حل الموضوع الكردي يعزّز دور تركيا الإقليمي

عبدالباسط سيدا

تعد القضية الكردية في تركيا من أهم القضايا الداخلية التي ما زالت تنتظر الحل، إن لم نقل إنها أهمها، فهي تمسّ ما بين 20مليونا إلى 25 مليون مواطن وفق معظم التقديرات، يشكلون الأغلبية السكانية في نحو 21 ولاية من أصل 81 ولاية تتشكل منها الدولة التركية. وهي قضية لها تاريخ طويل من الصراعات والنزاعات والمجازر والحروب التي تسببت في كثير من القتل والتهجير والتشريد والدمار. ولم تكن جميع هذه الصراعات في عهد الجمهورية التركية الحديثة نسبياً، بل شهدت مختلف مراحل العهد العثماني مصادمات ومواجهات عسكرية مع الإمارات الكردية التي كانت تتمتع بالحكم الذاتي في مقابل التزامها إعلان الولاء التام للسلطة العثمانية في المركز، وتقديم الرجال للجيش، ودفع الضرائب لخزينة الدولة.  ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى، وتوافق الحلفاء على اقتطاع مساحاتٍ واسعةٍ من المناطق التي كانت خاضعةً لسلطة الدولة العثمانية، وتقاسمها فيما بينهم، ظل الجسم الكردي الأكبر على صعيد الحجم السكاني والمساحة الجغرافية داخل الدولة التركية الحديثة. وكانت هناك، في بداية الأمر، وعود كثيرة من مصطفى كمال وعصمت إينونو وغيرهما من مؤسسي الدولة الحديثة، بأن الكرد سيكونون شركاء في الدولة التركية، شأن الأتراك وبقية المجموعات الإثنية التي ضمّتها الدولة الحديثة. ولكن مع استقرار الأوضاع نسبياً في مرحلة ما بعد الحرب، وانشغال الدول بما حصلت عليه، كانت هناك حملات عنيفة من الحكومة التركية استهدفت الكرد الذين

 طالبوا بحقوقهم، وكانت الحصيلة مجازر عديدة، وسياسات تتريك صارمة تناغمت مع التوجهات العلماينة القاسية التي اتّبعها مصطفى كمال، بهدف جعل تركيا دولة أوروبية غربية الهوى والتوجهات، من خلال تحطيم هويتها الشرقية.
واستمرّت الصراعات، على الرغم من ركود وخمود من حين إلى آخر، وكان الحل الأمني القمعي هو المعتمد بصورة خاصة من مختلف الحكومات التركية التي كانت تطلق يد الجيش في الملف، ليعلن أحكام الطوارئ في المناطق الكردية، ويقيم الإدارات العسكرية والمحاكم العرفية فيها. واستمرت الأمور هكذا إلى حين مجيء تورغوت أوزال (1983-1993) رئيسا. تعامل مع الموضوع بعقلية جديدة مستعدّة للتفاهم والحوار، ومناقشة الموضوع من الداخل، ومحاولة فهم الأسباب، والعمل من أجل الوصول إلى حلول واقعية ممكنة، وذلك كله بعيدا عن الأحكام المسبقة، وتجاوزاً للمحظورات التي كانت السياسات الرسمية قد فرضتها على هذا الموضوع. ولكن الرحيل المفاجئ لأوزال أوقف المشروع الواعد بعض الوقت. واستمرت الأمور بين شدّ وجذب إلى حين تسلًم حزب العدالة والتنمية مقاليد السلطة في تركيا بعد فوزه في الانتخابات العام 2002؛ وكان واضحا أنه يمتلك توجهاً يتكامل، إلى حد بعيد، مع الذي كان أوزال قد بدأ به.
وتم تخفيف الضغط عن المناطق الكردية، وأبدت الحكومة التركية استعدادها لمناقشة الملف الكردي بعقلية جديدة، ما أثار أملا كثيرا لدى الكرد والأتراك في الوقت ذاته. وعلى الرغم من انتكاسات كانت تحصل من حين إلى آخر، كان التوجه السلمي هو المهيمن، وكانت للسياسة الانفتاحية التي اعتمدها حزب العدالة والتنمية في تعامله مع الموضوع الكردي آثارها الإيجابية، سواء على صعيد رفع المستوى المعيشي للناس في المناطق الكردية، أم على مستوى رفع 

القيود على حركة الطبع والنشر باللغة الكردية، وفتح الأقسام الكردية في جامعات عديدة، بل وفتح الجامعات في ولايات كردية عديدة، وتأسيس قناة كردية في التفزيون الرسمي.
وترافق ذلك كله مع دخول الحكومة التركية في مباحاثات مع حزب العمال الكردستاني، بهدف إيجاد حل سلمي للقضية الكردية، يكون مقبولاً من الجانبين. وتم تحقيق خطوات ملموسة في هذا الاتجاه. ولكن يبدو أن عوامل خارجية أثرت في موقف الحزب المعني، خصوصا من جانب النظام الإيراني الذي كان يرى في العملية السلمية خطراً على خططه في ميدان استخدام حزب العمال الكردستاني، عبر قيادة قنديل في كل من سورية وإقليم كردستان العراق، لذلك كان التصعيد الميداني، وافتعال الحوادث، بما في ذلك حفر الخنادق في المدن التي كانت أصلاً ضمن دائرة نفوذ حزب الشعوب الديمقراطية، وهو الواجهة السياسية لحزب العمال الكردستاني. وفي الجانب الآخر، يبدو أن أوساطاً معينة داخل الدولة التركية لم تكن مقتنعة أصلاً بالعملية السلمية، ومستعدّة لاستغلال الموقف، بغية تفجير الأوضاع، والعودة إلى المربع الأول.
وعلى الرغم من حالة التصعيد التي تبرز ملامحها هنا وهناك، سواء من الحكومة التركية، خصوصا بعد الدخول العسكري أخيرا إلى الشمال السوري تحت اسم عملية نبع السلام، وقبل ذلك دخول الجيش التركي إلى عفرين، أم من حزب العمال الكردستاني، وواجهته السورية؛ فإن الحل السلمي يبقى أفضل الحلول بالنسبة إلى تركيا وإلى الكرد في تركيا، وذلك عبر حوار وطني معمّق بين الدولة التركية، الحكومة والمعارضة، وبين الجانب الكردي ممثلاً بكل الأحزاب والمنظمات والفعاليات المجتعمية والأكاديمية والاقتصادية الكردية؛ فالقضية الكردية في تركيا وطنية مهمة وحيوية على مستوى تركيا بأسرها، وهي قضية كبيرة لا يمكن حلها

 وفق الحسابات الآنية المرحلية بين حزبي العدالة والتنمية والعمال الكردستاني وحدهما.
وسيكون حل هذه القضية في صالح تركيا وكردها عامة أولاً، وفي صالح الكرد السوريين وسورية عامة، وفي صالح كرد العراق والعراق عامة؛ لأن اضطراب العلاقة بين الدولة التركية وكردها يؤثر سلباً بصورة مباشرة وغير مباشرة على طبيعة العلاقة بين تركيا ومحيطها الكردي في العراق وسورية، الأمر الذي يفسح المجال أمام استغلال الأوضاع من القوى الإقليمية والدولية، لتوظيف هذا الموضوع في خدمة حساباتها ومصالحها. هذا في حين أن العلاقة الإيجابية بين تركيا والكرد عامة سينعكس إيجاباً على الوضع الداخلي ضمن حزب العدالة والتنمية نفسه، وعلى الوضع الداخلي لتركيا، وسيعزّز دورها الإقليمي والدولي.
لقد دفع الكرد السوريون ضريبةً باهظةً نتيجة استغلال حزب العمال الكردستاني عدالة قضيتهم، ودخوله إلى الساحة الكردية بناء على توافقاتٍ أمنية مع النظام، وبالتنسيق مع النظام الإيراني تحديدا. وفي مرحلة لاحقة، اتخذ الحزب المعني الشباب الكرد السوريين وقوداً في معاركه ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بناء على تفاهماتٍ أمنيةٍ عسكريةٍ مع الجانب الأميركي الذي استغل الحزب المعني في تنفيذ أهدافه من دون أن يضحّي بأيٍّ من جنوده، وذلك حفاظاً على حساسيات الرأي العام الأميركي، ومراعاةً لحسابات انتخابية داخلية. هذا في حين أن حزب العمال كان يريد، عبر واجهته السورية، تحقيق أجنداتٍ تخصّه، لا تتقاطع، من قريب أو من بعيد، مع مصلحة الكرد السوريين، والسوريين عموماً.
وقد حمّل ذلك كله الكرد السوريين أثقالاً تفوق طاقتهم بكثير، ودفّعتهم ضريبة باهظة، لا قدرة لهم على تحمل تبعاتها المستقبلية. وبناء على ذلك، تبقى العودة إلى العملية السياسية، في جميع الأحوال، الخيار الأفضل والأمثل للتعامل مع الموضوع الكردي في تركيا. وستساعد مثل هذه العودة حزب العدالة والتنمية على تجاوز أزمته الداخلية، وتجاوز أزمته مع الأحزاب الأخرى. كما أن خطوةً كهذه ستريح الكتلة الكردية الكبيرة ضمن الحزب، وستمكّنها من التواصل مع القوى الكردية الأخرى، من أجل التباحث والتوافق على طرح مشروع حلٍّ مقبول معقول. بل إن حلاً من هذا القبيل سيساعد حزب الشعوب الديمقراطي على اكتساب بعض الاستقلالية تجاه قيادة قنديل، وسيمكّنه من الضغط على حزب العمال الكردستاني نفسه، من أجل إجراء مراجعاتٍ جادة، بهدف حصر ساحة الحزب المذكور بتركيا، والتخلص من قيود الالتزامات الإقليمية، خصوصا مع النظام الإيراني الذي تبين ثورات الشعوب في لبنان والعراق، وإيران نفسها، بأن مشاريعه التوسعية قد سُدّت الآفاق أمامها، ولم تعد لعبة المزج بين المظلومية المذهبية والأهداف السياسية قادرةً على تعبئة الناس وتجييشهم لصالح جهودٍ عبثيةٍ لم ولن تجلب للمنطقة سوى الخراب والسراب في ظل أنظمةٍ فاسدةٍ مفسدة، لا تتورّع عن ارتكاب أي موبقات من أجل البقاء.

العربي الجديد

اترك رد