منافسات الدول اللاعبة من سورية والعراق ولبنان الى ليبيا

عبدالوهاب بدرخان

نظرة الى التوتّرات الحالية تفيد بأن الصراعات بين السوريين لم تعد سورية، وبين العراقيين لم تعد عراقية، ولا هي لبنانية بين اللبنانيين، أو ليبية بين الليبيين. هؤلاء جميعاً كانوا ولا يزالون وسيبقون وقودها. وهذه من أكثر اللحظات وضوحاً بأن الصراعات تحتدم الآن بين الدول، ليس تنافساً على النفوذ فحسب بل أيضاً على خلفية تقاسم غاز المتوسّط ونفطه… ويبقى الأميركي قائد الأوركسترا.
لعل التدخّل التركي الأخير في شمال شرقي سورية، رغم أنه لم يكن الأول من نوعه، هو ما شكّل بداية الانكشاف بما أثاره من سخط وانتقادات من الاتحاد الأوروبي الى الكونغرس الأميركي مروراً ببعض العرب. وما لبث أن توسّع ماطّاً الحدود البحرية لتركيا، ومادّاً “حقوقها” الإقليمية، لتتداخل مع تلك الليبية وتبلور ذريعة لتوقيع اتفاقات مع “حكومة الوفاق” و”شرعنة” تدخّل عسكري مباشر في ليبيا، علماً بأنه حاصل منذ زمن.
كيف برّرت أنقرة لنفسها أن تخطو فوق قبرص واليونان (جزيرة كريت) وأن تدفع بتحدٍّ غير مسبوق لمصر؟ ثمة غضّ نظر أميركي، او حتى موافقة. ما الهدف؟ خليط من الإرضاء والتوريط لرجب طيب اردوغان. إرضاؤه بتمكينه من نصرة الكيان “الإخواني” في طرابلس، وتوريطه في مغامرة مجهولة حظوظ النجاح بمختلف أبعادها، العسكري والبحري والمصالح الغازية والنفطية. تنبغي الإشارة الى أمرين: الأول، أن الدخول التركي الى شمال شرقي سورية حظي بموافقة أميركية وروسية. والثاني أن الاتفاقات مع طرابلس وقّعت غداة عودة وفد حكومتها من زيارة لواشنطن، وغداة محادثات اردوغان مع ترامب في قمة لندن الأطلسية. لم يصدر تقويم أميركي رسمي لهذه الاتفاقات، ولم تعلّق عليها موسكو بشكل مباشر. ومع أن مساندة روسيا قوات خليفة حفتر في قتالها ضد قوات طرابلس تشكّل مفارقة مع ما تعتزمه تركيا إلا أن اردوغان وفلاديمير بوتين يبدوان أقرب الى التفاهم حتى في دورين متعارضين. كيف تستفيد ليبيا من هذه التقاطعات؟ هذا آخر هموم الأطراف المنخرطة في اللعبة.
كانت الأطراف الأخرى، مصر والامارات وقطر والجزائر، فرنسا وإيطاليا وبريطانيا، تدير الحرب بالوكالة بين الليبيين، من دون الظهور في الواجهة. أما الآن، بعد دخول تركيا على الخط، فهي مضطرة لكشف استراتيجياتها واصطفافاتها، وفي الأيام الأخيرة أكثر الرئيس المصري من مداخلاته العلنية في الشأن الليبي، مبدياً التزامه دعم “الجيش الوطني” بقيادة حفتر، كأنه لم يعد معنياً بـ “حكومة الوفاق”. معركة طرابلس “الحاسمة”، كما وصفها عبد الفتاح السيسي، إذا حصلت، ستكون موقعة إقليمية – دولية، وغير مسموح أميركياً لأي طرف بأن ينتصر، كما هو غير مسموح التقسيم، علماً بأن الصراع ماضٍ في تعميق الهوّة بين بنغازي الشرق وطرابلس الغرب.
في غضون ذلك، مع تسخين التوتر في المتوسّط، تبدو الأزمة السورية كأنها منسية. لا ليست منسية، ففي جانب منها دخلت نفق الأزمة الإيرانية – الأميركية، إسوة بالأزمتين العراقية واللبنانية، وفي جانبٍ آخر تعاني المرارة التي تنتاب روسيا وشعورها المتعاظم بأنها غارقة في ورطة. صحيح أنها تحاول مراكمة المكاسب داخل سورية نفسها ومن خلال اللعب مع تركيا وبها وعليها، إلا أن الواقع يعود ليذكّرها بأن اوراقها مضروبة فليس مع نظامي الأسد والملالي المفلسين ستتمكّن من انجاز حلٍّ نهائي. فشلت محاولات روسيا لابتزاز الأوروبيين وتبخّرت أحلامها للحصول على أموال غربية أو حتى صينية من أجل الإعمار، ثم أنها وجدت نفسها أخيراً في خلاف مع الأمم المتحدة سواء في تسليط الضوء عليها على قصفها المبرمج للمرافق الطبية ومخيم قاح للنازحين أو في الإصرار على متابعة التحقيق في استخدام النظام الأسلحة الكيماوية.
وكان الأهم في حسابات موسكو أن استعدادها لوراثة الوجود الأميركي في شرق سورية تفرمل ببقاء الاميركيين عند حقول النفط، ما يعني أيضاً بقاءهم طرفاً في الأزمة بحجة حماية الأكراد ومحاربة “داعش” أو أي حجة أخرى. أما مشروعها لاختزال الحل السياسي بـ “اللجنة الدستورية” فسرعان ما ظهر أنه غير مجدٍ، حتى قبل أن يتلقى ضربة من حليفها نظام الأسد نفسه. وبات واضحاً أن عليها أن تراجع الأمر مع واشنطن، وهو ما حاولته عبر زيارة سيرغي لافروف، إلا أن انشغال إدارة ترامب بمسألة عزله لم يوفّر لها أي وضوح. ومع ذلك لم يمنع هذا الانشغال الكونغرس من إقرار “قانون قيصر” الذي يضع روسيا وايران والنظام في سلّة اتهامات/ عقوبات واحدة، وأبرز ما فيه أنه يعيد ربط مقوّمات الحل السياسي بأحكام القرار 2254 بعدما كان “ثلاثي استانا” ابتعد به نحو حلٍّ ملفّق. لذلك عادت روسيا الى التصعيد في إدلب، متوقّعة تعاوناً وصمتاً تركيين هذه المرّة، وفي ظنّها أن قضم جزء آخر من هذه المحافظة يمكن أن يتيح لها معاودة ابتزاز الأوروبيين.
ماذا عن العراق ولبنان في الأثناء؟ تركتهما الولايات المتحدة يغرقان في الوحل الإيراني من دون أن تبذل أي جهد، وتركت نظام طهران في مواجهة غير مسبوقة مع شعبين أعزلين وفي أزمتَين لا يملك حلولاً لهما، خصوصاً في لبنان حيث يستنجد وكيله “حزب الله” بالطائفية الفجّة وباستعادة مناخ الحرب الأهلية وبأقصى ما لديه من مراوغة لتمرير المأزق بحكومة ترأسها “أيٌّ شخص سنّي متاح” وليس مهمّاً أن ينجح أو يفشل، بل الأهم أن يؤمّن غطاءً “شرعياً” لهيمنة “الحزب”.
أما في العراق فانخفض فجأة منسوب القتل والعنف، لا لأن الحصيلة الدموية روت غليل إيران وأتباعها، بل لأن إيران عادت فتمكّنت مما هي متمكّنة منه أصلاً، أي ضبط الصراع داخل البيت الشيعي، فإذا بحبّة المسكّن تُختزل بالعثور على أي مرشّح “نظيف” لرئاسة حكومة يُفترض أن تكون “انتقالية”. هذا يشكّل نصف حسم للأزمة، على أن يُستكمل في الانتخابات خلال سنة على الأكثر. وكأن المشكلة في رئيس الحكومة وليست في زعماء الأحزاب والميليشيات التي نهبت البلد. أما الانتخابات فهي استحقاق أجمل من أن يكون حقيقياً.

اترك رد