خطوات على طريق التنوير (2)

وحدة الدراسات التنويرية

إن مواجهة التطرف، تعني أنك تواجه جيلاً نحا باتجاه التطرف بلا بصيرة، وبالتالي عليك بتقليل حجم الأضرار الناتجة عنه، من خلال تقليل مساحة انتشار التطرف(1)، الذي يتوهم أصحابه أنه منارة قادرة على الوصول بهم إلى شط الأمان، وهي بالضبط النقطة القاتمة والسوداء في المعادلة.

وأما تفكيك الخطاب المتطرف فهو مسألة ثانية، تبدأ من إيجاد آليات عملية، تعمل على تقييم الأسباب التي تؤدي بالأفراد للالتحاق بهذا المسار بغية تقليل عدد المنتسبين لهذه المدرسة ريثما تصبح المعادلة فردية على الأرض، بمعنى الوصول إلى مرحلة إلغاء دور فكرة التطرف وتأثيرها في صناعة الجماعات في هذا الميدان، ولكي نصل إلى هذه الحالة فثمة حلول عديدة، تتطلب أولاً، وقبل كل شيء، قراءة واقعية للمجتمعات التي ينمو فيها التطرف، وهو ما يتطلب منا الحاجة إلى علم اجتماع محلي، يعيد فهم الواقع المجتمعي قبل الانطلاق إلى حلول مفترضة، فالمسألة ليست نوعاً من البكتيريا التي تعالج بوصفة مخبرية، إنه واقع اجتماعي معقد، تشترك في صنعه الدولة ونظام الحكم والقبيلة والأسرة والكتاب والمدرسة وأشياء كثيرة قبل ظهوره بمسمى التطرف.

توصيف غير مكتمل

هناك خطأ كبير في فهم المعادلة (ما بين تفكيك خطاب المتطرفين وبين مواجهتهم) فمسألة مواجهة التطرف تعني الاستناد إلى حلول أمنية وميدانية بالدرجة الأولى، على أنه أصبح حالة قائمة وموجودة وينبغي التعامل الفوري معها، وأما تفكيك الخطاب المتطرف، فهو مسألة مختلفة تماماً لأنه يتطلب السعي نحو منع اكتمال دائرة التطرف هذه داخل البيئة المجتمعية، من خلال منع التحولات المجتمعية من الاستمرار بتهيئة الظروف التي تعمل على رفد التيار المتطرف بالعنصر البشري بما في ذلك المجتمع الصغير(2) الذي يبدأ بالأسرة وخصوصاً الدور الفاعل الذي يمكن أن تؤديه المرأة، وخصوصاً أن غالبية الحلول المطروحة تخاطب جيلاً من الشباب، بينما يبقى الدور الأنثوي في المجتمعات الإسلامية مهمشاً بعيداً عن الخطاب والفاعلية، مع أن دور المرأة فاعل لدرجة كبيرة، نظراً لمكانة المرأة وتحديداً الأم في المجتمعات الإسلامية، لذلك إن وضع المجتمع ذاته في مواجهة مع التطرف هو مسألة أكثر تأثيراً من تحويل المسألة إلى خطاب سياسي أو الذهاب إلى فتاوى غالباً لا يقرؤها الجهاديون.

 هناك فرق كبير بين عملية تفكيك خطاب بشري من صنع بشري، وبين خطاب يؤمن أصحابه أن كل ما فيه هو خطاب إلهي..! ففي حالة الخطاب البشري يمكن للمجتمع قبول التخلي عن نظام سياسي معين مقابل تبدلات إيجابية في مصلحة الشعب، كانهيار الشيوعية أو التبديل في الأولويات كما حدث في فيتنام بعد الحرب، وأما دعاة الفكر الجهادي فهم ينتمون لمدرسة التأويل لمفهوم الجهاد(3) ويعملون على إعادة توظيف هذا الخطاب مستندين إلى فتاوى بعض المشايخ المتأخرين، وهنا يبرز التعقيد في تفكيك خطابهم.

إن مسألة التأويل للنصوص الدينية بغية استثمارها ليست جديدة، إنما هي ظاهرة ولدت مع بداية العهد الإسلامي، بدأها الخوارج، وهي الظاهرة التي تحولت من قضية سياسية تتعلق بالاختلاف على السلطة إلى قضية دينية، وهذا هو جوهر الأزمة الحالية الذي يتطلب منا فهم الخطاب السياسي وتأثيراته المجتمعية التي أدت إلى تحوله إلى خطاب ديني أو مذهبي أو غيرهما.

خطاب إعلامي غير سويٍّ

في الجانب الأول من المعادلة يأتي التوصيف الإعلامي غير المنصف من خلال التركيز على إظهار وقائع عسكرية أو إنجازات ما تقوم بها جماعة متطرفة أحياناً دون منح ذات المساحة الإعلامية لكشف خفايا هذه الجماعة، وحجم الانتهاكات التي تقوم بها على الأرض.. مثال ذلك أن المشاهد العربي لم ير أو يسمع عن حجم الانتهاكات وحالات الاغتصاب والسبي بمقدار ما سمع عن إنجازات تنظيم داعش العسكرية، تماماً كما كانت حقبة الزرقاوي في العراق وغير ذلك، وهو ما تتحمل مسؤوليته قناة الجزيرة؛ التي لم تعرض ما يدفع جمهور المشاهدين إلى رفض هذه الجماعات في وقت مبكر، بل كان صوت الانتصارات المزعومة دافعاً لوصول مزيد من الدعم لهذه الجماعات الجهادية.

الخطاب الإعلامي الصاخب الموجه نحو دحض فكرة التطرف ذاتها، ما لم يكن مدركًا لهذه النقاط الحساسة، فمسألة إفراغ لعبة المصالح السياسية من أي خطاب لأي جماعة هو مقدمة لعرضها بشكل أوضح أمام الجمهور، ولكن عندما يتحول تفكيك الخطاب المتطرف إلى خطاب مواجهة ضد جماعة معينة فهو يمنح هذه الجماعة حيِّزاً أوسع للانتشار والتمدد، ويتحول إلى خطاب داعم للمتطرفين على نحو غير مباشر، وهو تماماً الخطأ الذي تم التعامل معه على مستوى الخطاب الإعلامي أثناء مواجهة تنظيم داعش، لأن أصحاب العقول البسيطة كانوا يرون الأمور بمكيال الخطاب الإعلامي الذي كان عاجزاً عن إفراغ محتوى فكرة تنظيم الدولة من عناصر الجذب التي كانت لديه، وبالتالي فشلت في إجراء عملية تفكيك بسيطة للمنهج، بحيث يستطيع الفرد العادي استيعابها، وبالتالي إدراك ما يدور حوله، وقد كان هذا الأمر ممكناً، لو أن الخطاب تركز على مسألة احتمالية هزيمة التنظيم وما سينتج عن ذلك من ضياع العائلة والأسرة والبيت، بمعنى أن العديد من العشائر والعائلات التي كانت تجد مصالحها تنسجم مع تنظيم الدولة، كانت أصلاً لا تعرف إلى أين تسير؟ وكيف ستكون عاقبة الهزيمة المقبلة؟ وكان لا بد أنْ تعي هذه العشائر والعائلات أنَّ الانتماء لتنظيم متطرف بهذه العقائد المرتبكة يعني إعلان حرب لا رجعة فيها على كامل المكونات المحلية المتناقضة معه، إضافة إلى الانتقال نحو حرب مفتوحة لا أمل لاندمالها، كالتوجه نحو المشهد الأفغاني أو الصومالي.

لذلك إن مسألة التوجه نحو المذهبية، وتحويل الأزمات والتعقيدات في المشهدين العراقي والسوري كانت المادة الأولى التي أوجدت فكرة عزل تنظيم الدولة، أو جبهة النصرة، أو غيرها من الحركات عن عموم الواقع الاجتماعي.

ففكرة المذهبية والطائفية دفعت إلى إضعاف الفكرة الوطنية، أمام تنامي فكرة طائفية غير منضبطة، أخرجت المشهد السوري من ثورة ضد الظلم، إلى دولة إسلاموية تسعى لخلق تغيير عالمي، من خلال إعلان العداء للجميع.

مقدمات

ما بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر الشهيرة؛ شهدنا انقساماً كبيراً في الخطاب الإعلامي العربي، الرسمي وغير الرسمي، فبينما ذهب الإعلام الرسمي إلى الإدانة لتلك الأعمال، ذهب قطاع كبير من الإعلام العربي غير الرسمي نحو منطق التبرير، ربط فيه بين أحداث 11 أيلول وبين مسببات وعوامل داخلية وخارجية، وزُجَّ بالقضية الفلسطينية داخل هذا الملف، وقد أسهمت هذه الفرضية في تعزيز وجود الإسلام السياسي في فلسطين؟! وأعطت إيران بعداً واسعاً للتسلل للمنطقة العربية باعتبارها المشروع الإسلامي الأول الذي تحول إلى دولة في العصر الحديث.

تلك كانت هي البداية، وهي أن تنظيم القاعدة، أراد أن يتحول إلى أيقونة عالمية جاذبة للعرب والمسلمين خصوصاً بعد انحسار الدعم المالي له بسبب هيمنة طالبان على السلطة، وبدء عودة المجاهدين العرب إلى بلدانهم. لذلك توجه التنظيم نحو تفجيرات عديدة في السعودية، وانتقل إلى المناطق الرخوة في الصومال واليمن، وأما الملف الفلسطيني فقد بقي بعيداً عن تنظيم القاعدة، الذي تركه لإيران، فيما بدا كنوع من توافق المصالح.

خطابات ومؤتمرات

أطلقت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السبعين خطة عمل لمنع التطرف(4)، وجاء في تقرير الأمين العام النقاط الجوهرية التالية وللأهمية نسردها هنا: (ما من شيء يمكن أن يبرر التطرف العنيف لكن علينا أن نعترف بأنه لا ينشأ من فراغ فخطابات التظلم والظلم والوعد بالتمكين والتغيير الكاسح تجد آذانا صاغية في الأماكن التي تنتهك فيها حقوق الانسان).

ويستأنف التقرير: تتناول استراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب التي اعتمدتها الجمعية العامة بالإجماع بموجب قرارها 60/288 مسألة الوقاية.. على مستوى ركائزها الأربع وهي:

  1. معالجة الظروف المؤدية للارهاب
  2. منع الإرهاب ومكافحته
  3. بناء قدرات البلدان على مكافحة الإرهاب وتعزيز دور منظمة الأمم المتحدة في هذا الصدد.
  4. ضمان احترام حقوق الإنسان للجميع.. ويضيف التقرير نقطة جوهرية وهامة (وكان هناك تركيز قوي خلال العقد الماضي على الركيزة الثانية أما الركيزتان الأولى والرابعة فغالباً تم تجاهلهما).(5)

في تعليقنا على هذا المحتوى نجد بالفعل لمسة جوهرية في فهم الواقع الاجتماعي الذي تشهده مناطق التطرف، وتأتي الإشارة الجوهرية إلى الوعود التي يطلقها الجهاديون بالتمكين والتغيير الكاسح وهي ما تجد آذاناً صاغية لدى الشبان الذين يعيشون وسط بوتقة الإحباط، ثم تأتي الإشارة الثانية باستعراض الركائز الأربع التي أشار اليها التقرير، وكيف أن الأمور سارت باتجاه الحلول الأمنية ولم تراع النقطتين الأولى والثانية.

في عام 2016 جاء مؤتمر (وسائل منع ومكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا) والذي عقد في الأردن(6) وشارك في المؤتمر نخبة من الباحثين العرب والأجانب، غير أن أوراق المؤتمر وغالبية التوصيات ذهبت نحو الحلول الأمنية.

تلا ذلك المؤتمر الدولي الذي عقد في العاصمة المغربية الرباط الذي حمل عنوان: “تفكيك خطاب التطرف” (7) الذي نظمته الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب بشراكة مع رابطة العالم الإسلامي ونخبة من العلماء والباحثين والباحثات من عدة دول عربية وإسلامية إضافة للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة “الإيسيسكو” لكن النقاشات في المؤتمر استدركت نقاطاً إضافية رأت أنه  ينبغي أن تتجه الجهود في مواجهتها إلى العقل والأفكار والبحث عن مكامن الخلل، وهي المهام الموكلة للعلماء والهيئات الشرعية(8). ولم تغب الجوانب الأمنية عن المؤتمر أيضا، التي وجدت (أن التعامل مع التطرف للقضاء عليه ودرء مخاطره عن المجتمع ينبغي أن يسير في اتجاهات ثلاثة، المحاربة الأمنية المتعددة الجوانب، والمعالجة الفكرية بأساليب حكيمة لإبطال الاعتقادات الدينية المغلوطة والحجج الفقهية الباطلة التي يستند إليها التطرف، وتجديد مناهج التعليم).(9)

ولكن في مكان آخر هناك قراءة جديدة ومهمة صدرت عن معهد بروكنغز الأمريكي، كتب فيه (أريك روزاند) قائلاً:(الأدلة التجريبية التي تشير إلى أنّ الدين أو الأيديولوجية محفّز أساسي للتطرّف العنيف قليلةٌ).

ويضيف (فالتشدّد بالأساس مسألة اجتماعية يمكنها أن تؤمّن الفرص لعوامل دافعة جوهرية أكثر لكنّها تَظهر للعيان بشكل أقلّ. وعادة ما تبيّن دراسات الحالة مظالم غير دينية وغير أيديولوجية، مثل الفساد والظلم والتفاوت الاقتصادي والتمييز السياسي. فعادة ما لا يكون أولئك المُجنّدون في مجموعات محاربة أو الذين أصبحوا متشدّدين لارتكاب أعمال عنف متطرّف محُفّزين بالدين بل يرون الدين طريقة لمعالجة مظالمهم..)(10)

ويضيف التقرير نقلاً عن  أنيل شيلاين(11) بالقول:

تُفضّل بعض الحكومات التشديد على الأسباب الدينية والأيديولوجية بغية غضّ الطرف عن إخفاقاتها والتعتيم عليها، مثل العيوب المتأخرة في الحوكمة التي قد تشمل النقص في تأمين الخدمات والفساد.

ملاحظات

إن قراءة معهد بروكنغز في التقرير المطول الذي نشره يحمل نقاطاً عديدة مهمة، تناول فيها تجارب دول عديدة، لعدد من الدول العربية، حيث أشار التقرير إلى التجارب المعتمدة في تلك الدول في مجال تفكيك التطرف، وهي تجارب تتراوح بين الفتاوى وإعداد الأئمة وإعادة تأهيل المدارس الدينية وغيرها، لكن أبرز ما في تقرير معهد بروكنغز هو عندما يتحول الدين إلى طريقة محفزة لمعالجة المظالم، وما يعنيه ذلك، عندما يفقد الفرد الثقة بالمحيط السياسي وبالتالي تصبح الجماعة الدينية طريقاً بديلاً ليسترد حقوقه من خلالها، وهو ما يعيدنا للتأكيد على مسألة الواقع الاجتماعي المسؤول عن ظاهرة التطرف، ولكن؟؟

شواهد قريبة

في تقديرنا أن تقرير الجمعية العامة على أهميته ودقة الملاحظات التي وردت فيه، إضافة إلى ما استعرضناه من الشواهد السابقة، كل هذه لامست جزئياً المشهد، وهي أقرب إلى ذكر بعض المسببات التي تزيد من ظاهرة التطرف، لكن تفكيك ظاهرة التطرف بشكل دقيق يأتي لدى مناقشة المسألة من جوانبها المجتمعية.

فنحن أمام ظاهرة تريد إقامة دولة دينية، وهذا يختلف تماماً عن أي توصيف لأي حالة شبيهة على مستوى العالم، فالانقسام الطائفي قد يولد صراعاً على بقعة من الأرض، يحاول كل طرف توسيع نقاط سيطرته على الأرض وتحقيق المزيد من المكتسبات، ويبقى لهذا الصراع أنصار لدى كل طرف للاستقواء بهم، وأما في حالة التطرف في البيئة العربية أو الإسلامية، فنحن أمام حالة فريدة إقصائية، تقوم على قاعدة جبرية، لا خيار فيها، إذ لا يمكنك أن تكون ضمن بيئة تحكمها القاعدة أو طالبان أو داعش دون أن تلتزم بكامل مكونات إمارتهم الدينية.

على سبيل المثال إن مسألة الدولة الدينية انتهت في أوروبا منذ قرون، وذهبت معها الحروب الدينية، لكنها في المشرق الإسلامي بدأت للتو، إذ ظهرت لدينا دولة دينية اسمها إيران، وهي تصرخ صباح مساء أنها ستهزم أمريكا وستبيد إسرائيل، وهي دولة بالفعل توسعت في صناعاتها الصاروخية ودخلت في خطوة نحو السلاح النووي.

وهذه الفكرة باتت مشجعة للتيارات لتكرارها في بعض البلدان المضطربة، خصوصاً وأن العالم لم يعاقب إيران على خطابها الشعبوي، بل تعامل معها كدولة، رغم انتهاكها للقانون الدولي، ما يمنح الإسلاميين الجدد المساحة الواسعة من الخيال، من أن دولتهم القادمة سوف تفرض نفسها بمنطق القوة كما فعلت إيران، وخصوصاً عندما طورت الأخيرة نظامها الصاروخي، ودخلت عتبات العالم النووي دون الانصياع للمنظومة الدولية.

ولدينا أيضاً حرب دينية نتجت عنها انفصال الباكستان وبنغلادش عن الهند، ولا تزال لم تهدأ نيرانها، وهذه أيضاً جعلت من باكستان قوة نووية. وعلى ذاك، فإن أي عمل يصل إلى هذه الدرجة من التأثير لا يظهر دون وجود نموذج سابق له، لذلك إن نشأة فكرة التطرف بدأت في حقيقتها منذ ظهور الثورة الإسلامية في إيران، ومسألة تفكيك التطرف لا يمكن أن تبدأ إلا من حيث بدأ التطرف، وأصل التطرف الإيراني أنه انطلق من مشروع تصدير الثورة الإيرانية، ما يعني أن إيران أسقطت منذ البداية فكرة الدولة، ودخلت في معترك الصراع على تصدير الثورة، حتى باتت بنظر الإسلاميين هي الاتحاد السوفييتي البديل، ولهذا تجد أن عموم الإسلاميين بمن فيهم القاعدة وطالبان، بقيت تربطهم علاقات مميزة مع إيران، رغم خطابها الطائفي الفظ.

ما العمل ومن أين نبدأ

على المدى القريب والعاجل، ضرورة تحويل الخطاب الديني نحو مفهوم المصلحة، وهو ما يعني عدم المواجهة المباشرة في تفنيد أطروحات التطرف، والذهاب إلى برنامج مختلف تماماً يعرض فيه مفهوم المصلحة في الإسلام، وحجم الأضرار المترتبة على العمل ونقيضه، ومن أمثلة ذلك الأحكام الفقهية بإيقاف حد القطع في عام الرمادة، ومضمون صلح الحديبية، وتجارب التسويات السياسية في عهد صلاح الدين الأيوبي، وهو ما يعني إعادة طرح الفقه وأمور العقيدة من منظور المقارنة صوناً للدماء، في المسألة العقدية، كيف قبل الرسول صلى الله عليه وسلم التوقيع على خطاب قريش الذي استثنى نبوته في صلح الحديبية، ما يعني أن النبي وهو النبي رضي أن يلغي اسم محمد رسول الله من الاتفاق ووقع على وثيقة محمد بن عبد الله، وفي المضمون السياسي لذلك أن الرسول قدم نفسه كقائد عسكري في التوقيع على وثيقة الصلح ولم يقدم نفسه كنبي ونزل عند شروطهم حقناً للدماء، وذلك لأن أهمية الدماء في العقيدة الإسلامية وحقنها تفوق كل اعتبار.

وأما عند الذهاب إلى تفنيد أطروحات الجهاديين تجدهم يستحضرون الكثير من النصوص ويعيدون تأويلها بما يرضي جمهورهم، لكنهم لا يملكون القدرة على نفي خطاب المصلحة التي هي فوق كل اعتبار، وذلك لأن خطاب المصلحة، أو إعادة إحياء فقه المصلحة هو الذي يجعل فكرة الدولة الدينية تسقط من الأذهان.

وأما في الجانب السياسي والأمني لا بد من حظر العلاقة الحزبية مع إيران انطلاقاً من كونها دولة تعمل على تصدير الثورة، وهذا التجريم غاية في الأهمية، لأنه يسقط فكرة المرجعية الدينية لعموم الحركات الإسلامية.

أما لو أردنا الانتقال إلى فكرة تحسين الظروف الاجتماعية من قبل الدولة فهل تستطيع الدولة في بلداننا إحداث هذه التغييرات الاجتماعية أم أن ذلك يكلفها السقوط في شرك الديموقراطية الذي تهرب منه وكأنه فايروس قاتل ومرعب.


المراجع

  1. التطرف لغة هو المغالاة السياسية أو الدينية أو المذهبية (قاموس المعاني العربي) وأما الأمم المتحدة فهي تربط بين التطرف العنيف والإرهاب وفق قرار الأمم المتحدة 2178 لعام 2014 .
  2. النساء والراديكالية الإرهابية، الطاولة المستديرة لخبراء مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان التابع لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا منع الراديكالية الإرهابية النسائية فيينا، 12 ديسمبر 2011.
  3. ندوة الجهاد في الإسلام: معترك التأويل والتوظيف. تونس، مايو أيار 2017.
  4. الجمعية العامة للأمم المتحدة، الدورة رقم 70 خطة عمل 24 كانون الثاني 2015.
  5. المصدر السابق.
  6. تم عقد المؤتمر في عمان في حزيران من عام 2016 برعاية مؤسسة فريدريش ايبرت.
  7. مؤتمر تفكيك خطاب التطرف، المغرب، 03 يوليو 2018.
  8. من كلمة الأمين العام المساعد لرابطة العالم الإسلامي عبدالرحمن بن عبدالله الزايد في مؤتمر تفكيك خطاب التطرف، المغرب، 03 يوليو 2018.
  9. مداخلة المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة “الإيسيسكو” الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري في مؤتمر تفكيك خطاب التطرف، المغرب، 03 يوليو 2018.
  10. معهد بروكنغز الأمريكي (6 مايو2019 النسخة العربية على الشبكة العنكبوتية).
  11. باحثة أمريكية في شؤون الإرهاب تعمل في جامعة رايس الأمريكية.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.

اترك رد