في المقارنة أو التشابه بين الإسلام السياسي “الشيعي” والإسلام السياسي “السنّي”

ماجد كيالي

شهد منتصف القرن الماضي انحسار أيديولوجيا القومية العربية، سيما في ضوء تكشّف ادعاءاتها وهشاشتها، كما تم تمثلها في حزب البعث، الذي حكم قطرين مركزيين في العالم العربي، وبالأخص في المشرق منه، أي في سوريا والعراق. وتأتي في الإطار ذاته تلك الأراجيف القومجية الكاريكاتورية التي ادعاها العقيد القذافي، الذي حكم لبيبا لعقود، والذي لطالما استحلى لقب “الأمين على القومية العربية”. هذا مع علمنا أن كل تلك الأنظمة انتهجت الاستبداد، وتنافست أو تناطحت فيما بينها، وأخفقت في مشاريع التنمية، إضافة إلى أنها حالت دون قيام دولة وطنية، ودون إنشاء إجماعات وطنية، لمواطنين أحرار ومتساوين، في إطارها، فكيف إذا تعلق الأمر ببناء دولة قومية.

طبعاً، عندما نتحدث هنا عن القومية فإننا نتحدث عن تمثلاتها المتعينة، كما نتحدث عنها كفكرة سياسية، أي بالتمييز بينها وبين العروبة، إذ هذه أوسع من الأولى، وأعمق، لأنها تتعلق بالثقافة واللغة والتاريخ، فضلاً عن أنها لا تتأسس على حامل، أو على ادعاء، عصبية إثنية تجاه الغير، سيما في بلدان متعددة ومتنوعة بمكوناتها.

أيضا، شهد أواخر القرن الماضي انهيار أو أفول الأيديولوجية اليسارية، سيما مع تفكك الاتحاد السوفييتي (السابق)، وما كان يعرف بدول المنظومة الاشتراكية، والذي شمل، أيضا، تحول أحزاب شيوعية، في معظم البلدان، إلى أحزاب يسارية من نوع جديد، أو إلى أحزاب وطنية ذات نزعة يسارية وليبرالية في آن معا، بعد الإخفاق على صعيد التنمية والتطور السياسي وحقوق المواطنة، مع التفوق العلمي والتكنولوجي والاقتصادي في الدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة.

بيد أن انهيار الأيديولوجيتين، القومية واليسارية، كان صاحبه صعود تيار الإسلام السياسي، الذي أبدى حراكا ونشاطا كبيرين، والذي ملأ الفراغ الحاصل، أو حاول ذلك، في البلدان العربية، مع تأكيدنا ملاحظتين: الأولى، أن ذلك التيار لم يكن من طبيعة واحدة، بل كان متنوعا، كمثل التنوع الذي شهدناه لدى التيارات القومية واليسارية، فكما ثمة إسلام سياسي معتدل ومدني ودعوي ومعاصر، ثمة إسلام سياسي متطرف وجهادي ومقاتل وسلفي. والثانية، مفادها أن ما نقصده بتيار الإسلام السياسي لا يقتصر على ما يعرف بالإسلام السياسي “السني”، وإنما هو يشمل الإسلام السياسي “الشيعي”.

وما يفترض إدراكه في التمييز بين هاتين الجهتين، أن الإسلام السياسي “الشيعي” هو أكثر حركة وتأثيرا ونفوذا وعمقا في مجتمعاته، رغم أن الإسلام السياسي “السني” هو الأكثر ضجيجا، وأن الأضواء مسلطة عليه أكثر من الأول (في نظرة سلبية وليست إيجابية). أيضا، ما ينبغي إدراكه، في المقارنة بينهما، أن قوة الإسلام السياسي “الشيعي”، تتأتى من عوامل متعددة، أولها، استناده إلى دولة مركز، هي إيران، في حين لا يوجد دولة مركز للإسلام السياسي “السني”. ثانيا، الإسلام “الشيعي” لديه تراتبية أو هيكلية تنظيمية، بخصوص المراتب الدينية، والمقلدين، وهذا لا يتوفر للإسلام “السني”، ما يقوي الكيانات السياسية للأول، ويضعف الكيانات السياسية للثاني أو يشتتها. وثالثها، أن الإسلام “الشيعي” لديه إمام، هو المرشد الأعلى أو “الولي الفقيه”، وهو في الواقع بمثابة “خليفة” في المنظور “السني”، في حين لا يوجد إمام في الإسلام “السني” ولا زعيم. ورابعها، أن العصبية عند الطائفة “الشيعية” تغذت عبر التاريخ، في حين إن “السنة” لا يعرفون أنفسهم كطائفة، ولا يدركون ذواتهم كطائفة. وخامسها، أن الإسلام السياسي “الشيعي”، في البلدان العربية، يستند إلى موارد منتظمة وكبيرة تأتيه من الدولة المركز، في حين يفتقد الإسلام السياسي “السني” لموارد منتظمة، وإن وجدت فهي تخضع لمزاجيات ولتوظيفات متباينة ومختلفة. وسادسها، أخيراً، أن الإسلام السياسي “الشيعي” بات يعقد ولاءه لميلشيات طائفية مسلحة، في حين إن الأمر لم ينجح مع الإسلام السياسي “السني”، الذي تعددت ولاءاته وتوظيفاته وتضاربت مصالحه، كما شهدنا في الحالتين السورية والعراقية. في هذا الإطار يجدر التذكير بخطاب لنصر الله، الأمين العام لحزب الله، قال فيه: “الإمام الخامنئي سيدنا وقائدنا وإمامنا وحسين هذا الزمان.”

أما بخصوص الشبه، وهو ما يفترض ذكره هنا، أن كليهما، أي الإسلام السياسي “الشيعي” والإسلام السياسي “السني”، نتاج صراعات السياسة والسلطة، علما أن الإثنين يتماهيان بإحالتهما كل شيء إلى المقدس، للتهرب من المسؤولية والمساءلة، ولتنزيه أفعالهما، بادعاء العصمة، علما أن السياسة هي شغل البشر، وتخضع للمصالح والأهواء والمزاجيات والانحيازات الثقافية. هكذا، فإن المشكلة مع تيار تديين السياسة وتسييس الدين، من قبل الإسلام السياسي “السني” و”الشيعي” (كما المسيحي أو اليهودي بكل فرقهما)، سعي كل واحد منهما الإحالة إلى الدين أو إلى الذات الإلهية، وهو هنا لا يتعدى على حقوق البشر ويجعل من نفسه مقدسا، وفقط، وإنما أيضا يحاول مصادرة الذات الإلهية، واعتبار نفسه أو جماعته أوصياء على الدين، علما أن كل طرف منهم، حتى في إطار الدين، أو المذهب ذاته يكفر الآخر، فضلا عن أنه يكفر غيره. وفي الواقع فقد شهدنا أن تلك التيارات، بالنتيجة، هي التي تقوض شرعيتها، أكثر مما تفعل التيارات الأخرى. لنلاحظ، مثلا، أن حزب الله وعصائب الحق وزينبيون وفاطميون وجبهة النصرة وأخواتها، من الفصائل العسكرية السورية المتغطية بالدين، أنها هي التي تقوض شرعيتها بنفسها، وهي تقاتل بعضها أكثر مما يقاتلها أحد آخر.

وفي المحصلة فإن ظاهرة انفجار وتفسّخ التيارات الإسلامية المقاتلة والتكفيرية، إن على شكل “القاعدة” أو “داعش” وأي من أخواتهما، لا يقتصر على التيارات الإسلامية التكفيرية والعنفية “السنّية” إذ هو يشمل الجماعات الإسلامية الميلشياوية “الشيعية”، أيضاً، وهو ما يحصل هذه الأيام في العراق وفي لبنان، مع حزب الله، وعصائب الحق وزينبيون وفاطميون وغير ذلك من جماعات الحشد الشعبي.

لا حل مع تيار الإسلام السياسي (أو الديني) سوى اعتبار نفسه حزبا دنيويا يخضع للمساءلة والمحاسبة، بغض النظر عن خلفيته الفكرية، ولا حل إلا بدستور يكفل الحقوق والحريات والمساواة للجميع، من دون أي تمييز، لا بسبب الدين ولا لأي سبب آخر، بمعنى دستور يحمي الدين وينزهه عن استغلال البشر وأهوائهم ومصالحهم الضيقة، ويحمي حقوق المتدينين والعلمانيين، أو أي كان، سواء كان هذا الطرف في السلطة أم ذاك الطرف، لكن كل ذلك يتطلب أساسا قيام تيارات الإسلام السياسي المعتدل والمدني والدعوي بنزع شرعية التيار المتطرف والجهادي والسلفي، بدل التصالح معه أو مجاملته بدعوى “أخوة المنهج”، لأن ذلك كان تمخض عن كارثة سيما في سوريا والعراق، أضرت بالشعبين، وبعدالة كفاحهما من أجل التغيير السياسي، كما أضرت بالتيارات الإسلامية المعتدلة ذاتها.

بروكار برس

اترك رد