حقائق كشفتها الثورة السورية

ميشيل كيلو

بعد ثورة الحرية، تكشّفت أكاذيب كثيرة اعتبرت حقائق لا يرقى إليها شك، أبقتها الأسدية حاضرة في حياة معظم السوريين ووعيهم نيفا وأربعة عقود، أكثرها أهمية أكذوبة أن النظام قوي والمجتمع ضعيف، وأن حكام سورية متفوقون على محكوميها، فكريا وأخلاقيا بصورة خاصة.  بعد الثورة، زالت الغشاوة عن أعيننا، ونحن نرى مجتمعنا الأعزل، المغيّب عن السياسة، والذي شنّت الأسدية عليه حربا مباغتة بجميع أنواع الأسلحة، يصمد قرابة عقد أمام جيشٍ منظم وقابض منذ نصف قرن على أعنّة البلاد والعباد، بل ويحرّر قرابة 70% من وطنه، ويوشك أن يسقط الأسد وعصابته مرة أولى عام 2013، وثانية عام 2015، ولم ينقذه غير تدخل عسكري قامت به قوتان عظميان، إقليمية ودولية. ومع ذلك، فشلتا في حسم الصراع لصالحهما، ولذلك يقرّ العالم، وتقرّان كلاهما باستحالة الحل العسكري الذي كان خيارهما، والسبب ما أبداه المجتمع السوري من قوة في نضاله من أجل حريته، وتصميمه على إخراج الأسد من السلطة.
لم يُبد المجتمع السوري قوة خارقة وحسب، وإنما أظهر أيضا تفوقا أخلاقيا باهرا على العصابة الأسدية، تجلى في نوع مطالبه، وفي تمسّكه بها، على الرغم مما تعرّض له من قتل وتهجير وتعذيب وتجويع طاول كل فرد فيه، وأظهره من كبرياء في مواجهة محاولات إذلاله، وثنيه عن ثورته، بينما بلغ فساد أهل السلطة وانحطاطهم درَكا لم يبلغه أحد قبلهم، سواء في أسلوب معالجتهم المطالب الشعبية النبيلة، أم في الطريقة الإجرامية التي اختاروها لتدمير وجوده. أليس سموّا أخلاقيا أن يعلن شعبٌ يقتله من يفترض أنهم أبناؤه مطالبته بالحرية لهم أيضا، لأن الشعب السوري واحد، ويجب أن ينالها كل فرد فيه، بينما رفع الأسد راية “نحن أو هم”، ولا حياة لنا من دون القضاء عليهم.
فضحت الثورة حجم فارق القوة بين المجتمع السوري والأسدية، والهوّة بين شعبٍ يطلب الحرية حتى لمن يحملون السلاح ضده ومن وعدوا السوريين بالحرية نيفا ونصف قرن، وحين ذكّروهم بتنفيذ وعدهم، شرعوا يبيدونهم عقابا بسلاحٍ كانوا يزعمون أنه مكرّس لحمايتهم. يقال إن الثورات تكشف حقيقة الحكام، ومع أن حقيقة الأسديين كانت جلية، لم يتصوّر السوريون أن يكون حكّامهم قتلة بالمعنى الجنائي للكلمة، لكنه ما أن انفجر الغضب، وعرّاهم من ورقة التوت، حتى رأى العالم قدرا من الانحطاط الأخلاقي لا يصدر عادةً عن بشر، وندر وجوده في التاريخ، دفع السلطة إلى ارتكاب قرابة أربعمئة مجزرة ومذبحة ضد الآمنين والعزّل، واستخدام أسلحة تستخدم لأول مرة في تاريخ المنطقة، كالبراميل المتفجرة، فلا عجب إن اقتصرت علاقتهم بالشعب على القتل والتجويع والتهجير والموت تحت التعذيب، وأن الأسد وعصابته دخلوا تاريخ الإجرام من أوسع أبوابه، وصاروا سبّة العصر والجنس البشري، حتى صار يكفي أن تقول أنا سوري، حتى يبادرك سامعوك إلى السؤال: من أين جاء هذا الوحش الذي يقتلكم؟
تبنّت الثورة السورية مطالب لو نفذ ربعها، لكان شعبها يرفل بثوب العدالة والإخاء، ولما سفكت دماء أحد من أبنائه، ولحققوا حريتهم ونال كل مواطن منهم حقوقه، ولنعموا بالمواطنة وحكم القانون، لكن المجرم أبى إلا أن يتمسّك بنظام الغابة ودولته العميقة التي قمعت ونهبت الشعب نيفا ونصف قرن، وما أن طالب بحقه في الحرية، حتى أفقده القتلة حقه في الحياة.
سيسجل التاريخ أن شعب سورية ارتقى بثورته إلى صعيدٍ مفعم بالقيم النبيلة والأخلاقية، وأن الأسدية لم تواجهه بغير قدر من الانحطاط الأخلاقي والسياسي، قوّض حقها في الوجود، وأغرقها في دماء من يقاومونها بأرواحهم العارية منذ نيف وتسعة أعوام، ولن يوقف سيرهم نحو حريتهم شيء أو أحد.

اترك رد