معركة مصير في إدلب ومحيطها: المعارضة تسعى لاستعادة المبادرة

تحاول فصائل المعارضة السورية و”هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) استعادة زمام المبادرة في الشمال الغربي من سورية، بعد تراجعٍ كبير شهدته خلال شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، أمام قوات النظام التي أحرزت تقدماً، خصوصاً بسبب القصف الكثيف الذي نفذه الطيران الحربي الروسي. وشرعت هذه الفصائل في عملٍ عسكري واسع النطاق، بعدما وضعت قسماً كبيراً من ثقلها العسكري في معركة تبدو “مصيرية”، يريدها النظام والروس نهاية لها، في حين تؤكد هي أنها قادرة على الصمود في محافظة إدلب، معقلها الأبرز في البلاد.

وبدأت الفصائل العسكرية التابعة للمعارضة السورية، أمس الخميس، هجوماً مضاداً على قوات النظام ومليشيات تساندها في ريف إدلب الجنوبي، في محاولةٍ لاستعادة مواقع خسرتها خلال الأيام الأخيرة من العام 2019، في هذا الريف والريف الشرقي من إدلب. وفيما لم تتضح بعد أبعاد الهجوم، من الواضح أن الفصائل تحاول استغلال الأحوال الجوية لصالحها، خصوصاً مع تراجع نشاط الطيران الروسي، في ظلّ المنخفض الجوي الذي بدأ أمس في الشمال الغربي من سورية. وقالت “الجبهة الوطنية للتحرير”، أكبر ائتلاف لفصائل المعارضة في المنطقة، إن الهجوم بدأ على محور ريف معرة النعمان الشرقي، جنوب إدلب، وتسبب حتى عصر أمس في سقوط قتلى وجرحى في صفوف قوات النظام.

ودارت اشتباكات عنيفة على محور بلدة تلمنس بريف إدلب، من دون تغيير على خارطة السيطرة في المنطقة، فيما قصفت قوات النظام بالمدفعية والرشاشات الثقيلة كلا من الدير الشرقي والدير الغربي وتلمنس وتقانة في ريف إدلب الجنوبي الشرقي. كما قصفت بالصواريخ العنقودية محيط بلدتي مرعند والناجية غرب إدلب، ما أدى إلى إصابة طفلين ورجل، وكذلك بلدة زيزون ومحطة الكهرباء وقرية العنكاوي بسهل الغاب، في ريف حماة الشمالي الغربي. وذكرت مصادر محلية لـ”العربي الجديد”، أن قوات النظام انسحبت من أطراف بلدة التح، بعدما جرى استهدافها بسيارتين مفخختين من قبل “هيئة تحرير الشام”. وأكدت المصادر أن الفصائل العسكرية استولت على ناقلة جند “بي أم بي” ودبابة خلال الاشتباكات مع قوات النظام جنوبي محافظة إدلب.

في غضون ذلك، أعلنت “سرايا المقاومة في حمص”، أمس الخميس، قطع الطريق الدولية التي تربط حمص بحماة عند منطقة الرستن، مشيرة إلى أنها استهدفت رتلاً يضم مسلحين تابعين لإيران كانوا متوجهين إلى محافظة إدلب، مؤكدة أنها أوقعت “خسائر فادحة” في صفوف الرتل.

وكانت مصادر فصائل المعارضة أكدت وصول أكثر من 1500 مقاتل خلال الأيام القليلة الماضية من ريف حلب الشمالي إلى نقاط التماس مع قوات النظام في محافظة إدلب، عقب اتفاق مع “هيئة تحرير الشام” المسيطرة على المحافظة. ودفعت فصائل المعارضة بآلاف المقاتلين إلى جبهات القتال في إدلب، حيث تقاتل فصائل “الجبهة الوطنية للتحرير”، وهي أكبر تجمع لفصائل الشمال الغربي من سورية، إضافة إلى مقاتلين من “الجيش الوطني” الذي يتخذ من ريف حلب الشمالي مقراً له، دخلوا منذ أيام إلى نقاط التماس مع قوات النظام في ريف إدلب. وتملك فصائل المعارضة السورية عشرات آلاف المقاتلين الذين اكتسبوا خبرة واسعة في قتال قوات النظام والمليشيات على مدى أكثر من ثماني سنوات. كما ينضوي تحت لواء “هيئة تحرير الشام” آلاف المقاتلين المدربين، فضلاً عن كونها تملك، وفق مصادر مطلعة، أكثر من 70 دبابة من المتوقع أن تزج ببعضها في القتال، كون المعركة مصيرية.

من جهتها، تضع قوات النظام ثقلها في المعركة، إذ زجت بقوات من الفرقتين “الرابعة والسادسة”، إضافة إلى مليشيات عراقية، ومقاتلين من “الدفاع المحلي” التابع للحرس الثوري الإيراني، ولواء “النبي الأكرم” الذي يضم عراقيين، ومليشيا “الكميت” ومليشيا “الغيث”، وفوج العقيد غيث دلا، التابعين للفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد، شقيق رئيس النظام بشار الأسد، والتي تأتي في مقدمة المليشيات التي فتكت بالسوريين منذ بدء الثورة عام 2011. كما تشارك في القتال مجموعات من قوات العميد سهيل الحسن، الملقب من قبل أنصاره بـ”النمر”.

وبحسب مصادر محلية تحدثت لـ”العربي الجديد”، فإن مليشيات إيرانية تتمركز في منطقة أبو الظهور في ريف إدلب الشرقي، وسيطرت أخيراً على قرية أبو جريف شرقي إدلب. وأكدت المصادر أن هناك تنسيقاً بين الروس والإيرانيين، مشيرة إلى وجود غرفة عمليات مشتركة داخل مطار أبو الظهور العسكري، وإلى اعتراض المراصد التابعة للفصائل الكثير من المكالمات بينهم، ما يؤكد هذا التنسيق.

وذكرت مصادر مطلعة على الوجود الإيراني في سورية، لـ”العربي الجديد”، أن الإيرانيين يملكون نحو 34 نقطة عسكرية في محيط محافظة إدلب، في أرياف حماة وإدلب وريف حلب الجنوبي، وفي قريتي نبل والزهراء في ريف حلب الشمالي، مشيرة إلى أنهم لم ينخرطوا فعلياً في معركة إدلب. وأشارت إلى أن النظام يعتمد على مليشيات محلية من صنيعته، دافعها للقتال تعفيش المناطق التي تسيطر عليها.

من جهته، قال القيادي في الجيش السوري الحر، مصطفى سيجري، في حديث مع “العربي الجديد”، إن مجموعات مرتبطة بإيران يقع على عاتقها القيام بالأعمال الميدانية في معركة إدلب، إضافة إلى مجموعات تتبع للفرقة الرابعة، مشيراً إلى أن غرفة العمليات تجمع ضباطاً روسيين وإيرانيين، إضافة إلى قادة المليشيات المحلية. أما القيادي في الجيش الحر العميد فاتح حسون، فقال لـ”العربي الجديد”، إنه “وفق معلوماتنا، وصل عدد عناصر المليشيات الإيرانية التي تتجمع قرب إدلب إلى حوالي ثلاثة آلاف عنصر”.

وكانت قوات النظام ومليشيات تساندها قد سيطرت خلال الشهر الأخير من العام الماضي على أكثر من 40 بلدة وقرية وموقع، أبرزها: جرجناز، فروان، الحراكي، أبومكي، القراطي، المعيصرونة، التح، تحتايا، بابولين، كفرباسين، الصالحية، معراته، الصقيعة، كرسنتي، البرج، السرج، أبو شرجي، الهلبة، أم جلال، الكتيبة المهجور، تل دم، أم تينة، أم توينة، شعرة العجايز، الصيادي، الربيعة، البريصة، سحال، الفرجة، تل الشيح، أبو حبة، قطرة، ضهرة بيت أيوب، الرفة، وحران. كما حاصرت القوات نفسها نقطة المراقبة التركية الثامنة المتمركزة في بلدة الصرمان، والتي بات مصيرها كمصير نقطة المراقبة التركية في مدينة مورك بريف حماة الشمالي.

وينشر الجيش التركي 12 نقطة مراقبة في محيط محافظة إدلب شمال غربي البلاد، تتوزع في أرياف حلب وإدلب وحماة واللاذقية، لمراقبة اتفاق وقف إطلاق النار وفق تفاهمات أستانة بين الثلاثي الضامن، تركيا، روسيا وإيران. وتضع قوات النظام عينها على مدينتي معرة النعمان في ريف إدلب الجنوبي، ومدينة سراقب في ريفها الشرقي، إضافة إلى استعادة السيطرة كاملة على ريفي حلب الجنوبي والغربي.

سياسياً، طلبت بريطانيا من مجلس الأمن عقد جلسة لمناقشة التصعيد العسكري في محافظة إدلب شمالي سورية، بحسب وسائل إعلام، أشارت إلى أن الولايات المتحدة أيدت الطلب، في حين وافقت فيتنام التي تترأس مجلس الأمن عليه، موضحة أن موعد الجلسة لم يتحدد بعد، مع ترجيح أن تنعقد خلال الأسبوع الحالي أو بعده.

العربي الجديد

اترك رد