من هو حسان دياب؟

يوسف يزي

شخصياً، لا أثق بالرجل الذي يصبغ شعره. فهذا يوحي لي باضطراب العلاقة مع النفس، وبعلة نرجسية تتمنع عن صورتها، وبنقص مفضوح في الثقة، وبتهرب هزلي من الحقيقة الفيزيولوجية.

“ها يا أمي قد وصلت، رغم الضباب والدخان”. هذا ما كتبه (الرئيس المكلَّف) حسان دياب في عيد الأم عام 2013 في صحيفة “السفير” تحت عنوان “إلى أمي، ألف قبلة”. وكان حينها وزيراً للتربية. وهذا النص “الإنشائي” المتأدب على مثال مدرسي متكلف، وميلودرامي، والذي يشبه إجمالاً الميول الأدبية للأطباء والمهندسين وأصحاب الاختصاصات العلمية، يشي فعلاً بتعلق الرجل بوالدته، إذ يخاطبها علناً وعلى صفحات جريدة، ليقول لها ولنا نحن القراء أنه “نجح”. لكن النص نفسه يشي بأن حسان دياب مشغوف بسيرته الشخصية ومعظّم لها. لديه نظرة رومانسية، مواشاة  بالبطولة “الحزينة” تجاه حياته التي يراها متسامية وراقية.

هذا يحفزنا على الظن أنه من أولئك التلامذة المجتهدين في الدرس والعلم والمثابرة، ونيل رضى الوالدة واعتزازها. وهو على كل حال أستاذ مادة الهندسة الكهربائية وهندسة الكمبيوتر في كلية الهندسة والعمارة في الجامعة الأميركية. أي يحتل منصباً أكاديمياً مرموقاً ما يكفي لبهجة أسرته على مدى أجيال! لكن ما يرشح من بوح تلاميذه الكثر ونقمتهم عليه في “اقتباس” أو انتحال أعمالهم ونسبتها لنفسه، ثم ما كتبه بعض معارفه ومن تعاملوا معه في إدارة الجامعة أو في إدارات وزارة التربية، عن محاولة توظيف ابنه أو تعيينه لزوجته مستشارة في الوزارة، ثم إطلاق اسم والدته على إحدى المدارس الرسمية.. من دون العثور على روايات معاكسة أو أخبار مضادة، قد يلطخ سيرته ومقامه ويجعل “نجاحه” (الفعلي) مستنزفاً أو مبتوراً.

وغالباً ما يقترن هذا النوع من الاستقتال على “النجاح” بسلوك مريب أو هفوات ترقى إلى حد الجنحة أو الجناية، كأن نرى مثلاً صحافياً مخضرماً يسرق مقالة لامعة، أو كأن يقفز أستاذ هندسة الكمبيوتر من حرم الجامعة إلى طاولة مجلس الوزراء عام 2011 ولو محمولاً على أكتاف “القمصان السود”.

تعاني شخصيات لها هكذا سمات من إلحاح مرضي على نيل الاعتراف بتفوقها. وهذا بالضبط هو التفسير الوحيد لتكبده مشقة طباعة كتاب عن “إنجازاته” الشخصية بكلفة 70 مليون ليرة (بأسعار 2013). هكذا استماتة من أجل أن يبرهن للعالم (ولوالدته المتوفاة) أنه “ناجح” تستدعي الحذر والريبة، لأنها تضمر قلقاً وجودياً مؤذياً، نقصان في الثقة، ويضنيها كل يوم سهو العموم عنه. الأسوأ أن ليس في ذاكرة اللبنانيين أي شيء مما يظنه إنجازات أو نجاحات.

على كل حال، هذا الهوس يلازمه أيضاً كبت “تربوي” محافظ وصموت وموجع. وقد يكون عائقاً أمام أي تألق اجتماعي، ما يفاقم من الفشل في لفت الانتباه، تماماً كما أوحت لنا الدقائق القليلة التي ظهر فيها ماشياً في رواق قصر بعبدا، ثم وقفته أمام الصحافيين قارئاً تدبيجة إنشائية خالية من أي “كاريزما” سياسية أو تعبير فردي. كأنه رجل بلا لغة ولا نبرة، يرتاح وحسب للكلمات المسطحة.

ورجل يوحي لنا بهكذا صفات، ملائم جداً لصانعي رئاسة الحكومة في هذه الحقبة. فشبحيته التي اتسم بها حين كان وزيراً للتربية، أفضل ما يناسب “الأمين العام” و”الجنرال” و”الوريث”. إنه مثال التكنوقراط الذي تريده السلطة خيبة عميقة لهؤلاء الذين يصرخون منذ 65 يوماً مطالبين بحكومة تكنوقراطية.

ما نظنه لوهلة أولى شجاعة في التنطح لرئاسة الحكومة في هكذا حال لبنانية مخيفة، ليس سوى تهور قد يقارب الحماقة. إذ يكفي أن نتخيل حسان دياب هذا محاطاً بحسن نصرالله ونبيه برّي وميشال عون وجبران باسيل. سنرى لا بد بركة دمائه كل يوم تحت الطاولة.

ومع حسان دياب، سيقول جبران باسيل “ها يا أمي قد نجحت”.

المدن

اترك رد