً على خروجهم ضد النظام منذ 2011، وهو ما فتح الباب مجدداً أمام حراك مسلح من قبل رافضي اتفاق المصالحة مع النظام والذي طُرحت حوله علامات استفهام، خصوصاً أن فصائل المعارضة كانت قادرة على الصمود، فيما جرى حديث عن دور إماراتي في تسليم الجنوب السوري للنظام والروس.

اترك رد