عن إيران و”تسوية إسرائيل بالأرض”

عبدالوهاب بدرخان

تراشقت إسرائيل وإيران أخيراً بالتهديدات. الأولى توعّدت بجعل سورية “فيتنام أخرى” لإيران، وردّت الثانية بـ “تسوية إسرائيل بالتراب”… انطلاقاً من لبنان”. لم تعلّق دمشق على هذا السجال، فلديها الكثير من الهموم بعدما اكتشف النظام أن لدى أفراده ثروات وفيرة أما الدولة التي قيل إنه “ضمان” بقائها فهي مفلسة، ولا أحد يخشى انهيارها، كما هي حال لبنان مع دولته واقتصاده، لأنها تعيش حال انهيار مكتومة وتغطّيها بـ “الانتصارات” العسكرية. لكن بيروت لم تستطع أن تسكت على هذا التمادي الإيراني، لا لشيء إلا لأن “حزب الله”، وكيل نظام الملالي، يفضّل حالياً إبقاء تدخّل طهران خارج التداول في الأزمة الداخلية. ومع أن اللواء مرتضى قرباني، مستشار قائد “الحرس الثوري”، أدلى بتصريحاته لوكالة محلية فإن وزير الدفاع اللبناني الياس بوصعب والعديد من سياسيي “التيار الوطني الحرّ”، حزب رئيس الجمهورية، استهلّوا ردودهم على قرباني بـ “إذا كان صحّ ما نُسب إليه” فإنه “لأمر مؤسف وغير مقبول وتعدٍّ على السيادة اللبنانية”، كما غرّد الوزير. لكن كانت هناك مطالبة بموقف من “الحزب” وأمينه العام، وما المتوقّع من حسن نصرالله، فهو المكلّف بـ “تسوية إسرائيل بالأرض”.
في اليوم التالي رأى “الحرس” وجوب “توضيح” تصريحات مستشار قائده، فقال الناطق أنه جرى “تحريفها واستنباطها بصورة خاطئة”، كيف؟ أضاف أن قرباني “طرح في الواقع الردّ على اسرائيل بالأدوات والطاقات المتنوّعة المتاحة”. وإذ انتهز الفرصة لدعوة الإعلاميين الى “توخّي المزيد من الدقّة”، فقد تبيّن أن ما يقصده من خطأ إعلامي هو أن قرباني ليس مستشاراً لقائد “الحرس” بل يعمل في مجالات أخرى في القوات المسلّحة. أي أن الخطأ لم يكن في اشارته الى لبنان وسيادته والتدخّل في شؤونه، وبالتالي فإن الناطق أوضح الواضح ولم يفوّت المناسبة للإشارة الى “بعد نظر” الوزير بوصعب الذي ذكّر بأن لبنان “تربطه بإيران علاقة صداقة لا يجوز أن تمس استقلالية القرار اللبناني”. وهكذا أصبح الوزير “المحترم”، كما وصفه الناطق الإيراني، مُطالَباً بإيضاحات في شأن “استقلالية القرار”، لأن قرباني لم “يهرف بما لا يعرف” بل كان مكلّفاً تمرير هذه “الرسالة” الى إسرائيل، ولا قيمة لردود الفعل اللبنانية.
واقعياً، لم يكن الموقف الإيراني مفاجئاً بل غير مألوف، ففي العادة يتولّى نصرالله إطلاق التهديدات والإبلاغ عن الصواريخ من بيروت، وفي إطار مقاومة أي عدوان إسرائيلي على لبنان. صحيح أن نصرالله كرّر في الآونة الأخيرة أن أسلحته المتطوّرة ستتجنّد في تدمير اسرائيل إذا ما شُنّت أي حرب اميركية على إيران، إلا أنه فضّل على ما يبدو عدم دخول السجال الأخير لئلا تفسّر أي تهديدات في بيروت كأنها تمهيد لمواجهةٍ ما مع إسرائيل فيتمكّن “حزب الله” عندئذ من فرض نهاية قسرية على الانتفاضة الشعبية وإعادة خلط أوراق لاستعادة ادارته للأزمة الداخلية بمعزل عما تؤول إليه أي مواجهة اقتصادياً ومالياً. في الأثناء لم يتأخّر العديد من “المشتغلين بالممانعة” في البناء على تهديدات قرباني ليخلصوا الى أن إيران لا تهدّد لمجرد التهديد وإنما لديها معلومات عن عدوانٍ ما تبيّته إسرائيل. ومع أنهم لا يسألون لماذا لم يتمكّن الإيرانيون من صدّ الضربات المتكررة عليهم في سورية أو منعها بل يعتبرون سكوتهم “صبراً استراتيجياً”، فإنهم يخلصون الى “المؤامرة” التي أحبطوها في سورية انتقلت الآن الى لبنان ولا بد من القضاء عليها.
الأرجح أن مستشار/ أو لامستشار قائد “الحرس” انطلق من بديهيتين: الأولى أن ايران “موجودة” وليست “متدخّلة” في لبنان، والثانية أنها ليست على “علاقة صداقة” مع لبنان بل تحكمه من خلال “حزب الله”. هذا ما تعتقده أيضاً إسرائيل والولايات المتحدة، فمن يملك ترسانة ويشكّل خطراً هو من يحكم ويصنع القرار، لذا يستهدفانه لإضعافه، وبما أنه متحصّن جيّداً بسلاحه وحلفائه فإن استهدافه بات ينال من لبنان واللبنانيين. وهكذا تلتقي الغايات والوسائل، مع فارق أن وكلاء إيران لا يعتبرون دورها تدخّلاً خارجياً كما هو التدخّل الأميركي (والإسرائيلي).
غير أن الإشكالية التي يعاني منها “حزب الله” تكمن حالياً في أن إيران القوية والقادرة عسكرياً لا تستطيع شيئاً في معالجة الأزمة اللبنانية، ما اضطرّه للإقرار بالحاجة الى تدخّل دولي، واستطراداً الى بقاء سعد الحريري رئيساً للحكومة. غير أن “الحزب” يريد للدور الخارجي أن يرضخ لتسلّطه ولكونه وكيلاً لإيران، وأن يُقبل في الوقت نفسه على “انقاذ” لبنان. هذه عقلية سياسية – عسكرية تستمدّ منطقها من عمليات احتجاز الرهائن، فليس مهمّاً أن تموت الرهينة أو تبقى على قيد الحياة بل المهم أن تحقق العملية أهدافها. الرهينة هنا هي لبنان، وقد تكالب عليها “حزب الله” والنظام السوري بعدما فاقمت العقوبات الأميركية حاجتهما الى السيولة، وإذا أضيف تعاون منظومة الفساد اللبنانية معهما يصبح هناك تصوّر واضح لحقيقة الأزمة المالية.
لا مجال للأوهام، فـ “مجموعة الدعم الدولي” لم تنطلق في اجتماعها في باريس من موقف عاطفي تجاه لبنان، ولن تقدّم أي دعم ما لم يكن بموافقة وغطاء أميركيين. لكن المجموعة أبدت نياتها ولن تفعّلها ما لم تحصل خطوات داخلية لبنانية لتحفيزها. أي تنازلات دولية تنتظر تنازلات إيرانية، فيما يصرخ لبنان وحده ألماً من صراع الطرفين، اللذين يتفرّجان حالياً على انهياره. هذه لحظة تاريخية تتطلّب أن يثبت فيها “حزب الله” أن ولاءه للوليّ الفقيه لا يعني أن يشارك هو أيضاً في التفرّج. لا مصلحة له في إفقار البلد وأهله، ولا فائدة من استمراره في الألاعيب السياسية ولا من مراعاة هذا الحليف أو ذاك، ولا داعي لأن يخدع نفسه والآخرين فإذا كانت لديه قدرة على انقاذ البلد فهذا أوانها وإذا كان يفتقدها فليتركها للآخرين.

اترك رد