المغراقة ليس للكردي إلا الحب

هبة عزالدين

قرب قرية “كفر يحمول” في ريف إدلب، ثمة أرض منخفضة يطلق عليها اسم “المغراقة”، و يقال أنها سميت كذلك لأنها أغرقت مئات الأشخاص والحيوانات والسيارات عبر التاريخ بكون ترابها هش، يسهل الغوص فيه، وعادة ما تمتلئ بالماء في فصل الشتاء. لطالما شغفت حباً بتلك الأرض الهشة، لأني أحب الماورائيات والقصص المدفونة، ورغم تحذير أهلي وأقربائي لي، إلا أني كنت أصرّ على المشي نحوها والتأمل بالحفرة المقعرة في الصيف بعد أن يجف الماء، علي أجد هيكلاً عظمياً هنا أو سيارة صدأة هناك.

بعد عام 2011، أصبح الطريق الذي يمرّ قرب المغراقة، مزدحماً بالنازحين والمهجرين قسرياً، ولطالما سقط على الطريق أثاثهم وأمتعتهم وأحياناً أولادهم من فوق الدراجات النارية المحملة فوق طاقتها. خلال إحدى زياراتي المتكررة للمغراقة، بدى لي من بعيد، دفتراً يعبث الهواء بصفحاته، وتكاد أن تتمزق وتطير، ولا أعلم حتى اللحظة إن كان سقط من المارة أم غرق، إلا أني كنت ممتنة للقدر الذي جمعني بصفحاته.

الدفتر كان عبارة عن مذكرات لصبية اسمها فاطمة، لا تفاصيل أخرى كتبت عنها، لكن يبدو من تسلسل الأحداث وسردها للتاريخ أنها امرأة ثلاثينية، عاشت أو ربما مازالت تعيش في مجتمع ذكوري يرى أن حب المرأة عار. قرأت كل ما كتبت، وحاولت أن أغيّر الأسماء وأضيف كلماتي وخيالي لما كتبت، إلّا أني دأبت على أن أحافظ على خصوصية و روح فاطمة بكل مفردة. في إحدى الصفحات، تروي فاطمة في مذكراتها يومياتها مع الأسمر الكردي الذي أحبته، في جامعة حلب بين عامي 2004 حتى 2008.

رائحة الأجساد تملأ المكان، الأصابع جميها تضغط على الأنف لتجنب الرائحة. تأتي نسمة الهواء من الطرف الأيمن لكلية الآداب، فيميل الجميع باتجاهها كأعواد عباد الشمس. خلف الحاجز الحديدي، تثرثر موظفتان، بينما تدخنان سجائر الكينت. الدخان المنبعث من أذان الطابور بسبب نفاذ صبر الواقفين في الدور تكاد تصطدم بدخان سجائرهن. أما أنا فكنت أشعر أن كعب حذائي يكاد أن يهشم أعصاب قدميّ، وصوت فيروز القادم من مقصف الكلية، يشعرني أن كأبة رجعة الشتوية حادثة لا محالة، رغم أن الشمس تكاد تخترق جمجمتي.

إنه يوم الأربعاء السابع من آب عام 2004، حيث احتشد الطلاب للتسجيل بالسنة الأولى في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في حلب. تقدم من أخر الطابور، شابُ أسمر، متقد العينين، ومشى إحدى عشر خطوة وكأنها إحدى عشر سنة وكأني أعرفه منذ سنوات عديدة. بقي وقع تلك الخطى في مخيلتي حتى اللحظة، فأنا أعشق ذاك الرجل، إنه آزاد، الرجل الذي لم يغادرني يوماً.

يا لجمال الحروف التي يقولها، ويا لسعد اللغة العربية المكسرة التي يتكلم بها، فمن ينكر أن تكسر جوز الهند يلد أطيب الأشربة! صرخ بوجه الموظفة، وتطايرت ألوان الرجولة منه، وكأنه مركز السماء، بل كأنه السماء بحد ذاتها يلفها قوس القزح. ذاك الرجل ملونُ بألواني التي أحب، انتشى كياني بوجوده طرباً، وبت أدور حول ذاتي علي أحضنه، من فرط امتلاء الهواء به.

أصبح آزاد زميلي في ذات القسم، قسم اللغة العربية، وأصبح أيضاَ زميلي في شعبتي، ومقعدي، ودفتري، وحقيبتي، ومكتبة الفرقان، ومقصف الجامعة، ومحل سيرجية للفلافل. أصبح العالم الذي أسرق منه لحظات لأستمع للدكاترة أوقات المحاضرات، وأحدث والدي عبر الهاتف. كيف للحياة أن تكون أجمل من ذلك؟ عن أي جنة يتكلمون؟ الجنة هي الحب، فالحب يجعلك نقياَ، طاهراَ، كأنك طفل ولد للتو، بلا ذنوب أو آلام أو خطايا.

سبعة ألاف وخمسمئة خطوة من كلية الآداب حتى قلعة حلب، مشيناها ونحن نتحدث عن القضية الكردية، وسياسة حافظ الأسد تجاه الأكراد. كان آزاد دائماً يصحح لي الجمع “أكراد” بأنه ” كرد”، ويقارنها بجمع كلمة عربي، بأنها عرب وليست أعراب، وكنت أصر أنها أكراد لأن الجميع يقول أكراد لا كرد، و أنا أحبه إن كان من الكرد أو الأكراد.
تعرفت من خلال آزاد على القضية الكردية بجانبها الاجتماعي أكثر من بعدها الحزبي، وأدركت وقتها تهميش النظام السوري للكرد ومعاملتهم على أنهم درجة ثانية. أخبرني وقتها عن الكراس الذي أصدره أحمد طلب هلال تحت مسمى “دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية، الاجتماعية، السياسية”، و أن ذاك الملازم طالب بنسخ تجربة الكيان الصهيوني فانتابني شعور بالخوف من الدولة وعليها في آن واحد. كيف يجرؤ ذاك الملازم أن يذكر إسرائيل التي لطالما تغنى النظام السوري بممانعتها؟ وكيف لمواطن سوري ألا يكون مواطناً؟ كيف يعيش الكردي بلا جنسية؟ كنت أخاف أن أفقد هويتي الجامعية رغم أني قادرة على استصدار واحدة أخرى، فكيف يعيش هؤلاء بلا هوية! أحببت آزاد لأنه سوري رغم كل محاولات النظام نزع تلك الصفة عنه، و كان يقول لي أن الانتماء لا تحدده ورقة ولا هوية، بل كم الهواء المستنشق وأطنان الذكريات التي تربط الإنسان بالمكان، وأنا.
في كل مرة كنت أضحك عندما يخبرني أني هويته التي سيقاتل من أجل الحفاظ عليها، وكنت أقول له “أنت تقاتل حتى في الحب!” وكان يجيبني أن الكردي خلق للحرب والحب، وكل من الأمرين يستوجب الأخر، فعندما يحب الكردي يقاتل لأجل من يحب، لكن سلاحه القلم والقصيدة.

أصبحت أنتظر الربيع كأم شرد عنها طفلها ووهبت نفسها لانتظاره، عل عيد نيروز الملون يأتي. لا توبة لي عن حب الألوان، وددت لو ألون خطوط كفي بكل الألوان حتى لو ظن الناس أني مجنونة. الجنون أن نرى الحياة بلون واحد ونغض الطرف عن البقية، من ذا الذي يحرم ذاته من الفرح؟ وضعت بمعصمي الأيسر إسواره مشغولة من خيوط حريرية صفراء وخضراء وحمراء وبيضاء، حتى ظن الجميع أني كردية. لم يكن يعنيني وقتها أن أكون عربية أو كردية، أو بالأحرى لم أكن أرى بياض القومية العربية كما يراها القوميون، بالمقارنة مع سواد جميع القوميات الأخرى. ما كان يعنيني أي اعتبار خارج رقعة الأرض التي أكون بها برفقة آزاد.

ذاك الحب بنى لي أعشاشَ سعادة فوق السحاب. فبتّ أنتمي لكل نشوة وأنتشي بكل أمر وإن كان تافهاَ، فوجود آزاد كان كفيلاً أن يريني الحياة بحلة جديدة. ذات مرة كنا في المحاضرة وكان الدكتور يقول:” الإنسان مؤلف من نار أي الشر والقليل من التراب أي الخير”، فترددت من آخر القاعة قهقهات عالية كادت أن تهز المقاعد الخشبية. لقد كان آزاد، فوبخه الدكتور و طلب منه معرفة سبب الضحك. أجابه آزاد ببرودة، أن عبارته خاطئة فكيف للشر أن يشكل معظم الإنسان، رغم أن الإنسان يولد وبه روح الله! فارتبك الدكتور وقال” كيف لك أن تفهم كلامي؟ أنت مكانك لابد أن يكون خلف صندوق خشبي وعلب بويا لتلميع الأحذية، ماذا تفعل هنا؟”
شهقت وقتها، و نظرت لآزاد انتظر ردة فعله، فحافظ على هدوئه وقال له “أنا هنا لأن أبي علمني أن بعض الأدمغة كدماغك كالصندوق الخشبي، لا تصلح إلا لوضع الأحذية فوقها”.

بعد تلك الحادثة، حُرم آزاد من الجامعة لمدة فصلين متتاليين، وكان يتظاهر بأنه غير مبالي، و واظب على انتظاري كل يوم أمام الكلية. في يوم الخميس الخامس من أيار عام 2005، أحضرت صندوقاً خشبياً واشتريت علبتي طلاء أحذية، أسود وبني واسفنجة للجلي. وضعت العدة على الأرض أمام باب كلية الآداب المطل على المدينة الجامعية وجلست أنتظره. بعد نصف ساعة أتى، وكان ينظر لداخل الكلية ولم يلحظ وجودي على الرصيف. رفعت صوتي مخاطبة إياه “الطلاء الأسود بعشر ليرات، والبنّي بخمسة يا معلم”. قفز من مكانه وطلب مني أن ألم هذه “الخردة” قبل أن يراني أحد. لكن لم يكن يعنيني ما سيقوله الطلاب عني، فجبر خاطر مقهور أفضل من رضى هذا المجتمع.

في عام 2006، انتقلت فتاة جديدة للسكن في غرفتي في المدينة الجامعية، اسمها سلافا، وكنت أغضب من صوت مجفف شعرها الصباحي اليومي دون أن أخبرها بذلك، كنت أحبها، لأنها كردية مثل آزاد. أخبرته مرة بذلك، وقلت له ” لدينا مثل عربي يقول كرمى لعين واحدة، يكرم مرج من العيون”، و أخبرني أن لديهم ذاته باللغة الكردية التي يفتخر بها، وكان يستخدمها حينما ترانا سلافا سويةً وتكلمه بالكردية. كنت أتشاجر معه كل مرة، وكان يخبرني أنه من الصعب أن يحدث شخصاً كردياً بلغة غير لغته الأم، و أنه حُرم من هذه اللغة في مدرسته، حيث ضربه مرة أستاذه بالمدرسة لأنه قال لصديقه” تشاوايي”.

مضت ثلاث سنوات على علاقتي بآزاد، حاولت خلالها التلميح لوالديّ، إلا أن الحب كان مرفوضاً بشكل قطعي بالنسبة لهما. أخبرت أمي أن صديقي كردي، فطلبت مني أن أقطع علاقتي به فوراً، لأننا عائلة “مستورة” ولا نرغب بأي صدام مع المجتمع أو الأمن الجامعي، فالكردي مشتبه بعدائه للنظام بالفطرة. في يوم شتوي بارد من عام 2006 طلب مني والدي أن أحجز بأول رحلة وآتي للقرية لأمر هام، أحسست وقتها أن أحدهم قد وشى بعلاقتي بآزاد، لكن لم يكن أمامي سوى التنفيذ، ففعلت، ولم أخرج من تلك القرية حتى الآن.

اترك رد