ممانعة شعبها “عميل” !

ميشيل كيلو

لا تشمل المقاومة والممانعة شعوب جميع الدول، التي تنتمي إلى جبهتها، بشهادة إيران وحزب الله والنظام الأسدي، ومن يتهم مثلهم الشعب السوري بالعمالة للصهيونية والامبريالية، بل إن شعبي لبنان والعراق انضما مؤخرا إلى الشعب السوري، بحيث صار عندنا دول ممانعة/ مقاومة شعوبها عميلة، في مفارقة غريبة عجيبة، تستحق التوقف عندها، للسؤال: ما الذي جعل السلطات المقاومة تذهب في اتجاه وشعوبها تذهب في آخر، وهل كان الأمر دوما على هذه الحال؟ وإذا كانت التهمة صحيحة، من يتحمل المسؤولية عن هذا المآل، لا سيما وأن المقاومة في خطاب إيران والأسد وحزب الله هي خيار الشعوب، فهل انتفت صفتها كشعوب مقاومة، لأنها تمردت على حكامها، وهل يكون هؤلاء مقاومون حقا، ويستطيعون مقاومة عدوين أحدهما الإمبريالية، إن كانت شعوبهم ترفضهم، ووصل بها رفضهم إلى التعامل مع أعدائها؟ أخيرا، لماذا لم يبذل قادة المقاومة أي جهد لاستعادة شعوبهم إلى حيث يجب أن تكون، في المقاومة، لأن هذه لا تستقيم ولا تنجح من دون مشاركتهم؟

لا يطرح خامنئي وبشار الأسد وحسن نصر الله القادة هذه الأسئلة، ولا يلقيان بالا إلى الأوضاع التي حولت شعوب دول وأنظمة مقاومة إلى “عميلة” لمن كانت تقاومهم. إنهم يكتفون بعزو ثوراتهم وما يطالبون به من حرية وعدالة ومساواة وكرامة إلى جهات معادية، من دون أن يولوا هذا الأمر ما يستحقه من أهتمام في سياساتهم، التي لا بد أن تكون أولويتها ، إذا كانت سياسات مقاومة، إعادة الشعوب إلى جادة الوطنية، ما  دامت مقاومة العمالة في بلدانها ذاتها أصل كل مقاومة!.

لو أخذنا سوريا كمثال، لقال لك خامنئي ونصر الله والأسد إن  شعبها تمرد على نظامها ، لأنه يقاوم  الصهاينة الذين احتلوا الجولان منذ أكثر من خمسين عاما، وبدل أن ينال دعم  مواطنيه، يقاومونه ويثورون عليه، فأي خيانة أوضح من هذه، وكيف لا يكون شعب سوريا عميلا إن تجاهل المؤامرة الكونية، التي حذره رئيسه المقاوم مرارا وتكرارا منها، لكنه عوض أن يسانده، انقض عليه، وهو يعلم تمام العلم أن الثورة مستهدفة بمؤامرة كونية مستمرة منذ عام ١٩٦٣، فهل كان الشعب المتآمر يعتقد أن الرئيس المقاوم سينصاع لمطالبه، ولن يحبط دوره فيها؟

ـ يجمع المواطن السوري عدد الساعات التي قاتل جيشه خلالها العدو الذي يحتل الجولان بالأمس، قبل اثنين وخمسين عاما، فيخجل من هزال الرقم ، إنها ساعات قليلة لو ضمت إلى بعضها لما تجاوزت مدة قتاله حروب التحرير الثلاثة، التي خاضها وهزم فيها خلال أعوام ١٩٦٧ و١٩٧٣ و١٩٨٢ أسبوعين ، بينما يصم أذنيه عن صراخ التحرير طيلة نصف القرن، الذي كان يتحول بفضل ما أبدته الأسدية من استبسال في المقاومة إلى همس، كي لا يسمعه العدو اللعين. خلال نصف قرن  المقاومة، كان المواطن ، الذي أرسل أولاده للموت على الجبهات ، أو قتلهم الأسد في سجونه تحت التعذيب، يقف ساعات عدة يوميا أمام الأفران لشراء خبز أسرته، في بلاد تنتج فائضا من القمح يزيد على ضعف حاجتها منه، ويستميت للحصول على قارورة غاز، مع أن في وطنه ثروة هائلة منه يبدد معظمها حرقا ، ويأكل التضخم راتبه، ويعاني الأمرين للحصول على غذاء وكساء ودواء لأطفاله، بينما تلتهم تكلفة الكهرباء والماء ثلث راتبه، ويبتلع إيجار بيته نصفه، فلا يبقى له غير العوز والديون، ومد يده إلى جيوب المعذبين من أمثاله، ويكتفي من السعادة برؤية قادة المقاومة وهم في نعيم مقيم، بفضل ما لديهم من فائض ثروة ونضال.

   يتجاهل خامنئي والأسد ونصر الله دورهم في انفجار الشعب السوري. ويرون في انضمام ملايينه إلى ثورته ما يؤكد “المؤامرة الكونية” عليهم، وفي حين يتجاهلون أن دولة عظمى وأخرى إقليمية تقاتلان مع الأسد، وأن الشعب العميل متروك للموت قصفا وجوعا، فإنهم يرفضون بإصرار الوقوف أمام السؤال الذي تطرحه ادعاءاتهم: إذا كانت إسرائيل تستطيع تحريك الملايين من الشعب السوري ضد نظامه المقاوم ، من الذي يجب أن يعتبر مدانا: الجهات الخارجية، التي تزعم الأسدية أنها تقاومها وتحمي الشعب منها، أم نظامها، الذي عاش بسلام مع الاحتلال الإسرائيلي للجولان، وأمضى نصف قرن مكتفيا بالتغني بصموده ضده؟.

  أليس أمرا يدعو للدهشة ان تنجح الصهيونية في اختراق مجتمعات نظم المقاومة من دون غيرها؟ إذا كان صحيحا أن الشعب السوري يتآمر مع الصهاينة ضد نظام الأسد المقاوم، ألا يعني هذا أن على الاسدية الإقلاع عن اعتبار نفسها نظام مقاومة، إن كانت تقاوم الصهاينة في الخارج، وتسمح لهم بصهينة شعبها في الداخل؟. أليس عليها أيضا الاعتراف بأنها تكذب،حين تتهم بالتآمر مواطنا ليس لديه ما يشترى به الخبز، ولو كان عميلا لامتلأت جيوبه بالمال، كالمقاومين قادة وزعامات؟. ما قول المقاومين في مؤامرة فشلوا في إحباطها منذ أكثر من نصف قرن، وهل يستحق فاشلون أخفقوا في رد التآمر عن وطنهم أن يبقوا في السلطة باسم المقاومة؟.

  أي شهادة مدمرة لحكام دمشق، إن كانت شعوبهم تتآمر مع عدوهم، بعد أربعين عاما من انفرادهم بتقرير شؤونه؟. وأي شهادة لمن منحهم ثقته قبل نصف قرن، لأنهم وعدوه بتحرير فلسطين، وها هم يتهمونه بعد خمسين عاما من المقاومة بالعمالة لإسرائيل، التي وصل جيشها ثلاث مرات إلى مشارف دمشق. إذا كانت هذه هي المقاومة، كيف يكون الاستسلام؟. أليس أمرا مشينا أن يبادر نظام إلى سحق شعب سوريا بسلاح جيشه المقاوم، الذي تخلى عن أرض وطننا وفر أمام العدو في جميع الحروب التي شنها الصهاينة على بلادنا ، وامتنع عن خوضها ضدهم؟.

  ـ  منذ واحد وخمسين عاما، ونظام المقاومة الأسدي يضطهد ويعذب ويعتقل ويخفي ويشوه ويهجر من يطالبونه بتحرير الجولان، الذي أهداه حافظ الأسد إلى إسرائيل، من دون قتال، فلماذا تتآمر إسرائيل على من قاومها بهدية كهذه؟.واذا كان هناك مؤامرة، لماذا لا تقدمون ما لديكم من أدلة عليها، لإثبات أنها موجوده بالفعل، عندما يطالبكم شعبكم بحقوقه وحريته؟. وما عساها تكون هذه المؤامرة، التي تستمر رغم انتصاركم على  الشعب المتآمر وهزيمته؟.

  ـ يجلس المتآمرون على شعوبهم في كراسي الحكم، وينفذون خططا تضمن  تفوق إسرائيل الساحق على بلدانهم، بينما يغتالون القوة الروحية التي تمكنهم من خوض معركة حقيقية ضد أعداء العرب، وتستطيع استعادة حقوقهم: عنيت حريتهم، التي ما إن يطالبوا بها، حتى يصيروا نهبا للإبادة المنظمة على يد جيش وأجهزة يفترض أن مهمتهما  حمايتهم من عدوهم، الذي يراقب بسعادة جيش الأسد وهو يدمر مجتمع ودولة سوريا، بمدافع اشتراها السوريون لتحرير الجولان، ولو كان جيش الصهاينة هو من يشن الحرب عليهما ، لفقد عشرات الآلاف من جنوده وضباطه، ولهزمه الشعب المقاوم، الذي يذبحه باعة الجولان لإسرائيل، وبقية سوريا لروسيا وإيران.

بروكار برس

اترك رد