سنة ما قبل العاصفة؟

عمر قدور

لم يأتِ عام 2019 الذي ينتهي اليوم براحة البال التي من المعتاد أن يتمناها كثر على عتبة عام جديد، ولا أيضاً بالمتغيرات الدراماتيكية الكبرى التي يحلم بها آخرون. لكنه في المحصلة لم يكن عاماً رتيباً، لا في منطقتنا ولا خارجها، وحمل العديد من الدلالات على عدم الاستقرار، وعلى صراعات بعضها صار مكشوفاً، بينما يتحضر بعضها للانكشاف، من دون أن نكون جازمين إزاء الموعد المحتمل لتفجره.

ندع للفلكيين مهمة التنبؤ على طريقتهم وأهوائهم، مع التذكير بأن اللحظة الفاصلة بين عامين هي لحظة رمزية ليس إلا، من دون أن يقلل هذا من وقعها على المحتفلين بها. مثلاً، أحداث عديدة بدأت مع نهاية عام 2018 لتنضج صورتها في عام 2019، لدينا منها في المنطقة الثورة السودانية التي بدأت في منتصف كانون الأول، لتسجل أول انتصار لها في الحادي عشر من نيسان، ولتصل من ثم إلى تسوية مع المجلس العسكري. في المقابل، شهد عام 2019 مع بداياته تراجع المد الذي أنذرت به حركة السترات الصفراء التي انطلقت في فرنسا، وانتشرت جزئياً في دول أوروبية أخرى، قبل انحسارها جراء سياسة استنزاف في مركزها الأساسي.

لم يكن متوقعاً قبل عام اندلاع الثورة في لبنان وفي العراق والجزائر، كذلك الأمر بالنسبة للاحتجاجات المحدودة التي توقفت في مصر، وللاحتجاجات المتجددة في إيران. غربياً، ينبغي التوقف عند الإضرابات التي شلّت فرنسا في الشهر الأخير من السنة، هذه المرة تولت النقابات بثقلها المؤثر جداً حركة الاحتجاج، ولن تكون مواجهتها يسيرة بالنسبة لماكرون على منوال تجاهله الإنذار التي قدّمته السترات الصفراء. جدير بالذكر أن الرئيس الفرنسي دعا مع بدء تظاهرات الأخيرة إلى حوار وطني للخروج من الأزمة، وهو حوار لم يكن جاداً بحيث يفضي إلى نتيجة، باستثناء بقائه متربعاً على عرش الأزمة التي أتت به رئيساً.

أمريكياً، بعد طيه صفحة التدخل الروسي لصالحه في انتخابات الرئاسة، لم يتمكن ترامب والجمهوريون من فعل المثل مع فضيحة ابتزاز الرئيس الأوكراني بالمساعدات الأمريكية تحضيراً للانتخابات الرئاسية المقبلة. إجراءات عزل ترامب التي أقرّها الكونغرس، ومن المتوقع ألا تمر عبر مجلس الشيوخ، تختلف عما تعرض له كلينتون ونيكسون من قبل لأن فضائح الأول تمس الأمن القومي من ناحية انخراط جهات أجنبية لأول مرة على هذا النحو. اصطدام إجراءات العزل بالانقسام التقليدي بين الجمهوريين والديموقراطيين سيوجه ضربة كبرى لمفهومَي العدالة والديموقراطية معاً، واستطلاعات الرأي التي تظهر الانقسام نفسه إزاءها تكشف في ما تكشف عن عجز الديموقراطيين عن تقديم بدائل مقنعة شعبياً على صعيد البرامج أو على صعيد المرشحين المحتملين للرئاسة.

الأزمة الأمريكية في مواجهة اليمين الشعبوي سنراها في إنكلترا التي شهدت سقوط الوجه المتزن للمحافظين تيريزا ماي لصالح منافسها بوريس جونسون الذي يعتبر النسخة المحلية من ترامب، والكارثة ليست في الخروج من الاتحاد الأوروبي بقدر ما هي في انتزاع جونسون الفوز في الانتخابات التشريعية، بل في سيطرته على دوائر سيطر عليها حزب العمال لمدة عقود. هنا أيضاً وجه آخر لأزمة النخب السياسية الغربية، فصعود اليمين الشعبوي هو تعبير عن أزمتها، وعن أزمة أعمق تتطلب حلولاً “ثورية” لا يوجد مَن يطرحها. الأزمة لها جانبها الاقتصادي الحاد، وهو يتشابك مع تبعات العولمة والانفتاح، ومع الانفجار التقني والمعلوماتي بآثاره الباهظة على مختلف النواحي بما فيها سوق العمل وتقسيماته التي تتجاوز القسمة التقليدية محلياً ودولياً.

بالعودة إلى منطقتنا، تصارع قوى السلطة للبقاء بعد امتصاص صدمة الربيع العربي قبل سنوات. الأساليب التي تستخدمها تتراوح بين استنزاف قدرة الشارع على الصمود، رأينا ذلك في الجزائر ونراه في لبنان، وبين استخدام منسوب مرتفع من القمع كما هو الحال في العراق وإيران. في المقابل، أثبت ما يُسمى مجازاً بمحور الثورات المضادة عجزه وابتذاله في مصر، ولا يعِد بديله المقترح في ليبيا بوضع أفضل، مثلما لا يوحي الانقسام الإقليمي الجديد، الذي تجاوز الانقسام الشيعي-السني السابق، سوى بصراع نفوذ يتعارض جوهرياً مع سعي شعوب المنطقة إلى التغيير.

في سوريا، حيث مضى مسار تقاسم النفوذ بسلاسة خلال العام الأخير، لا تقف الأطراف الدولية والإقليمية المنخرطة في الصراع على أرض ثابتة من التفاهمات. التفاهم الروسي-التركي مرشح للانهيار في أية لحظة، ولن يكون سهلاً على طهران الاحتفاظ بمواقعها الحالية فيما إذا اختارت مواصلة التصعيد مع واشنطن في العراق، حتى إذا ارتاحت في سوريا نسبياً ومؤقتاً من ضغط تل أبيب بفضل الأزمة السياسية الإسرائيلية وانتظار نتائج الانتخابات المبكرة. تتجمع في سوريا كافة مؤشرات الانهيار الذاتي لدولة الأسد، خاصة على الصعيد الاقتصادي وآثاره الاجتماعية المحتملة، في حين لا تبشّر عوامل الحرب المحتملة بين الأطراف الفاعلة بإنقاذ دولة الأسد اقتصادياً بعد إنقاذها عسكرياً.

لقد سجّلت سوريا التقدم الثاني لبوتين بعد القرم، مع التأكيد على الاختلاف بينهما إذ طالما كانت القرم ضمن النطاق القريب جداً للمطامع الروسية. الأهم من ذلك هو التساهل الغربي العام مع صعود البوتينية كنظام ديكتاتوري يتنافى مع قيم الليبرالية، وإن كانت المافيا الروسية تتمتع بأكثر منافع الليبرالية الاقتصادية توحشاً. لا ننسى أن البوتينية تجد سنداً صامتاً في الصين، إلا أن الغرب لأسباب اقتصادية مباشرة مهموم بالأخيرة فقط، بل يحظى بوتين بترحيب من العديد من القادة الغربيين، وبالنظر إليه كنموذج يُحتذى من قبل ممثلي اليمين واليسار الشعبويين. الأخطر أن بوتين لا يخفي عداءه للديموقراطية، ولا توقه إلى الانتقام منها، معوّلا على أزمة الغرب، وعلى قدرته على تجنب الانهيار الاقتصادي الذي أودى بديكتاتورية السوفييت.

نغادر العام المنتهي مع غرب عاجز عن تجاوز أزماته، وعن اقتراح أفق عالمي جديد. وفي منطقتنا يتفاقم انسداد أفق الأنظمة العربية بمختلف أشكالها من دون أن تفقد قدرتها على البقاء، وليست القوى الإقليمية المتوسعة على حساب المنطقة في وضع مريح كما كانت عليه قبل سنوات، سواء في طهران أو أنقرة أو تل أبيب. ربما يندر في التاريخ أن تتراكم كل هذه الاستحقاقات دفعة واحدة، ولا يندر فيه أن يكون العنف والحروب تعبيراً عن الأزمة أو محاولة للتهرب منها. قد لا نكون على موعد قريب مع حروب كبرى، لكننا ربما نكون مع موعد لحروب صغيرة واضطرابات مترافقة بالعنف هنا وهناك، والسبب المشترك أننا نفتقر إلى مشاريع وقيادات من الطينة التي تخوض الحروب الكبرى أو تلك التي تصنع التاريخ.

المدن

اترك رد