مسار اللجنة الدستورية السورية

مقدّمة
في 23 أيلول/ سبتمبر 2019، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس عن تشكيل اللجنة الدستورية السورية بعد موافقة النظام وهيئة المفاوضات المعارضة وتجاوز الخلاف المتعلّق بقائمة الأسماء. 
انبثق مقترح اللجنة الدستورية عن مؤتمر سوتشي في 30 كانون الثاني/ يناير 2018، والذي نصّ في بيانه الختامي على أنها سوف تتكون من النظام، المعارضة، الخبراء، بعدد إجمالي يصل إلى 150 عضواً. في وقت لاحق وضع المبعوث الأممي السابق إلى سورية ستيفان دي مستورا خطة لتشكيل اللجنة بحيث يكون للنظام الثلث ومثله للمعارضة في حين تتولى الأمم المتحدة اختيار الخبراء أو الثلث الثالث الذي بات يُعرف باسم قائمة المجتمع المدني. 
ويستند مقترح اللجنة الدستورية بشكل أساسي إلى مقترح ديمستورا المسمى بالآلية التشاورية في مباحثات جنيف 6، والتي كانت نتيجة تفاهمات دولية حول فهم “السلال الأربعة”، وهو ما دفع الأطراف الدولية -بما فيها الولايات المتحدة- على دعم فكرة اللجنة. 
واجهت اللجنة الدستورية قبيل إطلاقها العديد من العثرات؛ حيث كان هناك خلاف وجدال محتدم على العديد من الملفّات، لا سيما ما تعلّق بدور الأمم المتحدة، رئاسة اللجنة، صلاحيات عملها، والقواعد الإجرائية الخاصة بها، والتي تم إقرارها في 26 أيلول/ سبتمبر 2019، عبر وثيقة صادرة عن الأمم المتحدة تحمل الرقم 775 (2019). 
وفي 30 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، انطلقت أعمال اللجنة الدستورية السورية في مدينة جنيف، وبعد يوم واحد عقدت الهيئة الموسّعة أوّل اجتماعاتها بحضور جميع الأعضاء من الوفود الثلاثة، واستمرّ عملها لمدّة يومين، جرى خلالهما تعريف كلّ عضوٍ بنفسه وتقديم رؤيته وتصوّره لدستور البلاد. عقب ذلك، تم إقرار مدونة سلوك ناظمة لأعمالها وأخرى للممارسات الإجرائية الخاصة بالرئيسين المشتركين، وتم تضمين ذلك في 17 بنداً للأعضاء و10 بنود للرئيسين. كما جرى الاتفاق على أسماء الهيئة المصغرة أو ما تُعرف بـ “لجنة الصياغة”، المؤلفة من 45 عضواً بواقع 15 عضواً لكل وفد. 
أولاً: تحليل أعضاء اللجنة
مثّل تشكيل اللجنة العائق الأبرز أمام انطلاق أعمالها، حيث تصارعت القوى المحلية والدولية على تفاصيل هذا التشكيل، وانتهى هذا الصراع بصيغة تعكس إلى حد بعيد التوازنات الإقليمية والدولية، وتحاول عكس التقسيمات الشكلية (الجنس، الدين والطائفة، المنطقة، القومية)، ولكنها لا تعكس التركيبة الفعلية للسوريين. 
ويمكن بسهولة ملاحظة غياب أو تغييب شرائح أساسية من المجتمع السوري، مثل التيارات الإسلامية والمحافظة، والتي لم يزد تمثيلها عن 5% في مجموعة المعارضة والمجتمع المدني مجتمعتين، وتقل النسبة عند إضافة مجموعة النظام!. 
ويبدو من خلال التحليل التالي، أن الدول الفاعلة في تشكيل اللجنة قد حاولت بشكل كبير التركيز على النواحي الشكلية في تشكيل اللجنة، لكنها عملت بقصد أو دون قصد على تجاهل التوازن الفعلي، واختارت زيادة أعداد الأفراد “المستقلين” على حساب المجموعات المنظمة، وهي السياسة التي تم اتباعها من قبل هذه الدول في كل التشكيلات التي شهدتها السنوات الثماني السابقة. 
وفيما يلي توزّع أعضاء اللجنة وفقاً للتقسيمات والانتماءات غير الاختيارية: 

1) التوزع حسب الجنس
يُشكّل الذكور أغلبية الأعضاء، بواقع 72% من مجمل الأعضاء، أي أن من شكّلوا اللجنة فشلوا في مراعاة نسب الجنسين في المجتمع؛ ولو بشكل قريب. 


الشكل رقم (1)
توزّع أعضاء اللجنة بحسب الجنس

2) التوزّع الديني والطائفي
يمثّل المسلمون أغلبية أعضاء اللجنة، بواقع 88%من أعضائها، يليهم المسيحيون بواقع 12%(انظر الشكل رقم -2-). 
وجاءت الطائفة السنّيّة في مقدمة الطوائف التي تمثل المسلمين، بواقع 68%، يليهم العلويون بواقع 12%، والدروز بواقع 5%. (انظر الشكل رقم -3-).

الشكل رقم (2)
التوزّع الديني لأعضاء اللجنة 

الشكل رقم (3)
التوزع الطائفي للأعضاء المسلمين في اللجنة

3) التوزّع المناطقي
جاءت محافظة دمشق في مقدمة المحافظات في عدد الأعضاء المنتمين إليها، تلتها محافظة الحسكة، ثم محافظات حمص وريف دمشق وحلب ودرعا وطرطوس والسويداء واللاذقية وحماة وإدلب ودير الزور والرقة والقنيطرة. 
ويلاحظ بشكل واضح الاختلال في التوزّع الجغرافي للأعضاء، وخاصة في بعض المحافظات، كمحافظة حلب، والتي تأتي في المرتبة الأولى من حيث عدد السكان في سورية، لكنها تحل في المرتبة الخامسة من حيث عدد الأعضاء في اللجنة. 


الشكل رقم (4)
توزّع الأعضاء بحسب الانتماء المناطقي

4) التوزّع الأكاديمي
يظهر تحليل الشهادات الأكاديمية التي يحملها أعضاء اللجنة أن 36.6% من أعضاء اللجنة فقط يملكون تخصصات جامعية لها علاقة بالقانون، فيما لا ترتبط شهادات 56% بالعمل القانوني، ولم يعرف التخصص لـ 7% من الأعضاء.  


الشكل رقم (5)
توزع أعضاء اللجنة بحسب ارتباط الشهادة بعمل اللجنة

ومن خلال تحليل مستوى التحصيل الأكاديمي لأعضاء اللجنة، يتّضح أن 49.3% من أعضاء اللجنة يحملون درجة البكالوريوس، فيما يحمل 26% درجة الدكتوراه، و10% يحملون درجة الماجستير، و2% درجة الدبلوم، فيما لم يُعرف مستوى التحصيل العلمي لـ 6% من الأعضاء (انظر الشكل رقم -6-). 
كما يلاحظ أن 6 من أعضاء اللجنة لا يحملون تحصيلاً جامعياً، وبعضهم لم يُنهِ حتى تعليمه الإعدادي. 

الشكل رقم (6)
مستوى التحصيل الأكاديمي لأعضاء اللجنة

ويلاحظ أن النظام يتفوّقُ على المعارضة في مجموعتين البكالوريوس والدكتوراه، ويتساوى مع المجتمع المدني في مستوى الدكتوراه. وبالمقابل فإنّ المعارضة تتفوق على المجموعتين الأخيرتين في مستوى الماجستير. وتتقارب النسب بين المجموعات الثلاث في بقية المستويات التعليمية (انظر الشكل رقم -7-). 


الشكل رقم (7)
مستوى التحصيل الأكاديمي بحسب المجموعات الثلاث

5) التوزع القومي
حصل المكوّن العربي على أغلبية مقاعد اللجنة، بواقع 90% من المقاعد، فيما حصل المكون الكردي على حوالي 5%، والمكون التركماني على 2%. وحصلت المكونات الآشورية والأرمنية والشركسية والسريانية على حوالي 0.6% لكل منها. 


الشكل رقم (8)
التوزّع القومي لأعضاء اللجنة

ثانياً: تحليل القواعد الإجرائية وفق وثيقة الأمم المتحدة• الولاية: وفقاً للمادّة الأولى فإنّه يحقّ للجنة الدستورية أن تراجع دستور عام 2012 بما في ذلك سياق التجارب الدستورية السورية الأخرى وأن تقوم بتعديل الدستور الحالي أو صياغة دستور جديد.  وهي صياغة تضمنت مقاربة طرفي الصراع لولاية اللجنة، بمعنى أنها أتاحت المجال للنظام بشكل أو بآخر كي يدفع باتجاه حصر مهمة اللجنة الدستورية في تعديل دستور عام 2012.   • الرئاسة: تنص المادّة الرابعة على أنّ رئاسة اللجنة الدستورية هي بالشراكة بين النظام والمعارضة السورية وأنّ عملهما محصور بالتوافق في رئاسة الهيئتين الموسعة (عددها 150) والمصغرة (عددها 45)، وكذلك في ممارسة الصلاحيات التي أيضاً تم تقييدها في إطار التسيير وضمان احترام القواعد الإجرائية.  من الواضح، أنّ الأمم المتحدة جعلت رئاسة اللجنة منصباً شكلياً في اللجنة الدستورية وأن مبدأ المناصفة والتوافق كان بغرض تجاوز الخلافات التي سبقت إعلان تشكيلها.  • التيسير: أتاحت المادّة الخامسة للمبعوث الخاص بالأمم المتحدة بأن يقوم إلى جانب عملية تيسير عمل اللجنة الدستورية، بمساعدة الرئيسين المشتركين للتوصّل إلى توافق وتقريب وجهات النظر بين الأعضاء عند الحاجة.  في الواقع، إنّ هذا الهامش يضع بشكل أو بآخر دوراً للأمم المتحدة في توجيه مسار عمل اللجنة في حال اقتضت الحاجة.  • بناء الثقة: اكتفت المادّة السادسة في الوثيقة بذكر آلية بناء الثقة عبر ضمان أمن وسلامة أعضاء اللجنة، دون التطرّق لإجراءات أخرى من قبيل إطلاق سراح المعتقلين، والتي هي من مهام “مجموعة العمل الخاصة بالمعتقلين” في مسار أستانا. كما يغيب عن النص أي ذكر لطبيعة رد الأمم المتحدة في حال حصل مثل هذا الخرق من قبل أحد الأطراف.  • أحكام إضافية: أتاحت المادّة السابعة من الوثيقة أمام اللجنة الدستورية مرونة إضافة وتعديل ما تجده مناسباً على القواعد الإجرائية التي أقرتها الأمم المتحدة. لكنها بنفس الوقت أغفلت تحديد إطار زمني لعمل اللجنة بل تركت ذلك مفتوحاً.  وقد يستثمر النظام السوري هذا الأمر في تحقيق مزيد من المماطلة إن لم تنسجم أي مقترحات في اللجنة أو مباحثات بين هيئتيها وأعضائها مع مقاربته لطبيعة ومسار عملها.   ثالثاً: تحليل مواقف الفاعلين الدوليين 1) الأمم المتّحدة في 30 أيلول/ سبتمبر 2019، قدّم مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية جير بيدرسون إحاطة شملت ما تم التوصّل إليه من إعلان تشكيل اللجنة الدستورية واللائحة الداخلية الخاصة بها. وهي تعكس بشكل أو بآخر موقف الأمم المتحدة، والذي يُمكن تحليله على النحو الآتي:  • لا يبدو أنّ لدى الأمم المتحدة آليّة وخطة ملائمة لبناء الثقة بين النظام والمعارضة السورية حتى مع إطلاق عمل اللجنة الدستورية، في ظل إقرارها بصعوبة الدخول الجدي في مسار العملية السياسية نتيجة تشكيك كل طرف في نوايا الآخر.  

• لا تعوّل الأمم المتحدّة على ما يبدو على التوصل إلى مخرجات عمل حقيقية للجنة الدستورية خلال مدّة قصيرة. وتحمل هذه المنهجية تهديداً رئيسياً من احتمالية تلاشي ما يتمّ إنجازه، وعودة الأطراف الدولية عن التزامها بدعم اللجنة أو بوقف الصراع بين القوى المحلية، أو تعثّرها في إيجاد حل ملائم ومتفق عليه.   • لم تعلن الأمم المتحدة عن آلية وتصوّر واضح حول المسار الانتخابي الذي يفترض أن يأتي بعد استحقاق اللجنة الدستورية، وهذا ينطبق أيضاً على المصادقة العمومية على أعمال هذه الأخيرة. ولا يعني عدم الإعلان عن هذا التصور عدم امتلاك المنظمة الدولية له، خاصة وأن لديها الكثير من الخبرة الواسعة في مناطق مختلفة حول العالم في هذا المجال.  • تعوّل الأمم المتحدّة بأنّ يساهم المسار الدستوري في تغيير معادلة القوّة التي تقف عائقاً أمام إنجاز عملية سياسية حقيقية في سورية توصل إلى حكم ذي مصداقية، لكن في الواقع لا يوجد ما يبعث على اليقين بإمكانية تنفيذ إصلاح دستوري يساعد على تفكيك أو تغيير سلوك أجهزة الدولة التي تحتكر القوة وتتجاهل وتنتهك القوانين والدستور. • يُجادل البعض بأن قرار مجلس الأمن 2254 (2015) قد رتّب أولويات الحلّ، وأن مسألة الحكم تأتي أولاً، ويليها الدستور ثم الانتخابات، وأن الأمم المتحدة قد تجاوزت الأولوية الأولى إلى الثانية، بينما يجادل آخرون بأن القرار لم يرتب هذه الأولويات، وأن اللجوء إلى سلّتي الدستور والانتخابات والتوصّل لاتفاق حولهما يُمكن أن يبلور تصوراً واضحاً لكلا الطرفين عن شكل الحكم المقبل.  2) الولايات المتحدة ينسجم مسار اللجنة الدستورية مع التوجهات الأمريكية بشكل كامل، رغم أنه يبدو من الناحية الإخراجية مشروعاً روسياً. وقد أظهرت الولايات المتحدة خلال مسار تشكيل اللجنة وأثناء وبعد انطلاق أعمالها دعماً وحضوراً واهتماماً بالتفاصيل، بما يؤكّد هذا الانسجام.  وقد حرصت الولايات المتحدة على وجود أشخاص يمثلون مصالحها، وخاصة في مجموعتي المعارضة والمجتمع المدني، كما حرصت على وجودهم في مواقع مؤثرة في عمل اللجنة، بما يضمن على الأقل قدرتهم على التعطيل. 

كما قامت واشنطن بتوفير الدعم والتدريب اللوجستي لبعض ممثلي المعارضة والمجتمع المدني، ودعمت بسخاء حضور ممثلي وسائل الإعلام السورية القريبة منها، كما شهدت أروقة اجتماعات اللجنة حضوراً دبلوماسياً أمريكياً كبيراً وعلى مستويات رفيعة.  وإضافة إلى التفاعل الذاتي، حرصت الولايات المتحدة على تفعيل عمل المجموعة المصغّرة، بغية زيادة الضغط على الطرف الروسي على وجه التحديد.  وتسعى الولايات المتحدة على ما يبدو إلى أن يكون النظام السياسي متعدد الأقطاب، بحيث لا تبقى السلطة متمركزة في يد الرئيس، لكنها في نفس الوقت تتجاوب مع الرؤية الإسرائيلية التي ترى في نظام الأسد بشكله الحالي ضمانة لأمنها، ولا ترغب بإجراء تغييرات في بنيته العسكرية والأمنية.  ويُذكِّر هذا التفاعل بالاهتمام الأمريكي الكبير في مسار “جنيف 2″، والذي حرص فيه الطرف الأمريكي على الحضور في كل التفاصيل وبشكل موسّع. وهو حضور يُعبّر عن أهمية المشروع في الاستراتيجية الخاصة بسورية، أو الاستراتيجية الخاصة بالتعامل مع الأطراف الفاعلة في الملف السوري، وخاصة روسيا وإيران.  3) المجموعة المصغّرة  تتبنى المجموعة المصغّرة المؤلّفة من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا والسعودية ومصر والأردن، موقفاً داعماً لجهود الأمم المتحدة في الوصول إلى حل سياسي تحت رعايتها، وقد أصدرت المجموعة بياناً بعد يومين من انطلاق أعمال اللجنة الدستورية، حيث اعتبرتها خطوة طال انتظارها وتتطلب أفعالاً وتعهدات قوية لكي تنجح، وأنها تكملة تطبيق باقي البنود المتعلّقة بقرار مجلس الأمن رقم 2254.  وقد كانت الجهود الدبلوماسية التي بذلتها المجموعة المصغّرة التي تقودها الولايات المتحدة سبباً رئيسياً في انطلاق أعمال اللجنة الدستورية، مستندة إلى سياسة الضغط القصوى التي مارستها على روسيا من أجل حمل النظام السوري على تجاوز كل العراقيل التي كان يضعها لمنع تشكيل اللجنة. وتقوم هذه السياسة على حزمة من الإجراءات وهي: • اشتراط المشاركة في إعادة الإعمار وعمليات التنمية المقترنة، مقابل الدخول الجدي في العملية السياسية. • اشتراط رفع العقوبات الاقتصادية على النظام السوري، مقابل الدخول الجاد في العملية السياسية، والتهديد باستمرارها وتوسيعها في حال عدم التزامه. • اعتراض المساعي لإعادة اللاجئين إلى سورية قبل البدء الجاد بالعملية السياسية.  وبطبيعة الحال، لا ترغب المجموعة المصغرة بجعل اللجنة الدستورية وسيلة تستخدمها روسيا في السيطرة على العملية السياسية ومن ثم إعادة الإعمار، لكن جهودها في هذا الصدد تقتصر على الضغط السياسي والاقتصادي، دون العسكري.  4) روسيا سعت روسيا لفرض رؤيتها على شكل وأهداف ومسار اللجنة الدستورية، وإن كانت قد قدّمت بعض التنازلات استجابة لسياسة الضغط القصوى التي مارستها المجموعة المصغّرة.  هذا لا يعني قبولها على حمل النظام السوري على تقديم تنازلات أو مرونة تفضي إلى تحقيق تقدّم في عمل اللجنة الدستورية، وبما يقود إلى تسوية شاملة تحافظ على مصالح جميع القوى الفاعلة. فروسيا تمتلك قدرة عالية على المناورة والمماطلة.   ورغم أنّ إعلان تشكيل اللجنة الدستورية تم في جنيف بدل دمشق أو أستانا أو سوتشي، لكن ذلك لا يعني تخلي روسيا عن رعاية العملية السياسية، فسرعان ما بادرت إلى دعوة أطراف اللجنة الدستورية إلى المشاركة في الجولة الرابعة عشر من مباحثات أستانا، وهذا يعني بالضرورة أنّها لا تنظر إلى المفاوضات التي تجريها اللجنة على أنّها مجرّد تقنية قانونية، بل باعتبارها ذات بعدٍ سياسي.  5) تركيا تبنت تركيا في السنوات الأخيرة سياسة “حصر الأضرار” المترتبة على بقاء نظام الأسد بدعم روسي-إيراني، ومحاولة تحصين المصالح التركية في سورية، وخاصة فيما يتعلق بمخاطر حزب الاتحاد الديموقراطي، والذي تراه جناحاً لحزب العمال الكردستاني، المصنف إرهابياً في تركيا.  وضمن هذا السياق تعمل تركيا على ضمان أن يكون النظام السياسي المقبل في سورية نظاماً يُضعف من صلاحيات الرئيس ويحدّ من تمركز السلطات بين يديه، ويسمح بمشاركة عدد أكبر من الفاعلين في السلطة؛ بما يضمن المصالح التركية المستقبلية.  وتدرك تركيا أن الدستور المقبل سيكون نتيجة لتوافق بين الدول الفاعلة، ولذا فإنّها ستعمل على ضمان هذه التغيرات في النظام السياسي من خلال علاقاتها مع الدول الفاعلة، وخاصة روسيا وإيران، مستخدمة كافة أوراق التفاوض المتاحة أمامها.  وكان ملفتاً تخلّي تركيا عن حقّها في تشكيل المجموعة المعارضة ضمن أعضاء اللجنة، وهو الحق الذي كفله اتفاق مؤتمر سوتشي، حيث تنازلت -دون سبب واضحٍ وفق وصف مصادر روسية- عن هذا الحق لجهات في المعارضة، وحتى لجهات دولية، وخاصة الولايات المتحدة. وربما يُعزّز هذا التوجه التركي من القناعة بأنها ترى أن الدستور القادم سيكون حصيلة لتوافقات دولية لا حصيلة لأوزان مكونات اللجنة نفسها!. 6) إيران تُظهر إيران اهتماماً سياسياً وإعلامياً محدوداً بمسار اللجنة الدستورية، بل وبمسار الحل السياسي بمجمله، ونادراً ما يتم ذكر هذا المسار أو أيّ من أدواته في الخطاب السياسي الإيراني الرسمي. 

لكن غياب الاهتمام لا يعكس غياباً بالكامل للاهتمام بهذا المسار، إذ أن إيران تعمل/ تضمن حضورها العام في المسار التفاوضي من خلال الطرف الروسي، ومن خلال ممثليها لدى النظام.  إلا أن المشروع الإيراني بعيد المدى في سورية، والمختلف كلياً عن المشروع الروسي، لا يتوقف عند تفاصيل الحل السياسي، كاللجنة الدستورية أو غيرها، إذ تحرص طهران على سيطرتها على مفاصل الدولة الفعلية، وعلى امتلاك حلفائها المحليين من أدوات القوة بما يكفي لضمان تأثيرهم المستقبلي، بغض النظر عن شكل النظام السياسي الذي سيتم إفرازه. ويلاحظ من خلال تحليل المشروع الإيراني في دول المنطقة قدرة طهران على التعامل المرن مع الأنظمة الديموقراطية أو الشمولية أو حالات الصراع المسلح، إذ يمتلك حلفاؤها آليات الفوز في الانتخابات والعمل ضمن المنظومة الديموقراطية، كما يمتلكون آليات الانقلاب على العملية الديموقراطية أيضاً. 
رابعاً: تحليل عمل اللجنة الدستورية انطلقت بين 5 و8 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، الجولة الأولى من اجتماعات اللجنة الدستورية، عبر لقاء وفود الهيئة المصغّرة، التي يقع على عاتقها التوصّل لاتفاق حول الإصلاح الدستوري إما بإجراء تعديل على دستور 2012 أو بصياغة دستور جديد للبلاد؛ وذلك عبر مناقشة الأفكار والمقترحات التي قُدّمت في الهيئة الموسعة لتحديد ما يصلح منها ليكون مبادئ دستورية.  وقام كل وفد في الهيئة المصغّرة في الجولة الأولى بتلخيص الأفكار والاقتراحات المقدّمة من النقاشات والكلمات التي تم تداولها في اجتماع الهيئة الموسّعة. ومن ثم تجميعها بثلاث “لا ورقات” عن كل مجموعة، على أن يتم مناقشتها في الجولة الثانية. وتضمّنت “لا ورقة” وفد المعارضة السورية مبادئ دستورية منها “ضمان حرية وكرامة السوريين، تحقيق العدالة الاجتماعية فيما بينهم، استقلالية القضاء – الفصل بين السلطات – نزاهة الانتخابات – ضمان التعددية السياسية – المواطنة المتساوية – قيام الجيش الوطني والمؤسسات الأمنية بناءً على الكفاءة – الالتزام بحقوق الإنسان – ضمان مشاركة المرأة في المؤسسات بنسبة لا تقل عن 30% – القضية الكردية قضية وطنية”.   بينما ركزت “لا ورقة” وفد النظام السوري على أولوية محاربة الإرهاب وتطبيق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بمكافحة الإرهاب، وتكاتف الشعب السوري من أجل محاربة جميع المجموعات الإرهابية في سورية، في سبيل محاولة الوصول إلى أرضية مشتركة بين أعضاء اللجنة الدستورية، وتهيئة الأرضية اللازمة لتحقيق تقدم فعلي في عمل اللجنة.  وانقسمت “لا ورقة” وفد المجتمع المدني إلى قسمين إذ ركز المقرّبون من النظام السوري على “إدانة اعتداءات التنظيمات الإرهابية – استنكار العقوبات الاقتصادية المفروضة على سورية”. بينما أكد المقرّبون من المعارضة على “الإفراج الفوري عن جميع معتقلي الرأي من قبل جميع الأطراف في سورية – الكشف عن مصير المختفين قسرياً – تشكيل لجنة وطنية لمراقبة إطلاق سراح المعتقلين من قبل جميع الجهات بشكل دوري وفق جدول زمني محدد”. 

وفي 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، كان يُفترض أن تنطلق الجولة الثانية من اجتماعات اللجنة الدستورية، لكن تعثّر ذلك بسبب عدم توصّل وفدي النظام والمعارضة السورية إلى صيغة ملائمة للدخول في المحادثات. وقد رفض وفد النظام السوري الدخول في مباحثات الجولة الثانية قبل مناقشة مجموعة من المبادئ حملت عنوان “ركائز وطنية تهم الشعب السوري”، تتضمن “إدانة التطرف والإرهاب والعنف والعمل على مكافحته –اعتبار كل من حمل السلاح خارج سلطة الدولة السورية إرهابياً – التأكيد على وحدة واستقلال وسيادة سورية من خلال إدانة الاحتلال التركي والأمريكي وغيره من الوجود الأجنبي خارج موافقة الدولة السورية والمطالبة بخروجه – المطالبة برفع الإجراءات القسرية أحادية الجانب المفروضة على الشعب السوري من قبل دول غربية”.  في الواقع، يؤشر سلوك وخطاب وفد النظام السوري إلى ما يلي:  • إضاعة الوقت عبر تحويل العملية التفاوضية من نقاش القضايا الدستورية إلى التفاهم على آليات وإجراءات التفاوض من قبيل إعادة طرح مكان عمل اللجنة الدستورية في دمشق بدل جنيف ومدة جلسات العمل والركائز الوطنية.  • الامتناع عن تقديم تنازلات كبيرة من قبيل اعتماد دستور جديد والتأكيد على ضرورة إجراء تعديلات على دستور 2012، وفي حال اضطر إلى قبول اعتماد دستور جديد غالباً ما سيقوم بإدراج بنود لا تتعارض مع هذا الأخير من ناحية شكل الحكم والنظام السياسي في البلاد، إذ بموجب ذلك يتحدد دور الرئيس وأجهزة الدولة وغيرها من قضايا تخصّ علاقة السلطة والدولة والمجتمع والفرد.  • الرغبة في تضمين ملفات بعض السلال الأخرى للعملية السياسية في سلّة الدستور، مثل مكافحة الإرهاب. بالمقابل يؤشّر سلوك خطاب أعضاء وفد المعارضة السورية إلى ما يلي:  • وجود تفاهم على عدم وضع شروط مسبقة خلال طرح القضايا الدستورية وتجاوز عقدة “التعديل أم التغيير” عبر التركيز في المضامين ضمن سياق الإصلاح الدستوري.  • وجود رغبة فعلية في تحقيق إنجاز وتقدّم عبر المسار الدستوري وتجاوز كل ما من شأنه التعطيل أو العرقلة.  • التمسّك بمبدأ تزامن المسارات وفصلها عن بعضها خلال مناقشة قضايا العملية السياسية المتضمنة في “السلال الأربعة”، وهي الفكرة التي طرحها رئيس هيئة التفاوض نصر الحريري في مؤتمره الصحفي.
خلاصة• يظهر تحليل انتماءات أعضاء اللجنة وتوجهاتهم السياسية خللاً واضحاً في تمثيل المجتمع السوري، وخاصة من جهة تغييب الطيف الإسلامي/المحافظ، وتغييب الكيانات السياسية لصالح الأفراد.  ستتم عملية كتابة الدستور السوري وبناء شكل النظام السياسي المقبل ضمن حالة توافقية بين الدول الفاعلة، وستعكس اللجنة الدستورية هذه الحالة، بغض النظر عن تركيبة اللجنة، ومدى تمثيل كل طرف ضمن أعضاء اللجنة.  يمثل نظام الأسد واحداً من أهم الخاسرين من عملية تغيير الدستور وشكل النظام السياسي، وقد حضر إلى اللجنة مرغماً بناء على الضغط الروسي، ولذا فإنّه سيعمل كل ما بوسعه لتعطيل عمل اللجنة، ولشراء الوقت. إلا أن ذلك لن يؤثّر على المخرجات النهائية، والتي سيضطر للقبول بها بغض النظر عن تفاصيل المسار.  من غير الممكن تحقيق تقدّم في العملية السياسية السورية بمجرّد الاعتماد على ما قد تؤول إليه مباحثات المسار الدستوري. ولا بدّ من ممارسة المجموعة المصغّرة لضغوط كافية أو الوصول إلى تفاهم مرضٍ مع روسيا من أجل حث وحمل أطراف اللجنة الدستورية على السير قدماً في أعمالها وخطواتها.  هناك انسجام كامل بين روسيا والنظام السوري، لكن ذلك لا ينفي وجود مخاوف لدى هذا الأخير بأن يكون هناك تفاهم دولي حول المسار الدستوري على حساب مصالحه ووجوده.  هناك تعويل مبالغ به من المعارضة السورية على نتائج المسار الدستوري، فالسيناريوهات التي قد تنجم عنه لا تعني بالضرورة خروجها بمكاسب كبيرة أو حتى مرضية، لا سيما في حال الشراكة مع السوري سوءاً بغياب بشار الأسد بعد انتخابات عام 2021، أو بوجوده حتى انتخابات عام 2028.  من الوارد جداً فشل أو تعثّر المسار الدستوري السوري، لا سيما في ظل امتلاك النظام والمعارضة قدرة التعطيل في عملية التصويت والتي تصل إلى 25%، وصعوبة تحصيل كل منهما على ما نسبته 75% من أجل تمرير المقترح الذي يريدانه.  إنّ فشل المسار الدستوري أو تعثّره يعني استمرار الحل العسكري، وبالتالي عودة الفاعلين الدوليين إلى محاولة فرض مقاربتهم ومصالحهم على الأرض على حساب السوريين، وهذا يقود إلى حالة مستمرّة ومعقّدة من عدم الاستقرار والأمن في المنطقة والإقليم. 

الجسور

اترك رد