لنكثف جهودنا في ملاحقة مجرمي الحرب

بعيداً عن المسار الدستوري الذي استماتت روسيا لفرضه كمدخل “للحل السياسي” في سوريا على طريقتها، متجاوزة في ذلك ما نصت عليه بوضوح قرارات مجلس الأمن المتعلقة بسوريا ولاسيما بيان جنيف والقرار 2254، لقطع الطريق أمام حصول أية عملية انتقال سياسي حقيقة، وإعادة تكريس الأمور كما كانت قائمة قبل اندلاع الثورة السورية في عام 2011، ضاربة عرض الحائط بكل التضحيات الهائلة التي قدمها الشعب السوري طيلة السنوات السابقة.

بعيداً عن كل ذلك، تكتسي اليوم الدعوات المطالبة بضرورة أن يكون للعدالة بكل تجلياتها وإجراءاتها مكاناً في مسار أية عملية سياسية سورية أهمية قصوى، على اعتبار أن تحقيق العدالة بات اليوم مطلباً هاماً وضرورياً، ليس من أجل التأكيد على سيادة القانون ومحاكمة المجرمين ومحاسبتهم أمام قضاء مستقل ونزيه وتعويض الضحايا وحسب، بل ولأن تحقيق العدالة في مجتمع كالمجتمع السوري عاني ومازال يعاني من مأساة لم يشهد التاريخ مثيلاً لها لا من حيث الأعداد الهائلة للضحايا بين قتيل وجريح ومهجّر ومختفي قسرياً في سجون النظام، ولا من حيث حجم الدمار الهائل والنهب الواسع الذي طال البشر والحجر.. سيساعد بلا أدنى شك في منع حدوث حالات انتقام عشوائية قد تدمر ما تبقى من روابط إنسانيه في المجتمع السوري. وتسهل عملية إرساء السلم الأهلي، وتعافي المجتمع من الأحقاد والضغائن التي تغلغلت في نفوس السوريين بسبب ما تعرضوا له من ويلات لا تتحملها حتى الجبال.وبما أنّ روسيا مصّرة على فرض رؤيتها المعطلة لأي حل سياسي حقيقي ينتشل سوريا من مأساتها التي تسبّب فيها من تصرُّ روسيا على أن يبقى متحكماً بمصير الشعب السوري ومقدراته، وانها مستمرة أيضاً في منع مجلس الأمن من إحالة مرتبكي تلك الجرائم إلى المحاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية أو محكمة دولية خاصة على غرار المحكمة الخاصة بيوغسلافيا السابقة، ومستمرة في قتل وتهجير السوريين، لم يبق أمام السوريين وخاصة اللاجئين منهم المنتشرين في أصقاع الأرض إلا تشكيل مجموعات ضغط في أماكن تواجدهم لاسيما في الدول الأوربية الغربية من أجل حث حكومات تلك الدول ودفعها إلى تعديل تشريعاتها الوطنية بما يفتح الطريق أمام ملاحقة مرتكبي تلك الجرائم استناداً إلى مبدأ الصلاحية العالمية.فقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان جرّمت مرتكبي الانتهاكات الجسيمة والجرائم الخطيرة المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف الأربعة، واتفاقية روما المنشئة للمحكمة الجنائية الدولية، واتفاقية مناهضة التعذيب، وفرضت على جميع الدول سواء كانت طرفاً في تلك الاتفاقيات أم لا، التحقيق في تلك الجرائم وتقديم مرتكبيها الى قضائها الوطني، كما أتاحت تلك القواعد لضحايا الانتهاكات في حالة عجز القضاء الوطني أو رفضه النظر في تلك الانتهاكات والجرائم اللجوء إلى محاكم الدول الأخرى التي  تأخذ بمبدأ الولاية القضائية العالمية.فما الذي يمنعنا من الاستفادة من هذا المبدأ؟ ولماذا لا نستغل انتشار السوريين في دول العالم والمبادرة الى تنظيم النشاطات والفعاليات التي من شأنها تكوين رأي عام عالمي ضاغط يدفع الدول إلى مؤامة تشريعاتها الوطنية بما يكفل تطبيق مبدأ الصلاحية العالمية ومنع توفير أي ملجأ لمرتكبي تلك الانتهاكات والجرائم وضمان محاكمتهم ومعاقبتهم؟لننظر إلى كيف أن ثلة من المحامين والنشطاء في المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية والمركز السوري لحرية الإعلام والتعبير ومجموعة صور قيصر لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد استطاعت بالتعاون مع منظمات أوروبية تُعنى بحقوق الإنسان وشجاعة المدعين الأبطال في الإدلاء بشهادتهم أن تفتح طريقاً كانت مغلقة أمام ملاحقة من أجرم بحق الشعب السوري، فخلال ثلاث سنوات من العمل الدؤوب والمضني نجحت هذه المجموعة من إقامة سبعة قضايا في ألمانيا والنمسا والسويد والنرويج وفرنسا ضد مسؤولين عن التعذيب في سجون ومعتقلات الأسد، وصدر في بعضها مذكرات توقيف بحق عدد من المسؤولين الأمنيين وفي مقدمهم اللواء علي مملوك رئيس مكتب الأمن الوطني واللواء جميل حسن المدير السابق لإدارة المخابرات الجوية.وكانت ستكون النتائج أكبر بكثير مما حققه هؤلاء المحامين والنشطاء السوريين على أهمية ما حققوه، فيما لو خرج السوريون من هذه السلبية التي تلفّ معظمهم وتخلوا عن الفردية الارتجال في سلوكهم وانتظموا في عمل جماعي منظم وواعٍ، عندها سيكون صوتهم مسموعاً ومؤثراً خصوصاً في الدول التي يتواجدون فيها اليوم..لا يجب أن نقلل من أهمية هذه الخطوة ومدى تأثيرها على مسار الحل ومستقبل سوريا، فهي من جهة ستقلّص من الملاذات الآمنة التي يفكر المجرمون باللجوء إليها، ومن جهة أخرى ستؤكد انه لا مفرّ من محاسبتهم ومعاقبتهم مهما طال الزمن.. كما أن مجرد إدراج أسماء هؤلاء المجرمين كمتهمين بارتكاب جرائم تعذيب وحرب وإبادة وضد الإنسانية سيحول دون أن يكون لهم أي دور في مستقبل سوريا، وفوق ذلك ستعطي جرعة أمل مهمة للضحايا وذويهم بألا يفقدوا الأمل في تحقيق العدالة طالما أن هناك سوريون يواصلون جهودهم في سبيل ملاحقة المجرمين ومحاكمتهم وإبقاء باب العدالة مفتوحاً.لن يساعدنا أحد في العالم، ما لم نساعد بعضنا.

بروكار برس

اترك رد