نيسان ٢٠١٥ عندما سقطت حلب!

يوم الجمعة، الرابع من نيسان ٢٠١٥، خطيب المسجد في حي كرم الجبل يبدأ بمهاجمة الجيش الحر وتخوينه وتحميل فصائله المسؤولية عما حل بالثورة من هزائم وانكسار!

بعد الصلاة، يتوقف أفراد من لواء التوحيد لمناقشة الشيخ الشاب.. لا أسمع ما يقولون، لكني أرى الشيخ ينتفض كالملسوع ويصرخ: القاعدة خط أحمر.. القاعدة خط أحمر..!

***

كان أمامي حتى يوم الاثنين التالي لأبلغ السفارة الفرنسية بقراري حول الفيزا التي تمت الموافقة عليها لي ولخطيبتي، والتي أخبرتهم لاحقاً أنني لم أعد أريدها ولن أسافر، فمنحتني الموظفة فرصة شهر لأفكر مرة أخرى قبل اتخاذ القرار النهائي.

سرت مسترجعاً شريطاً من الأحداث التي دفعتني لمخاطبة السفارات الأوربية في تركيا من أجل الحصول على فيزا لجوء قبل خمسة أشهر، هذا القرار الذي اتخذته بعد تجربة مبادرة “سيف حلب” والتفاصيل المريرة التي كشفتها لنا تلك التجربة، ليس فقط

عن حجم الخلاف والعداء بين قادة الفصائل، بل وبين الناشطين المدنيين أنفسهم، وبين الريف والمدينة، بل وحتى أحياناً بين ثوار هذا الحي وذاك.. الخ، ناهيك عن اللامبالاة التي كانت سمة الكثير من القادة والمؤسسات الثورية، بينما كانت حلب تقترب أكثر فأكثر من الحصار.. والسقوط.

كانت تفاصيل مؤلمة جعلتني على يقين أن نهاية حلب ليست سوى مسألة وقت، وأن علي ألا أكون جزءاً من هذه الكارثة.

غادرت، وقررت يومها ألا أعود إلى حلب، وفي إسطنبول بدأت بمراجعة قنصليات بعض الدول طلباً للهجرة، وكان الرد سلبياً من الجميع، باستثناء القنصلية الفرنسية التي ردت على طلبي، قبل أن أغير رأيي خلال الأيام التالية.

اشتقت إلى حلب، وللثورة، ولشبابها، اشتقت لكل الأصدقاء الذين ما زالوا على قيد الحياة وقتها.. نسيت خلافاتهم العبثية، ولا مبالتهم القاتلة، وانقساماتهم المضجرة.. بل واشتقت لكل ذلك.

***

في حي المرجة الذي كان يستلقي كجثة على جانب الطريق بعد أن خلا من سكانه منذ أشهر، قابلت شاباً صغيراً بدا أنه تفاجأ برؤيتي وسألني بدهشة: استاذ ليش مانك بمظاهرة الخيول؟!

– مظاهرة خيول؟!!

كانت العبارة صادمة.. كيف يمكن أن تكون هناك مظاهرة للخيول؟!

– لا استاذ، الشباب طالعين مظاهرة كبيرة راكبين خيل وشايلين سيوف.

ضحكت في داخلي، وعند الساحة صعدت بميكروباص متجه إلى أحياء حلب الغربية المحررة، بينما لا تزال كلمات الشيخ عن “القاعدة” والخط الأحمر ترن في أذني، وقبل دوار جسر الحج بقليل شاهدت (مظاهرة الخيول).

العشرات من الشباب يمتطي بعضهم دواباً ويحمل بعضهم سلاحاً أبيض ورايات سوداء، تتقدمهم سيارة مثبت عليها ميكرفون ضخم وهم يهتفون بشعارات إسلامية ويتوعدون بتحرير القدس والحرمين وتركستان وبورما وإقامة الخلافة.

لم يكن في كل ذلك ما هو غريب سوى مشهد (الخيول) الذي كان ابتكاراً جديداً بالفعل من قبل الفصائل الجهادية التي كان معروفاً أنها لا توفر أي وسيلة لاستقطاب الشباب وصغار السن، الذين يعيش أغلبهم هاجس العودة للماضي المتخيل، ولا يتردد أكثرهم بالحلم بزمن الخيل والسيف والرمح، وها هم يحققونه لهم الآن بالفعل!

***

تابعت إلى حي صلاح الدين. كان مقر مجلس ثوار حلب مغلقاً، ومقر مجلس ثوار الحي فارغاً.. بدا الأمر غريباً نوعاً ما، فقررت التوجه إلى حي بستان القصر.

قبل الخروج من الحي صادفت المصور الشاب محمد الذي كان صوته يختلط بين الهلع والسعادة وهو يخبرني بما قد حدث للتو، بعد أن سألته عن سر غياب الجميع:

-استاذ كلهم راحوا على جسر الحج برفقة ملهم (القيادي في الجيش الحر) وعناصر من كتيبته لمواجهة جماعة الخيول إلي عم ينزلوا أعلام الثورة ويحرقوها وعم يضربوا أي حدا شايل علم الثورة!

فاجأتني هذه التطورات، وسخرت من نفسي كيف أصبحت عاجزاً عن تقدير المواقف، وفاشلاً في توقع التبعات أو استشراف الأحداث بهذا الشكل…؟!

لقد كان علي كصحفي أن أبقى في دائرة هذا الحدث الاستثنائي، لكنني أصبت بعدوى اللامبالاة منذ زمن.

أسرعت إلى جسر الحج لكنني وصلت متأخراً.. لا أحد هنا، لا شيء، لا خيول ولا مواجهات ولا أعلام ولا أحد أعرفه.

تابعت طريقي إلى حي بستان القصر

مشياً على الأقدام، ومجدداً وصلت متأخراً هذا اليوم..

بدا الجو متوتراً، والوجوه عند النقطة الطبية- حيث اعتدنا اللقاء مع شباب الحي من الثوار- كانت شاحبة، والصمت يكاد يكون مطبقاً!

انضممت لمجموعة كبيرة من الأصدقاء الصامتين والمتوترين، سألتهم: ماذا حدث؟!

توقعت أن يخبروني باستشهاد أحد ما.. توقعت أن يكون السبب قصف جديد على الحي أودى بحياة ضحايا.. توقعت العديد من السيناريوهات المعتادة، لكن ما حصل كان أمر آخر، كم كان سخيفاً أنني لم أنتبه إليه!

لقد اقتحم قسم من (الخيالة) الحي وأسقطوا أعلام الثورة وشوهوا الجداريات المرسومة على مداخله، واعتدوا على بعض الناشطين المعروفين فيه، وأطلقوا الأعيرة النارية في الهواء وهددوا كل من يرفع علم الثورة!

– لكنهم أكلوها في جسر الحج من قبل جماعة حي صلاح الدين..

هكذا جاء أحدهم ليخبرنا على أمل أن يكسر حدة المشهد البائس هنا..

وأضاف صاحب الخبر: لقد تصدوا لهم عند دوار جسر الحج وطاردوهم حتى دوار الصالحين وهناك تفرقوا.

***

طلب منا أحد ناشطي الحي الدخول إلى النقطة الطبية من أجل مناقشة الأمر ووضع تصورات أو أفكار أو خطط لمواجهة هذا التطور الخطير..

هممت بالدخول، لكن أحدهم سبقني رغم أنه كان خلفي، وخلفه شاب ثاني تمكن من ولوج الباب قبلي، نظرت إليهما، كانوا مع شاب ثالث شاهدتهم اليوم عند جسر الحج.. كانوا جزء من مظاهرة الخيول، والآن هم جزء منا!

توقفت، طلبت الحديث مع ريان وأبو عامر، أخبرتهم أننا يجب أن نغادر.

قالوا إلى أين؟

أجبت: يجب أن نغادر حلب!

لن أنسى دهشتهم، وأفهم أنهم لم يكونوا ليتخيلوا أنه سيأتي اليوم الذي يمكن أن يفكر فيه أحدنا بمغادرة حلب، لكن حلب بالنسبة لي كانت قد سقطت في ذلك اليوم.

تلفزيون سوريا

اترك رد