أسئلة بخصوص مقتل سليماني..

راتب شعبو

يشير تسلسل الأحداث السابقة لاغتيال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، إلى أن استهدافه جاء ضمن سلسلة أفعال وردود فعل انتقامية طرفاها إيران وأميريكا: مقتل مقاول أميريكي في هجوم نفذته قوات الحشد الشعبي (ذات الولاء الإيراني) على قواعد عراقية في كركوك تستضيف قوات أميريكية، يليه قصف نفذته أميركيا ضد مواقع للحشد الشعبي في محيط بلدة القائم قرب الحدود العراقية السورية انتقاماً، ثم الهجوم على السفارة الأميريكية في بغداد من قبل “أنصار” الحشد الشعبي رداً على القصف، تلا ذلك اغتيال سليماني بطائرات أميريكية مسيرة.

محرك التسلسل السابق للأحداث الانتقامية هو صراع ايراني اميريكي متصاعد منذ أن انسحبت أميريكا من الاتفاق النووي بين ايران والقوى الدولية، وعودة الولايات المتحدة إلى فرض العقوبات وتشديدها على إيران. والضحية الأولى المرشحة لهذا التسلسل الانتقامي هو الحراك الشعبي في العراق الذي يريد استعادة ذاته وسيادته.

فيلق القدس الذي يقوده سليماني، هو وحدات قتالية خاصة مسؤولة عن الأنشطة والعمليات الاستخباراتية وغير التقليدية خارج الحدود، وهو يدعم تشكيلات عسكرية غير دولتية (non state actors) في دول المنطقة (أفغانستان والعراق وسورية ولبنان وفلسطين واليمن)، وفق توجيهات القائد الأعلى علي خامنئي المسؤول المباشر عن الفيلق. على هذا كان قاسم سليماني هو الذراع أو القوة التنفيذية للسياسة الإيرانية التوسعية والهيمنية في المنطقة، السياسة التي تقوم على إنشاء كيانات عسكرية موازية للجيش ومستقلة عنه. كان لسليماني حضور في كل الساحات المذكورة، وقد صنفه أحد قادة جهاز المخابرات المركزية الأميريكية بعد 2013، بأنه الرجل الأقوى في الشرق الأوسط.

وفيما يخص دوره وحضوره في سورية، يقال إن سليماني شارك في وضع استراتيجية نظام الأسد في المواجهة الوحشية للثورة السورية منذ اندلاعها في آذار 2011. ويقال أيضاً إنه هو من فاوض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإقناعه بالتدخل المباشر في سورية، وهو من قاد ميدانياً معركة إعادة السيطرة على شرقي حلب أواخر العام 2016. ليس من المفاجئ بالتالي أن يولد مقتله الفرح وشفاء الغليل لدى نسبة كبيرة من السوريين الذين تعرضوا لبطش النظام (ومن ضمنه بطش القوى الطائفية التابعة لسليماني) على مدى السنوات التسع الماضية.

لكن ما ينبغي التفكير فيه، بعد الارتياح أو الفرح العفوي لمقتل مجرم مسؤول عن موت وعذابات مئات آلاف السوريين، هو ماذا يعني مقتل الرجل بالنسبة لقضية الشعب السوري؟ ماذا نجني من مقتل سليماني بصواريخ أميريكية لم يحركها مقتل وتشريد آلاف العائلات في إدلب اليوم؟ الصراع الذي مات فيه سليماني هو صراع آخر غير الصراع الذي يخوضه السوريون، هو صراع أكبر وأشمل ولا حضور فيه لحقوق السوريين وأحلامهم.

من طبيعة الصراع الأكبر أنه يستتبع الصراع الأصغر ويهمش قضيته. فعل هذا القانون فعله في سياق الثورة السورية والصراع الحربي الذي تلاها، وكان من نتيجة الاستتباع المذكور، أن تهمشت مضامين الثورة ومقاصدها الأولى، وتحولت قوى الثورة إلى عناصر في الصراع الأكبر مبتعدة عن أهدافها الأولى، ما جعلها تفقد قيمتها الثورية. ومع اندراج الصراع السوري الداخلي أكثر فأكثر في إطار صراع إقليمي وعالمي، هو صراع سيطرة واقتسام نفوذ بين دول، راحت أنظار نخبة وجمهور الثورة، تنشد إلى مجريات ومعطيات الصراع بين القوى المنخرطة في الشأن السوري على أمل أن تنعكس هذه المجريات، بطريقة ما، خيراً على صراعهم المباشر مع نظام الأسد.

في نوفمبر 2015، فرح السوريون المقهورون، وشعروا بشيء من النصر، عندما أسقطت تركيا طائرة السوخوي 24 الروسية، وكانت النتيجة أن تركيا دخلت مع روسيا بعد ذلك، في مسار تصفية القضية التي خرج لها السوريون، عن طريق الاقتسام السياسي والعسكري للصراع السوري. كما لم ينتج عن الضربات الاسرائيلية المتكررة لمواقع عسكرية سورية، والتي قابلها كثير من السوريين بلا مبالاة أو حتى بارتياح، تحسين في شروط انتصار الثورة، بل أضافت بالأحرى إلى مأساتهم التي أنزلها بهم نظام الأسد، مشاعر الهوان الوطني العام. واليوم من غير المرجح أن يقود مقتل سليماني إلى نتيجة مغايرة، فقد يؤدي إلى أفعال انتقام إضافية متبادلة تكون سورية أو العراق ساحتها ويدفع الشعبين ضريبتها، أو قد يكون مقتله عنصراً في صفقة ايرانية اميركية على حساب الشعب السوري أو العراقي. وفي كل حال، جاء سريعاً “سليماني” جديد، اسمه “اسماعيل قاآني”، ليتابع السياسة الإيرانية نفسها التي لا تريد أميريكا، في الواقع، سوى تشذيبها من حين لآخر.

كلما علا صوت الصراع الأكبر، كلما ضاع الصراع الأصغر في ثناياه وتهمشت أكثر مضامينه. ويكون الصراع صغيراً بقدر ما يفتقد لقواه الذاتية ولعوامل الاستقلال والندية في علاقته بالخارج. هكذا يبدو فرح السوريين بمقتل سليماني فرح حزين ومحزن.

بركار برس

اترك رد