هل من قضية كردية في سوريا؟

ما هو المعطى، أو المعطيات، التي يجب الاستناد إليها للإجابة عن سؤال شائك، وأيضاً حَرج سياسياً، مثل: هل هناك قضية كردية في سوريا؟

حسام ميرو

عادة ما يكون التاريخ ملجأ للكثيرين للإجابة عن الأسئلة المتعلّقة بالأقليات القومية، خصوصاً أنه يصبح قابلاً للتأويل وفق مرجعيات فكرية وسياسية مختلفة وعديدة، ما يسمح فعلياً بتبني وجهة نظر وظيفتها -بقدر كبير- الاستثمار السياسي، في لحظات شديدة التعقيد وطنياً، كما هو الحال في الوضع السوري، والذي يشهد مستويات من التداخل غير مسبوقة في تاريخ البلاد.

يتوزّع الأكراد في أربع دول في المنطقة (تركيا، إيران، سوريا، العراق)، وعلى الرغم من النضالات التاريخية لهم، إلا أنها اتّخذت بالمجمل صيغاً ترتبط أشدّ الارتباط بطبيعة الأنظمة السياسية الحاكمة، وبالأوضاع التاريخية القائمة، وليست حالة الأكراد في سوريا باستثناء، فقد حاولت النخب الكردية أن تتكيّف وتكيّف نضالها ومطالبها مع الأوضاع الموجودة في سوريا، ابتداءً من الصيغ المجتمعية، مثل الأندية والجمعيات، وأشهرها “جمعية خويبون” (1927-1946)، والتي تصدّت لإدارتها النخبة البورجوازية الكردية، وصولاً إلى الصيغة السياسية الواضحة، والتي تجلّت مع الإعلان عن تأسيس أول حزب كردي في سوريا عام 1957، وهو حزب “الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا”.

لم يتجه معظم الناشطين الكرد إلى الأحزاب ذات التوجه القومي الخالص، فقد ناضل الكثيرون في صفوف اليسار السوري، خصوصاً في “الحزب الشيوعي”، وتأثروا بما عاناه هذا الحزب التاريخي من انشقاقات، فاتخذوا مواقف متباينة منها، فقد كان الخلاف والاختلاف يقوم على أسس لها علاقة بالممارسات السياسية داخل الحزب، أو بالعلاقة مع الاتحاد السوفيتي وتأثيره في مجمل قوى اليسار في العالم.

في المقابل، رفض العروبيون، ورأس حربتهم “حزب البعث العربي الاشتراكي” الاعتراف بأي مطالب خاصّة للأكراد في سوريا، وأصبح معروفاً الدور الذي لعبه “البعث” في حرمان الأكراد من حقوق كثيرة، لكن ما يهمّنا هنا هو النظرة التي تأسّس عليها موقف العروبيين من الأقليات القومية، حيث إن مفهوم الأمة في الأدبيات التقليدية للقوميين كان مفهوماً عامّاً وفضفاضاً، يتعامل مع التاريخ بطريقة انتقائية، تدعم توجهاته وأهدافه، ما جعله يرى في مطالب الأقليات القومية حالة من الشعوبية/ الانفصالية التي يجب محاربتها، لأنها تضعف “مشروع الأمة”، ولم يختلف هذا السياق في تناول مفهوم الأمة كثيراً عن أدبيات الإسلاميين، خصوصاً “الإخوان المسلمين”، حيث تتأسس فكرة الأمة/ الخلافة على طغيان الانتقائية، وتغييب التمايزات، لمصلحة الهوية الدينية.

اتسّمت مرحلة ما يعد الاستقلال في سوريا بصراع أساسي بين ثلاث قوى رئيسية، وهي القوميين، والشيوعيين، والإسلاميين، وقامت مشاريع تلك القوى على أسس ما فوق وطنية، فقد نادى القوميون بالدولة/ الأمة العربية، بينما تبنى الإسلاميون الخلافة/ الأمة، وغرّد الشيوعيون في الفضاء الأممي، ولم تكن سوريا إلا عنواناً فرعياً في العناوين الكبرى، تتحالف أحزابها مع أقرانها في الخارج، بينما تتصارع في ما بينها في الداخل.

بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، بدا جلياً أن إقليم كردستان العراق يتبلور كحالة خاصّة ضمن عموم الحالة الكردية في المنطقة، وهو ما أعاد من جديد إلى الواجهة، وبقوّة، المسألة الكردية، وقد أوضحت أحداث 2004 في الجزيرة مدى حساسية النظام السوري لما يجري في العراق، حيث تحوّلت لعبة كرة قدم بين فريقي “الفتوة” من دير الزور، و”الجهاد” من القامشلي، إلى اشتباكات، تدخّلت فيها قوى الأمن وأطلقت الرصاص على مشجعين أكراد، خرجت احتجاجات كردية في إثرها، جوبهت بقوة شديدة، وذهب ضحيتها عشرون كردياً، وجرح عشرات، واعتقل مئات.

بعد 2011، شهدت ساحة المعارضة السورية سجالات واسعة، فقد وضعت الأحزاب الكردية مطالب كثيرة على الطاولة، وربما كان مؤتمر توحيد المعارضة السورية في 2و3 يوليو/ تموز 2012 هو اللحظة الأكثر تعبيراً عن رفع سقف المطالب، وقد استجاب لها المؤتمر، بالاعتراف بأن الأكراد في سوريا مكون قومي “تقرّ الدولة السوريّة بوجود قومية كرديّة ضمن أبنائها، وبهويّتها وبحقوقها القوميّة المشروعة وفق العهود والمواثيق الدوليّة ضمن إطار وحدة الوطن السوري. وتعتبر القومية الكردية في سورية جزءاً أصيلاً من الشعب السوري”.

وعلى غرار “مؤتمر توحيد المعارضة” في القاهرة، واجهت الكثير من المؤتمرات معضلة توصيف الأكراد، وحاولت التمييز بين القومية والشعب، فاعترفت بهم كقومية، على أن يكونوا جزءاً لا يتجزأ من الشعب السوري، وهو تمييز تلفيقي، غير معرفي، وينطلق من نظرة أكثروية، بتعبير المفكر الراحل ياسين الحافظ.

وفي واقع الصراع على النفوذ، تمكن “حزب الاتحاد الديمقراطي” من بناء تكتيكات عديدة منذ 2011، وقد كان لتنميته ذراعاً عسكرياً، تمثّل ب”وحدات حماية الشعب الكردية”، من حيازة ثقل نوعي في منطقة الجزيرة السورية، ونتيجة لمكانته الجديدة، وتعقيدات الصراع السوري، أعلن تأسيس “الإدارة الذاتية” في 23 نوفمبر/ 2013، وبعد إنشاء “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)  في 11 أكتوبر/ تشرين الأول 2015،ي وحصوله على الدعم الأمريكي، وخوضه معارك عسكرية ضد تنظيم “داعش” الإرهابي، أصبحت “قسد” طرفاً رئيساً في المعادلة السياسية السورية، لكن هذه المكانة تدهورت مؤخراً، بعد إعلان الرئيس الأمريكي انسحاب قواته، ومن ثم شن تركيا عملية عسكرية “نبع السلام”، اجتاحت فيها مدينتي تل أبيض ورأس العين.

خلال السنوات الماضية، برز أمر أساسي في الصراع السوري، وهو أن مختلف الأطراف لا تفكّر سورياً، فالنظام لا يفكر بسوريا بقدر ما يفكر ببقائه في السلطة، وكذلك عملت القوى الإسلامية العسكرية على إعلان إماراتها الإسلامية، وكذلك سعى “الاتحاد الديمقراطي” إلى تعزيز سلطنه، وإعطاء منطقة نفوذه مسميات خاصة، مثل “روج آفا” وشرق الفرات، ولئن تمسّكت معظم قوى الأمر الواقع لفظياً بسوريا، ووحدة أراضيها، إلا أن ذلك لم يعدو كونه إنشاءً فارغاً من المضمون العملي.

إن إعادة التأسيس لمفهوم الأمة بدلالته الوطنية هو أمر أساسي لإعادة تعريف كل القضايا، بما فيها قضايا الأقليات الإثنية، فالأمة/ الدولة يمكن أن تحتوي في نسيجها عدداً من الشعوب، وأن تعترف بوجودهم دستورياً، في ظل دولة ديمقراطية، ترتكز إلى حقوق المواطنة المتساوية، لكن هذا السياق يحتاج فعلياً إلى الاعتراف بعدم جدوى كل الأوهام ما دون الوطنية أو ما فوقها.

خلاصة القول إن وجود قضية كردية مرهون، في إطار الظرف السوري، المعقد تاريخياً، والمتشظي راهناً، بماهية القضية الأم، أي القضية الوطنية السورية، وهو ما يؤكده الواقع، وليس الجدل المؤسس على تأويل التاريخ، على أهمية التاريخ وتأويلاته.

بروكار برس

اترك رد