الإنسانية التي تناسبنا في سوريا.. هي التي تناسب رغباتنا

رياض علي

لا يمر يوم إلا ونفاجأ بالكم الهائل من عبارات التخوين واللاوطنية التي يلصقها السوريون ببعضهم البعض ولا سيما الأقربون، فتارة نرى السوري العربي يهاجم السوري الآخر، ولا سيما العربي، لأن هذا الأخير وقف ضد المجازر أو الإنتهاكات التي حصلت أو تحصل بحق الأكراد السوريين، بحجة أن الأكراد خونة وسبق لهم أن ارتكبوا ذات المجازر بحق باقي السوريين، وعلى فرض صحة تلك الاتهامات، فإن من يوجه الاتهامات يعلم علم اليقين أن الأكراد هم بشر مثلهم يخطئون ويصيبون ومنهم من وقف مع الثورة وضحى في سبيلها، ومنهم من وقف ضدها وسعى لوأدها، وبالمقابل نجد من الأكراد السوريين من يتهجم على الكردي الآخر وقد يجرده من كرديته لأنه ناصر ولو بلسانه وقلبه العربي المظلوم الذي لاحول له ولاقوة في كل ما يحصل، وهو مثله مثل باقي الشعب السوري ضحية للألاعيب والبازارات التي تتم بحق السوريين.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، كم هو مؤلم أن نجد البعض يضع صورة للجثث التي تم التمثيل بها من قبل قوات سوريا الديمقراطية وهي محملة على قاطرة مكشوفة منذ أكثر من ثلاث سنوات في شوارع عفرين، ويقوم بنشرها على صفحته الشخصية ثم يقول: كي لا ننسى، و”للصدفة” التوقيت يتزامن مع بداية عملية “نبع السلام” التي نفذتها قوات “الجيش الوطني” في شمال شرق سوريا، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على أن هذا الشخص يدعم العملية ويطالب غيره بدعمها ويبث سموم الكراهية بحق الكرد عموماً، ويعطي إشارة لعناصر “الجيش الوطني” الذي يعلم علم اليقين بأنها مجموعة مرتزقة وتخلت عن القضية منذ زمن، بأن كل شيء مباح لهم حتى الانتهاكات، طالما أن الهدف المعلن هو مقاتلة قوات البيدا والتي لا يسأم الإعلام المعارض بوصفها بقوات حماية الشعب الكردية، مع أنها تسمي نفسها بقوات حماية الشعب دون كلمة الكردية، وأكثر من نصف عناصرها من غير الكرد.

وبالطرف المقابل نجد من يقوم بنشر صور للافتة مكتوب عليها “جايينك ياقامشلي” أو غيرها من اللافتات التي تؤيد عملية “نبع السلام”، وهي مرفوعة بأيادي سوريين مقيمين في إدلب، وذلك لقطع الطريق أمام كل من ينوي، ولا سيما من الكرد، التعاطف مع المدنيين في ادلب، وممارسة الإرهاب الفكري بحقهم، بل ولتخوين كل من يتعاطف معهم، وكلنا يعلم أن الوضع في إدلب وهي تحت عباءة النصرة وحكومة الإنقاذ المشكلة من جبهة النصرة يشبه الوضع في مناطق النظام، بل ربما يكون أسوأ حالاً وليس صعباً على جبهة النصرة إجبار بعض المدنيين والأطفال للخروج بهتافات ولافتات مؤيدة لعملية “نبع السلام” أو غيرها، فغالبيتهم تشربوا من ثقافة البعث ومسيراته “العفوية”، وعلى فرض أن هؤلاء خرجوا برضاهم، فلا يمكن أن نأخذ برأي وقناعة القاصر كونه غير مسؤول عن آرائه قانوناً أو شرعاً، كما إن البالغين لا يمثلون كل المدنيين الموجودين في إدلب.

زد على ذلك فإن تعرضت منطقة ما للهجوم أو للانتهاكات، فأبناء هذه المنطقة يطالبون غيرهم بالتضامن معهم ومع قضيتهم، وهذا مطلب حق، لكنهم يتناسون أنهم أنفسهم كانوا يشمتون بغيرهم أو على الأقل أخذوا موقف السلبي المتفرج، عندما كان أولئك يتعرضون لمثل تلك الانتهاكات، فلكي تقنع الناس بقضيتك العادلة يجب أن تكون إنساناً بكل ما تحمله كلمة الإنسانية من معنى، لا أن تنتظر من الغير دعم قضيتك وأنت لم تقف معه في أصعب ظروفه وأوقاته، فالتعاطف الإنساني لا يمكن أن يبنى على المناطقية والقومية وإلا لن يكون إنسانياً، لأن الأخيرة تفترض التعاطف مع جميع المظلومين بغض النظر عن توزعهم الجغرافي أو دينهم أو رأيهم السياسي، حتى لو كان هذا المظلوم شخصاً واحداً.

ثم ما هو الفرق بين ذاك الذي يبرر قتل المدنيين والأطفال بحجة أنهم من أقارب أو عائلة المقاتل، بغض النظر عن مدى عدالة القضية التي يمثلها ذاك المقاتل، وبين النظام السوري الذي استباح دماء مئات آلاف السوريين الأبرياء بحجة أنهم “حواضن للإرهاب” على حد وصفه؟، وإستذكرتُ هذه المقاربة لأن أحد الأصدقاء الكرد غير المكترث بقصف النظام والروس لإدلب سألني ونحن نتحاور حول العمليات العسكرية في إدلب، وبعد أن علم أنني ضد تلك العمليات، ماذا تصف عوائل المقاتلين الذين شاركوا في عملية نبع السلام؟ وهو يقصد من سؤاله أن لا حماية لهم طالما أن شقيقهم أو والدهم قد شارك في عملية “نبع السلام”، ولا أخفي أن هذا الأمر ينذر بالأسوأ، لأن هذا الشخص قد تجرد من إنسانيته، وتناسى كل حقوق الإنسان التي نادت بها الشرائع السماوية والعهود والمواثيق الدولية والقوانين الداخلية، ولا يعقل أن تتحمل كل العائلة وزر جرم ارتكبه أحد أفرادها!

يبدو أننا نحن السوريين فقدنا البوصلة وصرنا نفصِّل الإنسانية والاضطهاد والمظلومية حسب مقاساتنا الطائفية أو العرقية أو المناطقية، وهذا القول لا ينطبق على الأفراد فقط، بل على بعض الكيانات والأحزاب السياسية والمراكز البحثية ومنظمات المجتمع المدني ولا سيما الحقوقية منها أيضاً، حيث أضحى الكثيرون منا أفراداً ومؤسسات مرتهنين لسياسات الدول وأجندات الداعمين، إذ نجد أن جسماً سياسياً أو دينياً يناصر المدنيين والمظلومين في مكان ما ويدين الانتهاكات التي ترتكب بحقهم، وبالمقابل يغض الطرف عن الانتهاكات والجرائم التي تحصل في مكان آخر، بل قد يذهب به الحال إلى تأييد تلك الانتهاكات وتبريرها، ولا سيما إن كان للداعم يداً في تلك الانتهاكات أو على الأقل داعماً لها، كما أن البعض من المنظمات الحقوقية تعتمد الانتقائية في التوثيق، وقد تكون هذه الانتقائية على أساس المنطقة أو هوية الضحية أو الجاني أو كل ذلك، وذلك بناءً على سياسة الداعم وتوجهاته، وهذا ما أفقد تلك الأجسام السياسية والمنظمات المدنية الكثير من مصداقيتها وحياديتها.

ولن نستطيع في هذا المقال المقتضب الإحاطة بكل تلك التجاوزات وسرد الأمثلة عليها، مع كثرتها، ولا سيما أن هذا الأمر لم يعد خافياً على الكثيرين من المتابعين للشأن السوري، لذلك لابد من إعادة قراءة الواقع من جديد ودراسة ما آلت إليه الأمور، وإنتزاع تلك الضغائن التي زُرِعتْ في قلوب البعض بفعل “أبطال العالم الأزرق” الذين لا يكلُّون ولا يملُّون من نشر ثقافة التحريض البغيضة، وخطاب الكراهية المقيت، وبات البحث عن الحل ملحاً وبحاجة لجهود حقيقية وصادقة، لنبذ روح الكراهية التي بثها أشخاص غير مسؤولين وهمُّهم خطف الأضواء والظهور بمظهر القومجي البطل، وكذلك ضرورة خروج الأجسام السياسية والدينية ومراكز الأبحاث ومنظمات المجتمع المدني السورية من عباءة الداعم، وتغليب المصلحة السورية العامة على المصلحة الشخصية أو القومية أو الدينية الضيقة، وبذلك قد نصعد بذواتنا من عتبة الإنسانية المناطقية أو الطائفية أو العرقية الضيقة إلى فضاء الإنسانية بمعناه الرحب.

The Levant News

اترك رد