حلب دمشق: أوتوستراد الدم..لا عزاء لمن لم يقرأ اتفاق آستانة جيداً

عمر قدور

باستثناء من باتوا معروفين باسم “الأردوغانيين”، صار مكشوفاً للجميع المآل الذي ساقت إليه أنقرة الفصائل التي تقاتل الأسد، مع تغطية من “الائتلاف” الذي أصبح تابعاً لها على نحو مطلق. أنصار أردوغان من الإسلاميين يعرفون ذلك أيضاً، إلا أن ولاءهم الأيديولوجي يمنعهم من إبداء ولو نوع من العتب الخفيف، ولو أيضاً على سبيل رفع العتب وتبرئة ذممهم.

الأخبار لا تحتاج إلى شرح، فالآلة العسكرية الروسية والأسدية تطحن البشر والحجر، خاصة في المناطق المحيطة بأوتوستراد دمشق-حلب الدولي. الصور القادمة من هناك، رغم شبهها بصور سابقة من حمص وحلب و…، قد يختلف وقعها ربطاً بأمان سابق زائف مردّه وجود نقاط مراقبة تركية، حيث يُفترض أن تمثّل الأخيرة المعنى الأوسع لدور الضامن التركي في مسار أستانة. مع التنويه بأن الحديث هنا عن الأوهام اليائسة للمدنيين المغلوبين على أمرهم إزاء ذلك المسار، وعن أوهام شريحة من المعارضة رأت فيه خياراً أقل سوءاً وفق معطيات الواقع، أما عمى الأردوغانيين فهو داءٌ لا أمل بالشفاء منه، ولا يُستبعد أن يأخذ أصحابه إلى الظن بأن معركة السوريين قد انتقلت إلى ليبيا!

لطالما قيل إننا أمة لا تقرأ، في منطقة يتباهى بعض أهلها بأنها مهد الديانات التوحيدية مع تناسي أن إنجيل يوحنا يُستهل بجملة “في البدء كان الكلمة”، وأن الوحي استُهل بكلمة “اقرأ”، وأن الحياة هي قول الله بموجب سفر التكوين. الكارثة الفادحة لمناصري مسار أستانة الذي انطلق قبل قرابة ثلاث سنوات أنهم إما لم يقرؤوا نصوص تفاهماته، أو أنهم قرؤوها وفق أهوائهم لا كما هي مكتوبة. على كل حال، لسنا في سياق الحديث عن المنافع العامة للقراءة، فالأمر يتعلق بقراءة وثائق راهنة وشديدة الأهمية، وثائق يُفع ثمنها غالياً بدماء السوريين، كي نتحاشى البلاغة التي تقول إنها كُتبت أصلاً بدمائهم.

هناك فرق شاسع بين من يرى في الهجوم الدموي الأخير، ومن قبله الانقضاض على الغوطة وغيرها من مناطق “خفض التصعيد”، بمثابة تنصّل روسي-إيراني من أستانة ومن يرى ذلك تحقيقاً للغاية من المسار ذاته. الفصل بين الرؤيتين هو بنود التفاهمات ذاتها، لا ما يتوقعه أي طرف أو يتمناه أي طرف، ومن المؤسف أن نضطر إلى استرجاع تلك البنود للتذكير بها، وتالياً للتنبيه إلى الخواتيم التي لا تضعها فقط معركة طريق دمشق-حلب أو معركة إدلب الكبرى.

في الرابع من أيار 2017 توصل ثلاثي أستانة إلى التفاهم الذي ينص على إقامة مناطق خفض التصعيد، وكانت تشمل الغوطة الشرقية وإدلب وأجزاء من اللاذقية وحماة وريف حلب وشمال حمص، وجبهة حوران. الأخيرة كما نعلم كانت تحت الرعاية الأمريكية وإدخالها في نص التفاهم يضمر موافقة الإدارة الأمريكية، وحتى كونها طرفاً رغم غيابها عن جولات التفاوض أو تمثيلها المتدني بصفة مراقب.

أهم بنود التفاهم آنذاك أن إنشاء مناطق خفض التصعيد هو إجراء مؤقّت، مدته مبدئياً ستة أشهر، ويتم تمديده تلقائياً بالاستناد إلى توافق الضامنين. لا نحتاج إلى شرح مسهب كي نفهم قدرة أي طرف من الثلاثي على نقض الهدنة عندما يقرر ذلك، لأن نص الاتفاق يمنحه هذا الحق. في الجانب التنفيذي من الاتفاق، وفي الطليعة منه، ينص على “قتال تنظيم الدولة وفتح الشام وجماعات أخرى داخل هذه المناطق وخارجها”. أي إن جبهة النصرة مستثناة بالاسم الصريح “فتح الشام” من الاتفاق، ما يعطي الحق للقوات الروسية وقوات الأسد باستهدافها حتى ضمن مناطق “خفض التصعيد”، ونحن نعلم كيف استُخدمت ذريعة وجود النصرة من قبل في مدينة حلب، رغم أن عدد أفرادها الضئيل جداً لا يُقارن بثقلها في إدلب.

الأهم هو موافقة “الضامن” التركي على ذلك، والبند الخامس من الاتفاق يعود للتأكيد “على اتخاذ كافة التدابير لمواصلة القتال ضد داعش والنصرة والمرتبطين بهما داخل وخارج مناطق الحد من التصعيد”. ثمة بند آخر يجدر التذكير به، هو قيام الضامنين بفصل “جماعات المعارضة المسلحة” عن داعش والنصرة خلال شهرين من توقيع الاتفاق، ويُفهم منه على وجه التحديد قيام أنقرة بهذه المهمة في مناطق نفوذها.

بالعودة إلى مقدمة الاتفاق، تنص المقدمة على الالتزام المتين للأطراف الثلاثة “بسيادة واستقلالية ووحدة وتكامل الأراضي السورية”. التأكيد على الالتزام القوي بالسيادة والاستقلالية.. إلخ سيكون حاضراً في كافة البيانات اللاحقة الصادرة عن الثلاثي، ولا يمكن رد هذه الديباجة فقط إلى الإنشاء، مع معرفتنا بأن الثلاثي “كلٌّ من موقعه ولأهدافه” يشارك في استباحة السيادة والاستقلالية. من المرجح أن أي محكمة ستفسّر هذه العبارة على أرضية التمثيل القانوني لمفهوم السيادة، أي عودتها إلى سلطة الأسد باعتبارها السلطة التي تحظى بشرعية تمثيل سوريا في الأمم المتحدة، ووفق هذا التفسير الذي تبرزه موسكو بين مناسبة وأخرى يكتسب الاحتلال الروسي والإيراني مشروعية قانونية بخلاف القوى الأخرى، وتحديداً بخلاف أنقرة طالما أن الوجود الأمريكي أقوى من التعرض له من قبل موسكو وطهران.

الحديث عن فتح طريق دمشق-حلب بالذات ليس جديداً، والتفاهم عليه أُبرم في أستانة 6، وهذا ما أكّدته حينذاك أوساط فصائل المعارضة. إلا أن التفاهم لم يوضع في التنفيذ، وأحد سبل التنفيذ تأمين الطريق نارياً وقيام نقاط المراقبة التركية والروسية بالإشراف عليه، فضلاً عن إشراف الأسد على الأجزاء التي يسيطر عليها. تأمين الطريق نارياً أيضاً بمثابة مهمة تركية وفق التفاهم، فوق ما التزمت به سابقاً من فصل النصرة عن باقي الفصائل ومحاربتها، أو السماح للروسي بتولي المهمة. وكما نذكر، بعد إبرام التفاهمات، تمكنت النصرة من السيطرة على مساحات أكبر في إدلب، وعلى سبيل المثال أقصت النصرة حركة الزنكي عن كامل مواقع سيطرتها، تحت أنظار أنقرة التي يُفترض بها لجم النصرة.

في كل ما سبق لم تكن هناك خدعة روسية ذهبت أنقرة ضحيتها، فالأخيرة مضت في مسار أستانة عن إدراك وتصميم، وحتى إخلالها بالتزاماتها بموجب الاتفاق “سواء في موضوع تمكين النصرة أو عدم العمل على فتح الطريق” يمكن فهمه كتيسير للهجوم الروسي المتوقع بتوفير المزيد من الذرائع له. إن ما شهدناه ونشهده هو بالأحرى التنفيذ الأمين لروحية التفاهم بين الثلاثي، وإذا كان من وجه للـ”عتب” فهو يتعلق أساساً بالمعارك المجانية وسيل الدماء على مذبح أستانة.

قبضت أنقرة الثمن في منطقة درع الفرات وفي عفرين ثم في “منطقتها الآمنة” بين رأس العين وتل أبيض، وقبضت الثمن بتحويل أولئك العاطلين عن قتال الأسد إلى “مرتزقة” لديها ينفّذون ما تخجل حتى هي من فعله. الثمن المقبوض لا يحيد عن خط تقاطع المصالح بينها وبين موسكو والأسد، فالأخير بعد تخلّصه نهائياً من خطر الفصائل التي كانت تقاتله بات يتوق إلى إنهاء الميليشيات الكردية أو استعادتها التامة من واشنطن إلى حضنه مرة أخرى. يوماً ما ستعيد أنقرة مناطق نفوذها الحالية، وقد يخرج علينا أحد مسؤوليها ليقول إنها في الأصل التزمت بوحدة وسيادة الأراضي السورية، ولا عزاء لمن لم يقرأ أستانة جيداً.

بروكار برس

اترك رد