دوامة الصراع السوري: ليس لدى تركيا ما تقدمه في إدلب!

ماجد كيالي

ثمة لحظتان فارقتان في الصراع الدامي والمرير والمعقّد في سوريا، الأولى، تمثلت بالتوافق الأمريكي ـ الروسي على إنهاء الترسانة الكيماوية للنظام، بعد مجزرة الكيماوي (أغسطس2013)، الأمر الذي مهّد لتمييع بيان جنيف1، وطي ملف إنهاء نظام الأسد، والتحول للتفاوض معه، وفقاً للشروط الروسية (حينها سرت تسريبات تفيد بأن نتنياهو كانت وراء هذا المقترح لتجنيب النظام الضربات الأمريكية).

والثانية، تمثلت بقيام تحالف آستانة الثلاثي، الذي جمع تركيا (حليفة المعارضة) مع شريكي النظام في قتل وتشريد السوريين وتدمير عمرانهم، أي إيران وروسيا، سيما أن ذلك التحالف نشأ بعد التدخل العسكري الروسي المباشر في الصراع السوري (سبتمبر/أيلول 2015).

المعادلة الأولى بيّنت عقم، ولا جدوى، المراهنة على التدخل الخارجي، مع مخاطر الأوهام التي نجمت على ذلك في أوساط المعارضة، وضمن ذلك ذهاب فصائل المعارضة إلى أقصى حد في الصراع العسكري، من دون استعدادات سياسية مناسبة، ومن دون توفر الإمكانيات الذاتية لذلك، ودون القدرة على الاستثمار، ما أدى إلى بقائها أسيرة هذا الخيار، الذي عزّز ارتهانها أو تبعيتها للخارج، لهذا الطرف أو ذاك، كما أدى إلى تسرع أطرافها في سعيهم جني ما ظنوا انه بدايات سلطة، سواء فيما عرف في المناطق المحررة، أو فيما اعتبر بمثابة شرعية تمثيل للشعب السوري، الأمر الذي أضر بالشعب وبمصداقية الثورة وبالمعارضة ذاتها.

أما المعادلة الثانية، فقد بينّت انكشاف ظهر الشعب السوري، إذ لا يمكن فهم قيام تحالف أستانا (2017) إلا باعتباره محاولة من تركيا تعظيم مصالحها في الصراع الدائر في سوريا، إزاء الأطراف الإقليميين والدوليين، بالتنافس أو بالصراع معهم، علما أن ذلك لا بد سيكون على حساب مصالح السوريين، وسلامة مسار ثورتهم؛ هذا من ناحية. ومن ناحية ثانية، فإنه لا يمكن الاقتناع أن تحالفا تركيا مع طرفين أساسيين، شريكين للنظام، يمكن أن يصب في خانة إنهاء أو حتى إضعاف النظام، أو في صالح تحقيق مكاسب للمعارضة.

في المحصلة فقد شهدنا أنه منذ التهيئة لهذا التحالف خسرت المعارضة مواقعها في حلب أواخر 2016، التي تركتها لصالح ما تعتبره تركيا امنها القومي، في عملية “درع الفرات”. بعد ذلك فإن مسار آستانة، وكل خطة “خفض التصعيد” في المناطق الأربع، ومعها مفاوضات آستانة بجولاتها المتعددة، لم يتمخض عنها شيء لصالح الشعب السوري أو لصالح المعارضة. ومثلا، فقد خسرت فصائل المعارضة العسكرية معظم المناطق التي كانت تسيطر عليها، قبل قيام ذلك التحالف (40 أو 50 بالمئة من جغرافية سوريا)، في حين خسرت أيضا مسار أستانا التفاوضي، التي تبين عن لعبة لكسب الوقت، وتقاسم النفوذ، وتمييع مسار جنيف التفاوضي، الذي تم تمييعه أصلا بقرار دولي، ولأن الولايات المتحدة لا تبالي بما يحصل في سوريا، خدمة لإسرائيل، أو لأنها ليست معنية؛ إذ النتيجة واحدة.

اللافت أن المعارضة السورية، بالفصائل المتصدرة لها سياسيا وعسكريا، لم تتصرف إزاء المعادلتين المذكورتين على نحو صحيح، باعتبار ما تمثله، أو ما يفترض أنها تمثله، سواء في تمثلها لمصالح للشعب السوري، أو تمثلها لمكانتها كمعارضة للنظام، فهي لم تقم بمراجعة ما يحصل، ولم تحاول استنباط الدروس منه، واستمرت على ذات الوتيرة ونفس الطريقة في العمل، رغم إنها خسرت المنطقة تلو الأخرى، ورغم إنها تراجعت من موقف إلى أخر، بحيث إنها خسرت من الناحيتين السياسية والعسكرية، وفضلا عن ذلك فقد خسرت مكانتها عند شعبها.

الآن، يشهد الصراع السوري عدة تطورات لافتة، وسيكون لها ما بعدها، وقد تشكل نهاية مآلات الصراع بالوسائل العسكرية، وفق الأدوات المحلية، يمكن تمثلها بالآتي:

أولا، الدخول في المرحلة الأخيرة من مسلسل الانتهاء من مناطق “خفض التصعيد”، أي في المنطقة الرابعة في إدلب وما حولها، بعد أن أسقطت المناطق الثلاث الأخرى في الجنوب والوسط والشمال، بإرادة دولية وإقليمية، وفق التوازنات أو المقايضات أو المساومات الحاصلة. والمشكلة أن ذلك يحصل بالطريقة الصعبة والوحشية وبأثمان باهظة، في ظل قصف جوي عنيف، وفي ظل تشريد أعداد كبيرة من السوريين، وتدمير مدن كاملة مثل سراقب وكفر نبل والمعرة وعشرات القرى، بواسطة الطيران السوري والروسي.

ثانيا، استخدام روسيا (والصين) حق النقض الفيتو في مجلس الأمن الدولي، للمرة الـ 14 منذ نشوء الصراع السوري (2011)، ضد قرار باستمرار ادخال المساعدات الإنسانية الدولية للمناطق التي تحتاجها في الداخل السوري، وهو موقف يفتقد للحد الأدنى من الأخلاقية الإنسانية والسياسية، الأمر الذي يطرح التساؤل عن حقيقة الموقف الدولي، وجدوى العملية التفاوضية، وضمن ذلك جدوى العملية الدستورية.

ثالثا، قيام المبعوث الأممي لسوري غير بيدرسون بنعي اللجنة الدستورية، من على منصة مجلس الأمن الدولي، في إحاطته أمامه، قبل أيام، معتبرا أن وجودها بات عبثا، طالما أن النظام لا يتقدم ولا خطوة باتجاه تفعيل هذا الملف، وطالما أنه أصلا لا يستجيب للاستحقاقات الإنسانية، فوق التفاوضية، المطلوبة منه، بموجب قرارات دولية سابقة، كالإفراج عن المعتقلين ووقف القصف وإتاحة المجال أمام المساعدات الإنسانية.

رابعا، كل ما تقدم يحصل بالتزامن مع توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على “قانون قيصر” الذي شرعه الكونغرس الأمريكي لحماية المدنيين في سوريا لعام 2019، والذي يفرض عقوبات عن جرائم الحرب التي ارتكبت في سوريا، وعلى المشاركين فيها، ما يشمل روسيا وإيران في عديد من الجوانب. ومع أهمية هذا القانون، إلا أن ما يجب الانتباه إليه أن ترامب بات له ثلاثة أعوام في البيت الأبيض، لم يفعل خلالها شيئا لردع النظام السوري وشريكيه، وأن الإدارة الأمريكية لديها عديد من أوراق القوة لاستخدامها، بقانون قيصر أو من دونه، لم تستخدمها، بدليل أن بضع مئات من جنودها، في شرقي الفرات، منعت أي قصف جوي فيه.

من كل ما تقدم يمكن الاستنتاج بأن الصراع السوري مازال أمام أفق مسدود، وانه يستعصي على الحل، وأن الشعب السوري مكشوف، ولا توجد إرادة دولية لوقف هذا الصراع، أو إيجاد حل له، ينهي حكم الأسد، ويضمن للشعب تقرير مصيره. وضمن ذلك فإنه يفترض نفض الأوهام حول دور تركي ينقذ إدلب من مصيرها، على ضوء التجربة، وعلى ضوء السياسات التي تنتهجها تركيا، لتعظيم مكانتها الدولية والإقليمية.

كان الله في عون السوريين، في مصيبتهم، وفي معارضتهم.

بروكار برس

اترك رد