المهم انتشال البلد من “الثقب الأسود”

عبدالوهاب بدرخان

ستكون هناك “حكومة” جديدة، بلا أفق بلا أوهام بلا أمل، حتى الذين يدعمون مجيئها يفعلون ذلك برهانات لا تتجاوز توقهم الى الخلاص من زلزال “ثورة تشرين”، أما الذين يريدون عرقلتها فلا يملكون بدائل حقيقية. حكومة مأزومة لأطراف مأزومين لن يتمكّن وزراؤها، المقيّدون بخيوط “الثنائي الشيعي” و”التيار الباسيلي”، من إثبات استقلاليتهم في صنع القرار أو في العمل. سيؤكّد “حزب الله” أنه انتصر على “مؤامرة” من نسيج خياله، وسيتباهى “التيار” بأنه استطاع إنقاذ “العهد” بإغراقه في مزيد من الأخطاء. أما الأزمة نفسها فستواصل البحث عمّن يعالجها، لأن جانبها الداخلي المهم برهن تفانياً مذهلاً للحفاظ على مكاسب الفساد، أما جانبها الخارجي الأهمّ فسيراقب تماشي الحكومة العتيدة مع معاييره، وأهمها اصلاحات تلبي مطالب الحراك الشعبي.
هناك مَن لا يزالون ينعون “التسوية الرئاسية” بل مَن احتفلوا بدفنها قائلين أن “العهد” تحرّر منها وبات الرئيس قادراً على ممارسة صلاحياته وفقاً لدستور “ما قبل الطائف”، إذ يعيّن رئيساً للحكومة بمعزلٍ عن أكذوبة “الميثاقية” ويتقاسم مع حلفائه تعيين أعضائها متجاوزين الطرف الثالث في معادلة الحكم. رفض الرئيس حكومة برئاسة سعد الحريري إذا أُقصي عنها جبران باسيل الذي أسقطه الشارع. وحاولت تحرّكات “الثنائي الشيعي” الإيحاء بأنه أكثر حرصاً، في هذه المرحلة، على “التوازن” الداخلي، غير أنه حرصٌ مزيّف، فهو تمسّك بالحريري لكن بشروط “الثنائي” وحليفه “العوني” وخياراتهما في تركيبة الحكومة ومهمّتها وخطّها السياسي الإقليمي.
خلال البحث عن مخارج، طوال شهرَي الحراك الشعبي، كان هاجس أطراف الحكم أن تتوصّل الى “تسوية” جديدة في ما بينها. أقلقتها الأزمة المالية، لكن ارتدادات “ثورة تشرين” أرّقتها بعدما هزّت الأرض تحت أقدامها وكشفت أن الأزمة الحقيقية هي أزمة نظام لم تعد أطرافه مقبولة ولم تعد طائفيته مصدراً لأي شرعية. وبما أن هذه الأزمة نتاج فشل أهل الحكم جميعاً، بمن فيهم “حزب الله” بل انه سيبقى في المستقبل القريب السبب الرئيسي لسقوط النظام المالي الذي كان عماد النظام السياسي. ذاك أن شروط الدعم الدولي معروفة، ولن يليّنها تساهلٌ من هنا أو تبرّعٌ من هناك. صحيح أن الأطراف الدولية لا تريد انهياراً للبنان-الدولة، لكن الأصحّ أن أي مساهمة خارجية لن تكفي لانتشال البلد من “الثقب الأسود” الذي وقع فيه ما لم تكن هناك إرادة داخلية مواكبة.
إذا كانت وصفة العلاج حملت حتى الآن اسم “سيدر”، أو ستحمل اسماً آخر لاحقاً، فإن التعامل معها استدعى تضحيات فشل أهل الحكم في تقديمها وسيتطلّب مستقبلاً تضحيات أكبر. لم يكن سرّاً أن “حزب الله” رأى في “سيدر” مشروعاً يقلّص هيمنته على لبنان على المدى الطويل، ولذلك بالغ في إضاعة الوقت على البلد منذ انتخابات 2018 حتى اندلاع “ثورة تشرين” التي فضحت النظام برمّته.

النهار

اترك رد