لا أحد يريد انقاذ لبنان

عبدالوهاب بدرخان

كيف يمكن تقويم ما يحصل؟ الكلّ يحكي عن الحاجة الى عملية إنقاذية، حكومة إنقاذية، ولا أحد يريد إنقاذ لبنان. يستمر الإنهيار المالي والاقتصادي، يتفاقم الاحتقان الاجتماعي، تتموضع كل مكوّنات الخراب، يترسّخ وضع الدولة الفاشلة، يغرق النظام في كواليسه بعد سقوطه في الشارع وفي وجدان اللبنانيين… لكن أركان الحكم مختلفون على “جنس الملائكة”، بالأحرى على جنس الحرّاس الذين يريدونهم في مجلس الوزراء مؤتمنين على مصير مكاسبهم وسرقاتهم. أكثر المتحمّسين لفظياً واستعراضياً لإلغاء الطائفية ظهروا على حقيقتهم كأكثر الخائفين من اللبنانيين الذي التقى في الساحات متجاوزاً الطائفية. وأكثر المدّعين الدفاع عن الدولة ولم يفعلوا شيئاً طوال أعوام لجعلها المرجعية الوحيدة القوية للشعب هم الذين يكافحون اليوم، وبشراسة مفرطة، لتكريس الطائفة فوق الشعب والدولة.
يمكن أن تُحدّد أسباب كثيرة للعنف المفتعل في وسط بيروت، وآخرها فيديو بغيض لشخص متعصّب لا يختلف عن مئات الفيديوات لمتعصّبين من المذهب المقابل، غير أن شغب ليل الاثنين – الثلاثاء لا يختلف عن شغب الليلتين السابقتين في كونه موجّهاً أولاً وأخيراً لضرب الثورة الشعبية. تختلف الذرائع والهدف واحد، يختلف المنفّذون والمحرّك واحد، وربما يجد هذا الطرف وذاك مصلحة في تخريب حراك الشعب لكن المستفيد واحد وهو “حزب الله” الذي يدير الأزمة بسلبية مبرمجة (تذكّروا تعامل نظام طهران مع انتفاضة الإيرانيين، وتوجيهات قاسم سليماني لسلطات العراق كي تتشدّد في القتل والقمع…).
ليس هناك، في مقابل هذا المستفيد الوحيد وأتباعه، سوى ضحية واحدة هي اللبنانيون من كل الطوائف والمذاهب، ولا شيء يغيظ “الحزب” وأتباعه أو يستفزّهم أكثر من رؤية أبناء الشعب يعودون الى ساحاتهم كل يوم حاملين سلميّتهم والعلم اللبناني. ما ضاعف مأزق “الحزب” وأتباعه أن الثورة ضربت نظامهم في العمق بلا أي عنف، وبما أنها لم تطرح نفسها بديلاً سلطوياً فقد وضعتهم في مواجهة مع فسادهم وفشلهم وسوء سياساتهم فلم يعد لهم سوى الغطاء الطائفي يتستّرون به. لكنه، بفضل الثورة، وبفعل تخبّطهم، تحوّل غطاءً مهترئاً وفضّاحاً، بعد مبادرة التيار العوني الى سحب المشاركة المسيحية في الحكومة ظنّاً منه أنه يعاقب الطائفة السنّية لأن مفتيّها قال إنها تريد سعد الحريري رئيساً للحكومة، أو أنه يتحدّى الثنائي الشيعي الذي لم يساند جبران باسيل ضد الحريري، أو أنه أخيرا يعاقب الشارع على اسقاطه باسيل باكراً جدّاً ولم يعد تعويمه ممكناً.
منتهى العبث واللامسؤولية. كلّ يوم يمرّ يثبت أن الثورة على حق، وأن سعي الثلاثي الشيعي – الباسيلي الى كسرها يعمّق الأزمة ويغرقهم فيها. بات “حزب الله” يعرف الآن نتائج ذهابه الى مغامرته السورية الآثمة ليست كالإياب. استدعته إيران لمحاربة المؤامرة الأميركية، فإذا “المؤامرة” تتفاعل في سوريا والعراق ولبنان وإيران نفسها. وإذ يُسأل الاميركيون الآن فإنهم يجيبون: “دعهم يغرقون”!

النهار

اترك رد