إدلب رهينة حسابات تركيا وروسيا العابرة للجغرافيا السورية

التشابكات الروسية التركية لم تعد منحصرة في الجغرافيا السورية بل امتدت إلى شمال أفريقيا وتحديدا ليبيا، ويربط البعض العملية العسكرية الجارية حاليا في إدلب بشكل أو بآخر بالتصعيد في ليبيا، في المقابل يبدو المجتمع الدولي مغيبا عن مسرح الأحداث في كلتا الساحتين، مع بعض المواقف التي تصدر من هنا وهناك.

دمشق – طالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الخميس، كلا من سوريا وروسيا وإيران بوقف هجماتها على المدنيين في إدلب، في أول تعليق على العملية العسكرية التي تشنها ميليشيا أسد وحلفاؤها منذ أيام على المحافظة الواقعة شمال غرب سوريا.ويقول مراقبون إن التصريح بدا بمثابة “رفع عتب” حيال ما يجري في إدلب، وكأن المجتمع الدولي قرر البقاء على الربوة بانتظار ما ستؤول إليه الأمور في هذه المحافظة التي تعد المعقل الرئيسي الأخير للفصائل المعارضة والجهادية في سوريا.والمسألة تبدو مرتبطة فقط بالحسابات الروسية التركية وقد تكون على علاقة مستجدة بمجريات الأمور في ليبيا، خاصة وأنه تجري منذ أربعة أيام محادثات تركية روسية في العاصمة موسكو تبحث التوصل إلى نقاط تفاهم ضمن حزمة واحدة في ما يتعلق بالشأنين السوري والليبي.وتقف كل من تركيا وروسيا على طرفي نقيض في ما يتعلق بالملفين الليبي والسوري، ففي سوريا تدعم موسكو الرئيس بشار الأسد، فيما تقف تركيا خلف الفصائل المعارضة والتي في معظمها جهادية. أما في ليبيا فتؤيد موسكو الجيش بقيادة المشير خليفة حفتر فيما تتمترس أنقرة خلف الميليشيات الإسلامية التي تتخذ من حكومة الوفاق واجهة.ويقول متابعون إن هذا التناقض لا يعني أن الطرفين في حالة صدام، حيث أنهما حتى الآن أظهرا قدرة كبيرة على إدارة الخلافات بينهما، وإن تبقى نسب التصادم والتوافق بينهما متناصفة، وسط ترجيحات بأن يحسم اللقاء المرتقب بين الرئيسين الروسي والتركي الشهر المقبل الأمر.التناقض الروسي التركي في ليبيا وسوريا لا يعني أن الطرفين في حالة صدام، حيث أنهما أظهرا قدرة كبيرة على إدارة الخلافات بينهماوتذهب بعض الأوساط إلى اعتبار أن ما يجري في إدلب هو جزء أصيل من التفاهمات التي تم التوصل إليها في 22 أكتوبر بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين لإنهاء عملية “نبع السلام” التركية شرق الفرات ضد الأكراد.ويكشف خبراء عسكريون أن المعركة في المحافظة التي تضم نحو 3 ملايين نسمة بدأت فعلا منذ تفاهمات أكتوبر وتصاعدت وصولا إلى الهجوم الأخير الذي تشنه القوات الحكومية والميليشيات الرديفة للسيطرة على طريقي “أم 5” و“أم 4” الحيويين على نحو يتيح لدمشق وموسكو انتصارا بسوريا.ويلفت مهتمون بالشؤون التركية إلى أن أنقرة تواكب مجريات الوضع في إدلب دون أي موقف معارض. ويلاحظ هؤلاء أن أردوغان يقارب الأمر من زاوية ما تؤديه الهجمات من نزوح باتجاه تركيا، وأنه بدل أن يصب جام غضبه على دمشق وموسكو مثلما جرى في عمليات سابقة، يستغل الأمر لمهاجمة الاتحاد الأوروبي وإعادة التذكير بأن بلاده لا يمكن أن تتحمل وزر النزوح السوري وحدها. ويكتفي الرئيس التركي بموقف خجول يعتبر فيه أن “هجمات النظام في إدلب لا تجعل وقف إطلاق النار الدائم ممكنا”.ويقدر أردوغان عدد الفارين نتيجة المعارك الأخيرة بحوالي 100 ألف، معلنا، الخميس، أن بلاده أبلغت أوروبا بعدم قدرتها على استيعاب موجة جديدة من السوريين. وأضاف في كلمة له خلال اجتماع لحزب العدالة والتنمية “أبلغنا أوروبا بأنه لم يعد بإمكاننا استيعاب موجة جديدة من اللاجئين، ويجب تحقيق التهدئة في إدلب”.وفيما يعتقد كثيرون أن سقوط إدلب سيحرم تركيا من نفوذ استراتيجي مهم داخل سوريا، ترى مصادر دبلوماسية أن الشأن الليبي بات يحتل الأولوية بالنسبة للأجندة التركية. وتشتبه في إمكانية وجود صفقة تتبادل وفقها تركيا المنافع مع روسيا في ميداني إدلب وطرابلس، وإن كان هذا الأمر غير واضح على ضوء الرد الروسي على إعلان تركيا توجهها لإرسال الدعم العسكري لحكومة الوفاق.تركيا أبلغت أوروبا بعدم قدرتها على استيعاب موجة جديدة من السوريينوتلاحظ المصادر توتر أردوغان تجاه ما يجري في ليبيا، من خلال الزيارة العاجلة وغير المعلنة مسبقا التي قام بها لتونس، وتصريحه الخميس بأن حلفا يتشكل لدعم حكومة الوفاق، وهو ما نفته الرئاسة التونسية التي أكدت أنها لن تنجر خلف أي أحلاف أو اصطفافات.وتقول بعض المعلومات إن إدلب باتت جزءا من معركة طرابلس، وإن قوات من المعارضة السورية الموالية لتركيا قد انتقلت إلى طرابلس، فيما تتحدث معلومات أخرى عن انتقال مقاتلين تابعين للجماعات الجهادية في إدلب لدعم الميليشيات الإسلامية العاملة تحت جناح حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج. وتأتي هذه المعلومات لتؤكد ما أعرب عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في يوليو من قلق من تسلل المقاتلين من منطقة إدلب إلى ليبيا.وتلفت بعض المصادر إلى أن بوتين وأردوغان يبنيان أرضية ميدانية في إدلب وطرابلس لتكون حاضرة على طاولة محادثاتهما في يناير في أنقرة.وتضيف المصادر أن أردوغان الذي اضطر إلى التفاهم مع بوتين في سوريا، سيكون مجبرا على عقد تفاهمات جديدة، ولو على نحو أكثر تعقيدا، مع موسكو بشأن ليبيا. مع الإشارة إلى أن أردوغان لا يمتلك أي دعم دولي، وأن تقاطعا أوروبيا مصريا إسرائيليا أميركيا روسيا يمكن تلمسه يرفض سياساته في ليبيا ويرفض مذكرة التفاهم التي أبرمها مع حكومة طرابلس حول الحدود البحرية.

اترك رد