“آزادي للأبد، غصباً عنك يا أسد”

هبة عزالدين
قرب قرية “كفر يحمول” في ريف إدلب، ثمة أرض منخفضة يطلق عليها اسم “المغراقة”، ويقال إنها سميت كذلك لأنها أغرقت مئات الأشخاص والحيوانات والسيارات عبر التاريخ بكون ترابها هش، يسهل الغوص فيه، وعادة ما تمتلئ بالماء في فصل الشتاء. لطالما شغفت حباً بتلك الأرض الهشة، لأني أحب الماورائيات والقصص المدفونة، ورغم تحذير أهلي وأقربائي لي، إلا أني كنت أصرّ على المشي نحوها والتأمل بالحفرة المقعرة في الصيف بعد أن يجف الماء، علي أجد هيكلاً عظمياً هنا أو سيارة صدأة هناك.
بعد عام 2011، أصبح الطريق الذي يمرّ قرب المغراقة، مزدحماً بالنازحين والمهجرين قسرياً، ولطالما سقط على الطريق أثاثهم وأمتعتهم وأحياناً أولادهم من فوق الدراجات النارية المحملة فوق طاقتها. خلال إحدى زياراتي المتكررة للمغراقة، بدى لي من بعيد، دفتراً يعبث الهواء بصفحاته، وتكاد أن تتمزق وتطير، ولا أعلم حتى اللحظة إن كان سقط من المارة أم غرق، إلا أني كنت ممتنة للقدر الذي جمعني بصفحاته.
الدفتر كان عبارة عن مذكرات لصبية اسمها فاطمة، لا تفاصيل أخرى كتبت عنها، لكن يبدو من تسلسل الأحداث وسردها للتاريخ أنها امرأة ثلاثينية، عاشت أو ربما مازالت تعيش في مجتمع ذكوري يرى أن حب المرأة عار. قرأت كل ما كتبت، وحاولت أن أغيّر الأسماء وأضيف كلماتي وخيالي لما كتبت، إلّا أني دأبت على أن أحافظ على خصوصية وروح فاطمة بكل مفردة. في صفحاته، تكمل فاطمة قصتها مع الأسمر الذي أحبته، الكردي آزاد.
“بعد عام كاملٍ من سجني القسري في القرية، إثر اكتشاف أهلي لعلاقتي بآزاد، خرجت منها مطلّقة، منقّبة، علي ان أخفي الشق الطولي في وجهي, بعد أن ضربني زوجي بكأس ماء زجاجي. نعم، لقد زوجني والدي للطبيب خالد، الذي يريد امرأة يقول لها “حا” فتمشي، و “هش” فتقف, هذا ما قاله لوالدي حرفياً. زوجي الطبيب, كان يسمع من طلاب الجامعة عن جمال فتاة ريفية من قرية مجاورة لقريته تدعى فاطمة، ابنة الاستاذ أمين فقد أصبحت أيضاً طالبة جامعية فضلاً عن أنه يعلم أنها ذكية منذ حادثة القسطنطينية. حدث ذلك حينما كنت طفلة، فرافقت أبي إلى السوق، ودخل إلى دكان العم أبي خالد ليشتري قطعة تبديل للثلاجة. وقفت حينها قرب أبي، ورحت أنظر إلى خالد وهو يحفظ دروس اللغة العربية غيباً، فهو طالب مجد والجميع يتوقع أن يحصل على المجموع التام في الشهادة الإعدادية. تجادل والدي و أبي خالد، حول الأذكى في المدرسة، أنا أم خالد، فتدخّل خالد، وطلب مني أن أكتب “القسطنطينية” فهجأتها وكتبتها بخط جميل، و منذ ذلك الحين، كان أبو خالد، يذكرني بالقسطنطينية كلما رآني برفقة أبي خلال توصيلي إلى المدرسة الثانوية. بعد أن دخلت الجامعة، قرر خالد أن يراهن أصدقاءه، ويتزوجني، لكن أحداً من أصدقائه لم يصدقه، لأنهم كانوا يعلمون أنني أحب شاباً كردياً، رفضت لأجله كل عروض الزواج والخطبة والحب.
رغم كل توسلاتي لأبي بألا يزوجني بخالد، إلّا أنه حدد موعد العرس بعد أسابيعٍ قليلة من الخطبة. لقد ربح الدكتور خالد الرهان، وتزوجني لكنه قرر أن يهجرني بعد ليلة الزفاف، لأنه لا يستطيع العيش مع امرأة يسكنها رجل آخر. في اليوم الثاني للزواج، يوم ” الصبحية” ترك لي خالد ورقةً قرب السرير كتب عليها ” المهم أني فتحت القسطنطينية, ولا يهمني من يسكنها بعدي، بل لن يسكنها أحد، ستكونين مثل أرض اليباب لا يسكنك سوى ذاك الكردي والخراب”.
فشلت كل محاولات أهل خالد وأهلي لحل مشاكلنا، وعدت لبيت أهلي, لكني عدت مكسورةً هذه المرة. بقيت شهراً ببيت أهلي رافضة العودة لبيت خالد، لكنه طلبني إلى بيت الطاعة. لم أقبل أن ألتحق ببيت الطاعة ذاك، فاعتبرتني المحكمة” ناشز” وأرسلت دورية شرطة لشحطي إلى ذاك البيت. وقتها رأيت الانتصارَ بعيون خالد عندما دخل إلى البيت، وأحسست أني إن لم أدافع عن كرامتي بالحد الكافي، سأفقدها للأبد. أحضرت سكيناً من المطبخ ووجهت النصل نحو قلبي, وهددته إن لم يطلقني سأقتل نفسي. لقد كنت جادة وقتها فالموت أرحم من الذل.
أدرك خالد أني جادة، و نظر إلي مطولاً، ثم دفعني حتى وقعت على الأرض وغادر. بقيت وحيدة، لا أحد قادر على مساعدتي سواي، لذلك وجب أن أبحث عن حل بأسرع وقت ممكن. اعتاد خالد أن يأتي للبيت كل يوم، يضع لي الخضار في المطبخ ويقفل الباب الخشبي، ثم الباب الحديدي، هكذا حتى اليوم التالي. ذات يوم، حينما دقت الساعة التاسعة صباحاً، موعد قدوم خالد، نهضت من السرير، وركضت نحوه. طلبت منه أن نجلس و نشرب القهوة سوياً، كنت أود أن أفاوضه، و كما جرت العادة نحن نفاوض أعداءنا حتى خلال قتلهم لنا.
لم يقبل بالحوار، فرحت أصرخ قائلةً ” الله أدخل امرأة النار بقطة حبستها، لم تحبسني هنا؟” فاقترب مني خالد، و أمسك أطراف شعري المتدلية، ثم لف خصل الشعر على يده بهدوء صاعداً للأعلى، حتى وصلت قبضته إلى عنقي فشد شعري بقوة وحاول أن يحني رأسي للأرض. قال لي وقتها ” تريدين أن تخرجي من البيت يا قطة؟ تريدين أن يُفتن بجمالك شباب الحارة؟ ألم يرض غرورك كل شباب الجامعة الذين تدلت ألسنتهم كلما مررت؟ “. آلمني ما فعله و ما قاله، فرحت أبكي متوسلةً أن يسمح لي برؤية الشارع و زيارة أهلي، لأني روح أحتاج إلى الضوء والهواء والبشر. قاطع بكائي، و قال بأنّه سيسمح لي بالخروج، لقاء شرط، بأن أقبل قدميه.
ترددت، فكيف سأقبل قدميه، وقد منعني والدي أن أقبل حتى يده في الأعياد والمناسبات؟ عوّدني والدي أن أقبل رأسه ورأس أمي, لأنه لا يقبل أن أنحني لأحد حتى لهم. لكن لم يكن هناك سبيل أمامي سوى أن أفعل ما يريد في سبيل نيل حريتي منه، رغم قناعتي بفداحة ما أفعل، فالغايات لا تبرر الوسائل أبداً، والحرية لا تُؤخذ بتقديم التنازلات. في تلك الأثناء، دفعني خالد نحو الأرض، ثم وضع رجله اليسرى فوق رقبتي، مرغماً إياي على تقبيل قدمه اليمنى، مزمجراً” هيّا قبلي قدمي، كي تتساوي أنت و ذاك البويجي، فكلاكما مستواكما الصرامي”.
قبلت قدمه، متمنيةً لو أني أغرس سكيناً بقلبه و أقتله، لكنّي لم أكن قادرة على فعل ذلك بكل الأحوال، فأنا لا أحب العنف والقتل. تمنيت لو أنه يموت وأراه ممدداً على الأرض مثل الديدان الرخوية على حائط الجامع الصغير في قريتي، حيث تقتات تلك الديدان على صوت الإمام، ثم تسأم من تكرار المواعظ و الدعوة بطول حياة بشار الأسد، فتلقي بنفسها منتحرة نحو القاع. لو أن الموت يفتح ذراعيه لكل المنتحرين لغص السراط بهم.
رغم تقبيلي لحذائه، لكن النذل غدر بي مرة أخرى، و لم يسمح لي بمغادرة المنزل، فحمل بيده اليسرى علاقة مفاتيحه التي تحمل صورة السيد كما كنا ندعوه، حسن نصر الله مشهراً سبابته، و علقها بالحلقة الثانية من حلقات البنطال المعدة للحزام، فراح يرتطم وجه السيد بفخذه ويرتج أثناء المشي، فتكاد عمامته السوداء أن تتدحرج من العلاّقة. ترتد العلاّقة للخلف، فيصبح وجه السيد مقابل أرداف خالد، و تبقى إصبعه مرتفعة للأعلى، في مشهد سريالي حقيقي، لما فعله حزب الله في سوريا بعد قيام الثورة السورية.
مات آخر أمل لي بالخلاص، فقررت أن أخلع النافذة المطّلة على الشارع و ألوذ بالفرار، فحملت السكين، بقيت طوال النهار أحاول أن أفتح النافذة دون جدوى، حتى صباح اليوم التالي، حينما أتى خالد و اكتشف نيتي بالهرب، فراح يضربني بقدميه، ثم بحزامه الجلدي، ثم أمسك بكأس و ضربني به، فشقّ وجهي الأيمن بشكل طولي، مما ترك ندبة حتى اللحظة. ركضت بجنون نحو الباب، و رحت أصرخ و أستنجد، لم أكن أفكر وقتها بالفضيحة، الشيء الذي منعني من أي تصرف أحمق خلال فترة سجني. اجتمع الجيران، و راحوا يطرقون الباب، ثم كسر القفل أحدهم ليجدني مدمّاة أمامه، فحملني و أسعفني للمشفى القريب و أخبر أهلي بما حصل.
أخبرت والدي أني لا أريد العودة مهما حصل، فاحترم قراري، و رفعنا دعوة طلاق، لكن خالد رفض تطليقي، إذا لا يتيح القانون السوري للمرأة أن تطلق نفسها، ولو أنّه فعل لنجت الكثيرات من العنف الأسري والموت. عيّنت المحكمة محكّمين، أحدهما الشيخ مصطفى، إمام الجامع الكبير في مدينة إدلب، الذي تبين لاحقاً أنه مخبر لفرع الأمن العسكري في مدينة إدلب، حسب الأوراق التي حصل عليها جيش الفتح بعد مهاجمة الفرع وطرد النظام من المدينة. يتمتع خريجي الأزهر ومنهم الشيخ مصطفى بخط عربي متناسق، مما ساعده في كتابة التقارير بكل من سب بشار الأسد أو خرج في مظاهرة من تنسيقيه بعد الاحتشاد في الجامع الكبير كل جمعة. بيّنت الوثائق المسربة أنه كان مسؤولاً عن اعتقال العشرات من الشباب المعارضين، و قصف مشفيين ميدانيين واغتيال صحفي وناشط بحقوق الإنسان يعمل بمجال توثيق جرائم النظام السوري، إلا أن إخوته المجاهدين في تنظيم القاعدة، تعاموا بشكل كامل عن تلك الحقائق. بيعت بعض الوثائق إلى صحفيين أجانب مقابل آلاف الدولارات، و أيقنت وقتها أن المال إن أغرق ثورة أفسدها، وقد كان عماد الفساد قي الثورة السورية.
خلال جلسة التحكيم الأولى، طلب الشيخ أن يجلس معي وحدي، و لم يتمالك الشيخ مصطفى نفسه ولمح لي أن بياض وجهي ممتزجاً بخضرة العينين وحمرة الخدين، نقضوا وضوءه وينبغي أن يتوضأ من جديد. تظاهرت أني لم أفهم تلميحه، و بعد الوضوء، كرر عشرات المرات أنه ” لا حياء في الدين”، و عليّ أن أتحدث مفصلاً عن علاقتي الحميمة بخالد. أجبته وقتها ” شيخي لا حياء ولا قلة حياء في الدين، و لا أحب أن أخوض بتفاصيل علاقتي مع أحد، لدي سؤال واحد هلا أجبتني؟ هل يحق لي أن أخلع زوجي؟. أجابني وهو يدير ظهره لي ويعبث ببعض الأوراق بدرج الخزانة خلفه “لا، لا يوجد خلع للزوج في الشريعة الإسلامية أو القانون السوري، لكن هناك خلع رضائي يتم باتفاق الزوجين”. لا أستطيع حتى اللحظة فهم مبدأ ذاك الخلع الذي لا يتم إلّا بموافقة الزوج، ما فرقه عن الطلاق إذن؟ وهل يفرق الناس بين المخلوعة والمطلقة؟
قررت بعدها أن أخلع رضائياً، كي أنهي تلك العلاقة المؤلمة و أتجنب أيضاً نماذج الشيخ مصطفى، و كنت مؤمنةً أنه رغم قسوة الطلاق، لكن الوقوف عند حدٍ من الخسائر ربح. بعد الطلاق، عدت إلى جامعتي، و أكملت دراستي، إلّا أنني لم أرَ آزاد مجدداً، فقد أخبرني رفاقه أنّه ترك الدراسة، و رغم كرهه للنظام السوري، إلّا أنّه التحق بالخدمة الإلزامية، بسبب إحباطه و يأسه.


مضت سنتان، حاولت خلالهما جاهدةً ألّا أسمح لنفسي بسماع أي شيء عن خالد، كما أني رغم توقي، لم أسمع أي خبر عن آزاد، لكنني أصبحت أكثر اهتماماً بالسياسة، و رحت أحضر قناة الجزيرة، التي كانت ثورة إعلامية وقتها، كما أنّ نقاشاتي السرية مع صديقاتي الكرديات أصبحت أكثر عمقاً، و لطالما تجادلنا بما يخص شكل الدولة التي تضمن المواطنة لكل السوريين. بعد أشهر من قيام الثورة السورية، و انخراطي بها، رأيت صورةً لآزاد و منشورات تطالب بالإفراج عنه، و علمت أنه انشقّ عن الجيش السوري و اعتقل خلال مظاهرةٍ سلمية ضد النظام في حي صلاح الدين في حلب، كما أنّي فوجئت بتعليقٍ على أحد المنشورات لخالد يقول فيه ” الله محيي الجيش، الأسد أو نحرق البلد، ليحترق هو وكل من ينوي تخريب الدولة”، فعلقت على ذات المنشور الفيسبوكي ” آزادي للأبد غصب عنك يا أسد”، فآزادنا حق لنا، و آزادي حق لي. ما أعرفه اليوم أن خالد أصبح شبيحاً في اللاذقية، و أنّ آزاد ما يزال مختفياً، كما آلاف السوريين، الذين يتمنون الخلاص من الظلم، و الذين آمنوا أن الحريّة تليق بسوريا و بشعوبها الطيبة، و بأنّ الحب سينتصر فوق الدمار و الركام. أوّد أن أخبرك يا آزاد أنّي زرعت باسمك شجرة زيتونة صغيرة في حديقة بيتنا، يسقيها مطر إدلب كل شتاء، ستكبر و تشبه أخواتها في كوباني و عفرين، علّنا يوماً نخلط زيت أشجار الزيتون بكرم أهلك، بزيت شجرتنا أنا و أنت، و نطعم أطفالنا منه. إن كنت تشعر بي، فلتعلم أني ما زلت هنا أنتظرك”.

اترك رد