العراق في فراغ دستوري… والشارع يغلي

لم تنتظر جماعات الحراك العراقي طويلاً قبل أن تعلن رفضها التام مرشح تحالف «الفتح» الحشدي قصيّ السهيل لرئاسة الوزراء خلفاً للمستقيل عادل عبد المهدي. وبمجرد إعلان «الفتح»، أول من أمس، رسمياً تقديم السهيل إلى رئيس الجمهورية للمصادقة عليه، شنت جماعات الحراك وعبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة حملات رفض واسعة اقترنت بدعوات للإضراب العام والخروج بمظاهرات مليونية في المحافظات المنتفضة.
وتنظر جماعات الحراك إلى طرح ترشيح وزير التعليم الحالي قصي السهيل المنتمي إلى ائتلاف «دولة القانون» الذي يتزعمه نوري المالكي، بوصفه تحدياً سافراً لإرادة الشعب واستهانة بدماء آلاف الضحايا الذين سقطوا في الاحتجاجات التي انطلقت مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. كذلك ينظر إليه بوصفه تحدياً متعمداً لنصائح مرجعية النجف التي يدّعي تحالف «الفتح» التزامه بتوصياتها، خصوصاً بعد أن أوصت خلال خطبة الجمعة الماضية، القوى السياسية بترشيح شخصية سياسية «غير جدلية». وتشير المصادر المطلعة على كواليس الغرف السياسية إلى أن تحالف «الفتح» الذي يضم غالبية القوى والفصائل المسلحة الموالية لإيران يتمسك بقوة باختيار شخصية «موالية وضعيفة» يسهل التحكم بها وتوجيهها الوجهة التي تتناسب مع مصالحها والمصالح الإيرانية في العراق.
كما تؤكد المصادر أن «قوى وفصائل (الفتح) لا ترغب في صعود رئيس وزراء قوي ربما يتجرأ على فتح ملفات القتل والاغتيال التي طالت ناشطين وتتهم شخصيات وجهات مقربة منه بالضلوع فيها، كذلك تخشى أن يقوم الرئيس الجديد وبإسناد من جماعات الحراك بفتح ملفات كبرى ضمنها ملفات الفساد والعمل على حرف مسار علاقات العراق الدبلوماسية بمحيطه الإقليمي والعالم التي لا تتناسب مع توجهات (الفتحاويين)».
وتشير غالبية التوقعات المحلية إلى إمكانية قيام المحتجين بعمليات تصعيد غير مسبوقة في حال أصرت القوى السياسية على اختيار السهيل أو غيره من الشخصيات الحزبية لمنصب رئيس الوزراء.
ومع انتهاء المهلة الدستورية لتعيين رئيس وزراء جديد، أمس، خرج مئات الآلاف من العراقيين، وفي طليعتهم طلاب المدارس والجامعات، في مظاهرات حاشدة شملت بغداد ومحافظات وسط وجنوب البلاد. وباستثناء العاصمة بغداد، شهدت غالبية المحافظات عمليات قطع واسعة للطرقات أدت إلى شلل كبير في حركة التنقل والسير. وتركز غالبية الشعارات التي رفعت خلال المظاهرات على رفض مرشح الفصائل والأحزاب السياسية قصي السهيل لمنصب رئاسة الوزراء.
وتوافد آلاف الطلبة والمتظاهرين منذ ساعات الصباح الأولى إلى ساحة التحرير، وسط بغداد، وتلت تنسيقية طلاب الجامعات الحكومية والأهلية بياناً تعهدت فيه بمواصلة المظاهرات والإضراب عن الدوام لحين تحقيق مطالب المحتجين العادلة. كما تعهدوا بـ«الوقوف وقفة رجل واحد لاقتلاع جذور الطائفية والفساد والإطاحة بالأحزاب ومرتزقتها». وازدادت أعداد المتظاهرين في ساحة التحرير بعد ساعات الظهيرة أمس.
وفي محافظة النجف، قطع المحتجون الطريق الواصلة بينها وبين محافظة كربلاء وبقية المحافظات المجاورة، كما عمدوا إلى إغلاق غالبية المدارس والكليات ودائرة تابعة لوزارة النفط ومؤسسات رسمية أخرى. وأبلغ الصحافي ميثم الشباني «الشرق الأوسط» بأن «عشرات الآلاف من الطلبة والمواطنين خرجوا بمظاهرات حاشدة في محافظة الديوانية». ويؤكد الشباني «إعلان المتظاهرين والطلبة الإضراب العام في المحافظة لحين إسقاط النظام، كما قاموا بقطع الطريق الرابطة بين الديوانية وبغداد، والطريق الأخرى الرابطة مع محافظة النجف القريبة».
كما يؤكد «خروج أعداد غفيرة من المتظاهرين في محافظات القادسية وبابل القريبتين وقيامهم بقطع الطرق والاستمرار في الإضراب وغلق الدوائر الحكومية».
وفي محافظة البصرة الجنوبية أيضاً، خرج آلاف المتظاهرين في وقت مبكر من صباح أمس وقاموا بقطع كثير من الطرقات والتقاطعات الحيوية في المدينة بواسطة الإطارات المحترقة قبل أن تتمكن القوات الأمنية لاحقاً من فتح بعض الطرق الحيوية لتسهيل حركة المرور في المحافظة.
وفي محافظة ميسان التي خرج فيها هي الأخرى آلاف المتظاهرين، حذر ناشطون من إمكانية انفلات الأوضاع الأمنية في حال تواصل عمليات الاغتيال التي تقوم بها جهات مجهولة ضد الناشطين. وتعرض ناشط مدني أول من أمس إلى محاولة اغتيال نجا منها بأعجوبة، وأكدت مصادر أمنية في ميسان محاولة «مجموعة مسلحة اغتيال الناشط ومدير (مركز الكحلاء الصحي) حسن نعيم محسن، صباح (الأحد)، أثناء قيادته سيارته على الطريق العام بين قضائي الكحلاء وقلعة صالح، وأصيب في عموده الفقري وتم نقله إلى مستشفى الصدر وهو بحالة حرجة».
وفي محافظة ذي قار المجاورة، خرج الآلاف في مظاهرات حاشدة وسط المدينة في ظل حالة من الغضب ضد عمليات الاغتيال التي طالت ناشطين كان آخرهم الناشط علي العصمي. وتشهد ذي قار منذ أسابيع عدة، حالة من الارتباك والفوضى الناجمة عن قطع الجسور والطرقات على خلفية المجزرة التي ارتكبتها السلطات الأمنية ضد المتظاهرين مطلع الشهر الحالي. كما تشهد المدينة ارتفاع وتيرة الاغتيال ضد الناشطين، حيث أكد مصدر في مفوضية حقوق الإنسان في ذي قار، أمس، وقوع 14 محاولة اغتيال لناشطين تسببت في وفاة اثنين منهم.

الشرق الاوسط

اترك رد