مهزومون على ضفتي الفجوة السورية

راتب شعبو

بعد حوالي تسع سنوات من انطلاق الثورة السورية والمسار الكارثي الذي حشرت فيه، يواجه السوريون، من بين معضلاتهم الكثيرة، معضلة ترميم وحدتهم، أو شعورهم بوحدتهم كشعب، بعد أن اتسعت الفجوة النفسية بينهم حتى بات من الصعب العثور على جسور جامعة. تأسست الفجوة وأنتجت عوامل ديمومتها، وقد تصبح أقوى من قدرة السوريين على ترميمها. لن يجد السوريون اليوم شخصية سورية واحدة تحوز على الرضى العام وتكون محط تقدير معنوي وإجماع. لن تجد مثل هذه الشخصية في الميدان السياسي الذي انقسم بصورة حادة منذ البداية، ولكن لن تجدها أيضاً في مجال الأدب أو الفكر أو الفن أو الرياضة أو في أي مستوى آخر. كل شخصية سورية ستخضع لامتحان الموقف السياسي من الثورة ومن النظام، في أي موقع كانت. حتى الصمت هو موقف مدان، وهو بالنسبة للبعض أكثر سوءاً من التصريح. من يصمت عن النظام مجرم، ومن يصمت عن المعارضة خائن. في أي مستوى من الفاعلية كان، لا مهرب للسوري من اختبار السياسة. سواء كان له رأي وصرح به، أو لم يكن له وصمت.

في مقابل هذا، هناك محل للاستنكارات من على جانبي الفجوة: لا يحتاج الأمر إلى فهم وتحليل، الموضوع يتعلق بالشعور الإنساني، هل يمكن لإنسان أن يصمت على قتل شعب؟ هل يمكن لإنسان أن يسكت عن مجزرة؟ هل يمكن لإنسان أن يصمت عن التجويع والاغتصاب والتهجير؟ فكيف إذا كان هذا الانسان سورياً وكان من يقتلون ويغتصبون ويجوعون سوريين أيضاً؟ لا شيء يعفي السوري من أن يعلن موقفه الرافض، فهذا موقف إنساني قبل أن يكون موقفاً سياسياً، ومن لم يفعل فإنه انحاز إلى الجلاد قولاً واحداً، وفقد أي قيمة إنسانية.

وعلى الجانب الآخر من الفجوة: عن أي ثورة وحرية وكرامة يتكلمون؟ هل “القاعدة” والطائفية ثورة وكرامة؟ هل تأتينا الحرية على ذراع “خليجي”؟ هل الثورة أن تسمي جيش بلدك بالعدو؟ هل يرتجى ممن يخدم تركيا أن يخدم المصلحة الوطنية السورية؟ وهؤلاء الذين تركوا بلادهم إلى أماكن الأمان، هل يحق لهم أن يحكموا على إنسانية ووطنية من هم في الداخل؟ إذا كان يحق لهم أن يبحثوا عن أمانهم وأمان أطفالهم، فلا يحق لهم أن ينصبوا أنفسهم قضاة أخلاقيين على أحد.

يقود الجدال اللانهائي بين هذين المنظورين إلى آلية تآكل مستمر على حساب آلية الترميم الممكنة. والمنتجات الوحيدة لصدام هذين التصورين، ولاسيما إذا أضيف إليه شرخ آخر هو الشرخ العربي الكردي، هي الخيانة والعمالة والعبودية والارتزاق والرغبة في التدمير والنسف والإبادة.

الملاحظة المهمة على هذه الفجوة أنها تحولت إلى فجوة نفسية بين مهزومين. يدرك اليوم من تقبلوا فكرة المؤامرة وصوابية النظام السوري في مواجهة “الهجمة” واستهداف الدولة والجيش .. الخ، أنهم وصلوا إلى قاع سحيق من الفقر والموت وانعدام الأمن بكل المعاني، وأنهم أمام حاضر أسود ومستقبل شديد الضبابية. ويدرك أهل الثورة أنهم وصلوا، بعد المسارات التي قبلوا بها أو سايروها ودافعوا عنها، إلى حضيض من الإحباط والبؤس السياسي. ويدرك الطرفان أي دمار لحق ببلدهم وشعبهم. ولكنهم مهزومون يتراشقون بالحدود القصوى من اللوم والتقريع وتحميل المسؤولية، ويراكمون في أنفسهم كراهيات متبادلة ليس من شأنها سوى أن تعمق الفجوة وأن تزيد في هزيمة الطرفين.

الملاحظة المهمة الثانية أن هذه الفجوة تتحدى الزمن، وتخلق سبيل ديمومتها في نفوس من باتوا خارج البلاد، لأن هؤلاء خرجوا يحملون في نفوسهم جرحاً وإدانة وغضب، وباتوا خارج المجال الذي تسبب بالجرح، والذي يمكنه وحده أن يرمم هذا الجرح. هؤلاء قد يتحولوا إلى مصدر تغذية دائمة للفجوة السورية، حين تختزن نفوسهم الألم الذي خرجوا به منذ سنوات، دون منفذ للتصريف سوى تكرار الإدانة واطلاق الأحكام.

كما تخلق الفجوة ديمومتها في نفوس من هم في الداخل، لأن هؤلاء يعيشون البؤس اليومي وينظرون إلى شركائهم في البؤس، على الضفة الأخرى من الفجوة، على أنهم السبب.

فوق ذلك فإن الفجوة الأم بين المهزومين أنجبت، على كل ضفة منها، العديد من الفجوات الفرعية التي تميل، كالفجوة الأم، إلى أن تكون قطعية ونهائية. على هذا يتجنب السوريون في الخارج بعضهم البعض حين لا يكونون على معرفة مسبقة بأنهم على الضفة السياسية نفسها، مخافة أن يكتشف أحدهم أن الآخر على ضفة أخرى، فيناله جدال متوتر ونصيب من النفور.

أمام السوريون اليوم مهمة أساسية وهي التمهيد للجسور، وهذا يبدأ بالمراجعة العقلية المنفتحة وتغليب التواصل المفيد على الانقسامات “الممتعة”.

بروكار برس

اترك رد