قانون قيصر ظاهره سوري وباطنه مستهدف لموسكو وطهران

اعتبرت مصادر أميركية أن قانون قيصر الذي اعتمدته الولايات المتحدة بشأن الوضع في سوريا يعبر عن أحد ملامح السياسة الأميركية في سوريا، ولو أن التخبط لا يزال يحيط بالمقاربة التي تعتمدها واشنطن في تعاملها مع الملف السوري مقارنة بما يجري على أرض الواقع، حيث تبدو موسكو الممسكة الوحيدة بخيوط اللعبة.

واشنطن – صادق مجلس الشيوخ الأميركي، على قانون “قيصر لحماية المدنيين السوريين” والذي ينص على فرض عقوبات على النظام السوري، وكل من يدعم النظام السوري ماليا أو عينيا أو تكنولوجيا، وقد صوت لصالح مشروع القانون 86 نائبا مقابل رفض 8 في المجلس الذي يسيطر عليه الجمهوريون، كما أن الرئيس دونالد ترامب وقع على القانون، أي أنه دخل حيز التطبيق والتنفيذ.

وعلى الرغم من أن القانون حظي برعاية تشريعية إلا أن الولايات المتحدة تحتاج إلى توضيح مواقفها واستراتيجياتها في سوريا، حيث تبدو مزاجية مرتبكة مقارنة باستراتيجيات دول مثل روسيا وتركيا وإيران في هذا البلد.

والقانون الأميركي الذي استخدم اسم قيصر على اسم شخص قام سرا بتوثيق أعمال التعذيب التي قام بها النظام السوري، يسعى إلى حماية المدنيين السوريين. ويهدف القانون إلى تحميل الرئيس السوري بشار الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين مسؤولية جرائم الحرب في سوريا.

ويقول مراقبون إن قانون قيصر ظاهره سوري الأهداف لكن مضمونه يستهدف كل دول العالم، أي تلك المنخرطة حاليا، ولاسيما اقتصاديا، في شؤون سوريا، أو تلك التي تفكر لاحقا بالانخراط في أي عمليات مالية أو اقتصادية في سوريا.

ويرى هؤلاء أن القانون يضع حدا لطموحات موسكو وطهران ودمشق في إقناع العالم، ولاسيما دول الاتحاد الأوروبي، في الانضمام إلى دعوات تمويل إعادة الإعمار في هذا البلد.

ويعتبر المراقبون أن واشنطن حاصرت من خلال هذا القانون مسارات التسوية التي ترسم روسيا مساراتها، سواء من خلال الشق العسكري أو من خلال عملية سياسية بدأت تظهر أعراضها بصعوبة منذ إنشاء اللجنة الدستورية.

ضمن هذا الإطار، فإن القانون “يطبق العقوبات على أولئك الذين يقدمون الدعم إلى الجهود العسكرية لنظام الأسد في الحرب الأهلية السورية”، وسيستهدف الشركات الأجنبية إذا بدأت العمل في سوريا.

ويعتبر خبراء في الاقتصاد أن قانون قيصر يؤسس لعملية شلل كاملة تصيب الاقتصاد السوري عن طريق فصله بشكل صارم عن أي مؤسسة نقدية دولية، ولاسيما صندوق النقد والبنك الدوليين، ومنع تنفيذ أي مبادرات خاصة ومشروعة في البلاد.

وقال مركز ستراتفور الاستخباراتي الأميركي إن النظام السوري في طريقه لكسب الحرب الأهلية الدائرة في البلاد منذ قرابة تسع سنوات، ويُعزى ذلك إلى حد كبير للدعم الإيراني والروسي القوي.

وأوضح الموقع أنه بينما توشك الحرب في سوريا على الانتهاء، ثمة أسئلة تبرز على السطح بشكل سريع حول مدى قدرة حكومة دمشق على إرساء السلام، وما يعنيه ذلك بالنسبة إلى نفوذ حلفائها الذين ساعدوها في الوصول إلى تلك المرحلة.

القانون يضع حدا لطموحات موسكو وطهران ودمشق في إقناع الاتحاد الأوروبي، بالانضمام إلى دعوات تمويل إعادة الإعمار في سوريا

غير أن قانون العقوبات الأميركي الجديد ضد النظام السوري وشركائه يرسل إشارة سياسية مصدرها واشنطن لها مفاعيل دولية عامة من شأنها منع سوريا من تطبيع علاقاتها مع دول العالم، بما في ذلك منعها من استعادة عضويتها داخل جامعة الدول العربية.

ويستنتج المراقبون جمود جهود التطبيع التي ظهرت لرأب الصدع في العلاقات الخليجية السورية كما لإعادة سوريا إلى النظام العربي الإقليمي. ويعود هذا الجمود إلى عدم إعطاء دمشق أي إشارات تفيد عن عزمها التخلص من النفوذ الإيراني على نحو يبعد العرب عن خيار التطبيع مع دولة تحولت إلى ذراع من أذرع إيران في المنطقة، كما يعود إلى التزام المجموعتين الخليجية والعربية بالقانون الدولي بشأن سوريا، وبالتالي ضرورة أن تنفذ دمشق قرار مجلس الأمن رقم 2254 الذي يرسم خارطة طريق لعملية سياسية كاملة في سوريا.

ويرى محللون في الشؤون السورية أن قانون قيصر جاء ليضع حدا لما كانت دمشق وموسكو تلوحان به من فرض للأمر الواقع بسبب الانتصارات العسكرية التي حققتها قوات الجيش السوري التابعة للنظام بدعم من الميليشيات التابعة لإيران بغطاء جوي ناري كثيف من قبل سلاح الجو الروسي، وليعيد تذكير الأطراف المنخرطة في الشأن السوري أن مسألة تعويم نظام دمشق ورئيسه لن تكون نتيجة حتمية لمآلات الخيار العسكري في سوريا.

كما يدعم القانون الأميركي موقف الاتحاد الأوروبي الذي ما فتئ يكرر الدعوة إلى تنفيذ عملية سياسية عادلة تشارك فيها المعارضة كشرط لأي انخراط أوروبي في تمويل إعادة إعمار سوريا وإعادة اللاجئين. ويفرض قانون قيصر من خلال رسائله السياسية أن تعود روسيا إلى الالتزام بالشروط والمعايير الدولية المنصوص عليها في قرارات الأمم المتحدة كما في مرجعيات العملية السياسية في جنيف.

غير أن بعض الخبراء في الشؤون الأميركية يتحفظون على القانون بصفته يشكل جانبا انفعاليا وليس مدروسا في التعامل مع الحالة السورية، كما أنه لا يشكل حتى الآن أي ضغط لوقف الخطط العسكرية لنظام دمشق ولروسيا. ويرى الخبراء أن الموقف الأخير الذي صدر عن الرئيس ترامب بشأن الحرب في سوريا ما زال دون المستوى الذي يجب على دولة عظمى مثل الولايات المتحدة أن تتخذه بشأن كارثة إنسانية كتلك التي تجري في سوريا.

النظام في طريقه لكسب الحرب
النظام في طريقه لكسب الحرب

ودعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الخميس، حكومات موسكو ودمشق وطهران إلى وقف العنف في محافظة إدلب في سوريا. وقال ترامب إن «روسيا وسوريا وإيران تقتل، أو في طريقها إلى قتل الآلاف» من المدنيين في المحافظة الواقعة في شمال غربي سوريا، مضيفا «لا تفعلوا ذلك».

وتعتبر بعض المصادر الأميركية أن قانون قيصر يصب داخل مقاربة أميركية خاطئة قد تعتبر أن فرض العقوبات بات هدفا في حد ذاته وليس وسيلة من أجل تحقيق أهداف بعينها. وتتساءل هذه المصادر عمّا إذا كان القانون بإمكانه أن يخدم أغراضا واقعية عاجلة مثل التقليل من الوجود العسكري الإيراني، أو تشجيع الإصلاح السياسي داخل النظام السوري، والذي من شأنه مثلا أن يؤدي إلى دمج الأكراد في المنظومة السياسية السورية المقبلة للنظام.

وتستعير المصادر المشككة مقولة للمؤرخ ثيودور وايت حول “قانون العواقب غير المقصودة” لسياسة العقوبات. وتعتبر المصادر أن من شأن القانون أن يزيد من ارتباط السكان بالحكومة في سوريا ويؤجل وربما يقضي نهائيا على فرص الإصلاح الممكنة والمحتملة داخل منظومة دمشق.

وتتخوف هذه المصادر من أن ترفع العقوبات ولا تخفض مستوى الأخطار التي تتعرض لها إسرائيل وأوروبا وشركاء الولايات المتحدة الإقليميون. وترى المصادر أن العقوبات تعزز نفوذ إيران في سوريا والمنطقة، بحيث يصبح اعتماد سوريا على الدعم الضعيف الذي تقدمه طهران أكثر أهمية في غياب توفر بدائل إقليمية ودولية أخرى.

العرب

اترك رد