رسائل في العقد الاجتماعي(5) – إشكالية العلاقة بين الأكثرية والأقلية (نشأةً وتاريخاً ومعاصرةً)

أحمد الرمح

عند الحديث في هذا الموضوع الشائك في شرقنا البائس لا بد من التنويه بدايةً لمسألتين تتعلقان بموضوع البحث:

الأولى: المعاصرة: وهي قدرة المنهج العقلي المتحكم بثقافتنا وسلوكنا على امتلاك المرونة اللازمة للتعايش كبشر مع متطلبات المجتمع المعاصر في دولة المواطنة.([1])

الثانية: (إشكالية العلاقة بين الأكثرية والأقلية) سنرى لدى البحث في صيرورة الوعي المجتمعي وسيرورته التبدلات والتطورات التي تحدث على شكل الدولة من عصر لآخر. وهذا يعني أن لكل عصر شروطَه وظروفَه الذاتية والموضوعية التي تنتج ثقافةً وسلوكاً في هذا الأمر.

وأما محاور البحث فهي:

  • تطور شكل الدولة وأثره في الوعي لحل الإشكالية؟
  • تاريخية الإشكالية وشروط صيرورتها.
  • نقد المفهوم في الإمبراطورية الإسلامية..!
  • نقد المفهوم في الإمبراطورية الإسلامية من خلال جهاد الفتوحات..!
  • مصيبة عدم الوعي..!
  • الولاء والبراء من الاستبداد عند الأقليات في الربيع العربي (سورية نموذجاً)
  • حلول ومقترحات للخروج من إشكالية الأكثرية والأقلية.

المدخل

من جهة المعاصرة فإن مفهوم الأكثرية والأقلية يدخل في باب العلوم الإنسانية كعلم الثقافة والاجتماع والسياسة وعلم الأعراق(الإتنوبيولوجيا) رغم أن دولة المواطنة الحديثة قد تجاوزت إشكالية الأكثرية والأقلية بمفهومها التاريخي ذي البعد العددي، لكن المفهوم بقي حاضراً في شرقنا البائس بمعناه التاريخي القائم على العددية؛ ليتصدر كل دورة يُعاد فيها تشكيل المجتمع ثقافياً وسياسياً واجتماعياً.([2]) فالحداثة وعلم الاجتماع السياسي لا يقبلان مصطلح الأكثرية والأقلية بمعناه التاريخي، وإنما يفرضه نمط الوعي والسلوك الاجتماعي وتطوره.

إن الإشكالية الناتجة عن مجتمع الدولة/الإمبراطورية لهذا المصطلح بقيت حاضرةً في شرقنا الحزين بشدة معتمدةً في تعريفها واستحقاقاتها على الكم العددي لكل طرف؛ لكن في مفهوم دولة المواطنة الحداثية يتهافت الفهم الإمبراطوري للمصطلح من خلال أكثرية وأقلية جديدة تولدت بالوعي السياسي والثقافي والاجتماعي تتمثل بالأكثرية السياسية من جهة والأكثرية القانونية من جهة أخرى.

فالأكثرية السياسية تكون في السلطة لتقود المجتمع والدولة من خلال برامج جعلت المجتمع الانتخابي يختارها لتنفيذ تلك البرامج، وكل معارض لها يكون من الأقلية، ولا تدخل الانتماءات الإثنية والطائفية وحتى الدينية في المفهوم المعاصر للمصطلح بحسب قوانين علم الاجتماع السياسي.

وأما الأكثرية القانونية فهي المتوافقة والموافقة على عقد اجتماعي مُتَضَمن في الدستور ومواده القانونية؛ حتى إن وُجِدَ من يخالفه أو لم يقبل به، ولكن الجميع ينصاعون لهذا العقد لا يخرقونه لا في الأوضاع الطبيعية ولا حتى الاستثنائية، ليسير المجتمع والدولة نحو التنمية والتقدم بخطوات ثابتة، والأمثلة على ذلك في المجتمعات كثيرة مثل الحالة الكاتلونية بإسبانيا أو حالة الجاليات الإسلامية في ألمانيا وغيرها، وهناك أمثلة أخرى كثيرة.

تطور شكل الدولة وأثره في الوعي لحل الإشكالية؟

علم الاجتماع السياسي المعاصر يرى في دراسته لهذه الإشكالية المعقدة أنها متبدلة ومتغيرة بحسب تبدل الصيروري والسيروري لشكل الدولة كما أسلفنا. فالدولة عند فلاسفة السياسة مرت بأربعة أطوار:

الدولة الإمبراطورية: كان المصطلح الذي نحن بصدده إشكالياً على نحو حاد لجهة نتائجه؛ إذ من الصعب أن تحصل الأقلية الدينية أو العرقية على حقوقها في النمط الإمبراطوري، وكان دين الإمبراطور وعِرقه يحددان الأقلية والأكثرية؛ وهكذا تُسلَبَ الأقلية جلَّ حقوقها.

ولما جاءت الدولة القومية: اعتُمِد فيها التقييم الاصطلاحي للأكثرية والأقلية في تلك الدولة على التصنيف العرقي الإتنولوجي الغالب فيها.

بعد الحربين العالميتين جاءت الدولة الوطنية: في محاولة عالمية للتخفيف من النتائج السلبية للدولة الإمبراطورية والقومية التي أنتجت كارثة الحربين العالميتين وذهب ضحيتها ملايين الأبرياء، فاعتمدت في التصنيف المجتمعي على مواطنيها القاطنين ضمن الحدود الجغرافية والعقد الاجتماعي الذي يخضعون له ويتوافقون عليه.

وأخيراً كانت دولة المواطنة التي ضمنت حقوق المواطنين جميعاً بغض النظر عن التقسيمات العرقية أو الدينية أو المذهبية فاستطاع من خلالها أي مواطن أو جماعة سياسية أو غير ذلك أن تصل إلى أعلى مستويات القرار الوطني.

لكن المفهوم بقي ناقصاً ومنتقصاً لحقوق الإنسان المقيم في الإقليم لأسباب عرقية أو دينية أو طائفية؛ فلم يسمح لتلك الأقليات بأن تصل إلى السلطة أو تنال حقوقها كاملة كما هو الحال في الولايات المتحدة سابقاً وإيران حالياً وغيرهما من الدول.

 تاريخية الإشكالية وشروط صيرورتها

جاءت دولة المواطنة الحداثية في العقود الأخيرة لتجعل من شرعة حقوق الإنسان وثقافة المواطنة المعيار في التقييم والحقوق؛ وليس الكم العددي العرقي أو الإثني أو الطائفي أو الديني باستثناء شرقنا البائس الذي لم يدخل الحداثة ورفض شروط المعاصرة لأسباب دينية أو عرقية أو طائفية.

حتى وجدنا في أوروبا نتيجة تطور الوعي لهذا المفهوم وصول شخصيات لسدة الحكم في بلدانهم رغم أنهم ليسوا من أبنائها الأصليين؛ كالنمسا في رئيسها الحالي؛ وفرنسا ساركوزي وأميركا أوباما وترامب؛ ووصول رجل ملون إلى البيت الأبيض ليس من مواليد أمريكا في سابقة أكدت على مفاهيم المواطنة وثقافتها دون إشكال لوثة الأكثرية والأقلية.([3])

ماذا يعني هذا؟

يعني أنَّ العلاقة متبدلة ومتغيِّرة؛ والأهم أنها متطورة باتجاه إنساني حقوقي، فالدولة الإمبراطورية كانت ذات تصنيف حاد للأكثرية والأقلية تصنيفاً غير إنساني معتمدة على العرق والدين كما في إمبراطوريتي كسرى، وقيصر ولدى دولة الخلافة الإسلامية، فالأكثرية ممن هم على دين ملكها؛ ومن لم يكن على دين الملك يكون منقوص الحقوق بشكل سافر.

وعندما آلت الخلافة الإسلامية إلى العثمانيين؛ واجهتهم معضلة نصية؛ إذ إنهم حققوا شرط الدين، ولكنهم لم يحققوا شرط العرق؛ فانبرى فقهاء السلطان كعادتهم لحلِّ تلك المعضلة؛ ليطلقوا على الخليفة لقب السلطان؛ مع الاحتفاظ بلقب الخليفة بروتوكولياً دون تفعيل؛ إذ إن النص المنسوب للنبي الكريم: الأئمة من قريش. الذي عرَّب الزعامة إسلامياً؛ لا يسمح لغير العربي بالخلافة؛ وهذا منطق مخالف لروح القرآن الكريم وخطوطه العريضة (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).([4])

وعند بَدْءِ عمليات تفكك الإمبراطورية حضر فقهاء السلاطين ليحوِّلوا الخلافة إلى إمارة، ويحلوا إشكالية النص المنحول عن لسان الرسول الكريم.([5])

إن العرف العالمي لنظام الإمبراطورية يسمح بهذا التقسيم بحسب الأكثرية والأقلِّية دون اعتراض واضح إلا في بعض الحالات التحررية التي صنفها المؤرخون على أنها حركات تمرد كثورة الزنج أيام العباسيين، وثورة سبارتاكوس أيام الرومان وسواهما.([6])

ولكن هذا العرف عندما نضعه على مسطرة العدل القرآنية لا قيمة له؛ ونجده مخالفاً للحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية التي جاء بها القرآن الكريم في خطوة مبكرة ومتقدمة في مجال حقوق الإنسان؛ لكن العرف الإمبراطوري وعقلية الفقهاء آنذاك أدت إلى تلك الخطوة ليكون العرف الإمبراطوري أقوى من روح القرآن الكريم ومقاصده الإنسانية التحررية للأسف الشديد؛ فلم يعد هناك فرق كبير بين الخلافة الإسلامية وإمبراطورية الأكاسرة أو القيصرية بل تماثل وتماهٍ في الأطر الإمبراطورية.

نقد المفهوم في الإمبراطورية الإسلامية!؟

الإمبراطورية الإسلامية التي كان مسماها الشكلاني خلافة؛ لم تنجُ من الآثار السلبية للعرف الإمبراطوري؛ من خلال انتهاكات صارخة لحقوق الأقليات الدينية وحرمانها حقوقاً شعاراتية ومعاشية؛ الإسلام منها بريء كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب.

لكن طبقة الفقهاء المرتبطة بمصالح السلاطين والخلفاء؛ استطاعت أن تولد، في وقت مبكر ديناً موازياً بعد وفاة صاحب الرسالة؟! لتشرعن انحرافاً عن الخط القرآني الواضح الرافض للعرف الإمبراطوري؛ فتختلق مفهوم أهل الذمة غير الموجود لا في مسمَّاه ولا في تعريفه للمواطن غير المسلم في مقاصد الإسلام إطلاقاً؛ لتجعل المجتمع منقسماً انقساماً عمودياً إلى مسلم وذمي؛ ومسلم عربي وآخر من المَوالي كما البدعة التي سنها الأمويون.([7])ليغدو هذا التقسيم تَدَيّنَاً مقدساً في الدين الموازي الذي أنشأه فقهاء بني أمية والعباس ومن سار على نهجهم.

ولو تتبعنا هذا السلوك الإمبراطوري في انتقاص حقوق الأقليات لما وجدنا لها أثراً أيام الرسالة ولا توجد إشارة لها في صحيفة المدينة القائمة على المساواة والعدالة الاجتماعية وحفظ الحقوق الدينية والمعاشية لكل مكونات مجتمع المدينة؛ لكن الانحراف حدث مبكراً  وكانت بدايته في عهد عثمان عندما انحاز إلى الأسرة الأموية وخضع لابتزاز سيَّد رجالَها!؟ فابتدعوا تديناً خادماً لمصالحها؛ مخالفاً رسالة الإسلام الحقيقية.

في الحديث عن المصطلح تقفز فوراً أمامنا علاقة المسلمين بالمسيحيين؛ دون أن نتحدث عن العلاقة في هذا الشأن بالملونين لأنَّ العرف آنذاك غالباً ما يكون أقوى من الدين. ففي عهد عثمان 32 هـ تم إذلال المهزومين عسكرياً من المسيحيين ووُقِعَت اتفاقية سلام عرفت تاريخياً باسم “اتفاقية القبط” عندما فتح الأخ غير الشقيق لعثمان عبد الله بن أبي السرح (دنقلا) عاصمة مملكة النوبة المسيحية في السودان المصري وتضمنت الاتفاقية بأن يدفعوا كل سنة (360 رأساً) من رقيقهم الشباب إناثاً وذكوراً.

ورغم أن فتح مصر والسودان لم يكن عمر بن الخطاب راضياً عنه إذ جرى بخديعة وتحايل من عمرو بن العاص فقد تأخر عامداً عن مقابلة رسول عمر الذي حمل توصية بعدم دخول مصر إلى أن أنجز  مهمة الفتح بالاتفاق مع معاوية في صفقة سياسية تقوِّي البيت الأموي وسلطته وتمنح امتيازات لرجاله.

ورغم تأويلات الفقهاء والمؤرخين بأن اتفاقية القبط المجحفة إنسانياً والمخالفة لتعاليم الإسلام، كانت بسلوك اجتهادي فردي لابن أبي السرح الذي ارتد فهدر دمه النبيُّ وقت فتح مكة، إلا أنها تأويلات سلطانية لا قيمة لها في مقاصد الإسلام وإنسانيته؛ وكلُّها تأويلات غير مقبولة، من وجهة نظري، كونها أنتجت ظلماً بيِّناً لأهالي مملكة النوبة المسيحيين منتقصة حقوقهم في العدل والحرية التي جاء بهما القرآن الكريم. وسنَّت سُنة سيئة نُسبت إلى الإسلام.([8])

هذه التبريرات غير مقبولة في عهد عمر بن عبد العزيز الرجل الإصلاحي الذي دفع حياته ثمناً من أجل تصحيح المسار السياسي والعدلي الذي أوجدته أسرته الأموية في الإسلام عندما سنَّ على أهل الذمة التزيِّي بزي معين ووضع قواعد لممارسة شعائرهم الدينية. ولمن يريد الاستزادة في هذا الجانب المخالف لجوهر الإسلام ومقاصده؛ فليراجع على سبيل المثال لا الحصر كتاب ابن القيم (أحكام أهل الذمة) ليطلع على نمط معاملة غير المسلمين وتاريخها وانتهاكاتها لروح الإسلام ومقاصده العليا.

وهكذا ازداد هذا الخط انحرافاً مع مجيء العباسيين رغم سماحهم لغير العرب بتولي مناصب مهمة في الإمبراطورية؛ لكن السلوك تجاه غير المسلم بقي منحرفاً حتى العثمانيين، وماتزال رواسب ذلك الانحراف باقية في ذهنية الإسلامويين.

وانتقلت هذه الثقافة إلى الدائرة الإسلامية ذاتها بولادة الطوائف الإسلامية؛ فالتشيُّع السياسي ومطالبته بالسلطة لاقى مظلمةً كبيرة من العباسيين ومن جاء بعدهم؛ ولا يمكن إنكار مظالم الشيعة تاريخياً من السلاطين المحسوبين على السنة. لتبدأ في القرن الثالث الهجري ولادة طوائف أخرى كالنصيرية والدروز وقبلهم الاسماعيلية؛ لتستمر ثقافة الاضطهاد للأقليات، فلم تنجُ الفرق الإسلامية الناشئة في القرن الثالث الهجري من هذا السلوك، ولكن بقي الخط المسيحي هو المعيار في تلك الانتهاكات.

لكن الشيعة استطاعت الانتقام مؤخراً من العرب السنة بعد ولادة الولي الفقيه ومجيء الخميني؛ انتقاماً بشعاً أوقع انشقاقاً في الدائرة الإسلامية؛ لا يمكن رأب صدعه في المدى المنظور؛ وزاد الطين بلة ما أوقعه الإسلام السياسي الشيعي المدعوم إيرانياً في العراق؛ وما لعبه من دور خبيث في دعم الاستبداد في كل من سورية واليمن السعيد الذي بات تعيساً؛ وسيطرتهم على لبنان من خلال ذراعهم حزب الله.([9])

نقد المفهوم في الإمبراطورية الإسلامية من خلال جهاد الفتوحات!؟

أصبح السلوك الإمبراطوري مشرعناً فقهياً رغم مخالفته الصارخة لمقاصد رسالة الإسلام؛ لينتقل من الداخل إلى الخارج ولتأخذ سياسة فتح البلدان الأخرى شكل الجهاد المقدس وتخيير الآخر المفتوح وطنه بالقوة بين الإسلام والجزية أو القتل؟! وتلك سُنة لا دليل عليها في الإسلام؛ إنما هي بدعة فقهية لشرعنة استعمار الآخر؛ لذلك لم أسمِّه يوماً فتحاً. لكنه كان سلوكاً إمبراطورياً سائداً عند كل الإمبراطوريات آنذاك رغم مخالفته لرسالة الإسلام، لنتبع سنن الإمبراطوريات بمنع حق أصحاب البلدان المفتوحة من وضع زعيم لبلدانهم منهم؛ وذلك سلوك استعماري بحسب رأي، لم يقره الإسلام إطلاقاً!؟ إنما فرضه فقهاء السلاطين؛ وكان العامل الاقتصادي، وفائض القوة سبباً في تلك الفتوحات ناهيك عن التخلص من المعارضة السياسية وزجها في أتون تلك الفتوحات، ليولد هذا الانحراف مصطلحات ابتعدت أكثر فأكثر عن خط الإسلام المستقيم فكانت مسميات دار الإسلام ودار الكفر ودار الحرب.

وحتى يُشرعَن هذا السلوك الإمبراطوري الاستعماري دينياً جاء مصطلح النسخ لآيات الدعوة وحرية المعتقد بآيات القتال والجهاد والجزية. وساهم في شرعنة هذا السلوك شعبياً عندما قتل هرقل أمير مَعَان الأردنية لخروجه من المسيحية إلى الإسلام؛ فسنَّ هرقل الروم مرسوماً إمبراطورياً بقتل كل من يُسلم من أهل الشام.([10])

مصيبة عدم الوعي..! 

رغم انتهاء العهد الإمبراطوري عالمياً بنهاية الخلافة العثمانية ومجيء الدولة القومية التي بات المؤمنون بها يقيِّمون أبناء المجتمع عرقياً؛ بقيت رواسب تلك الثقافة التحيّزية غير العادلة قائمة حتى ولادة الدولة الوطنية. وهذا إنْ دل على شيء إنما يدل على عدم الوعي بتغير شكل الدولة ونمطية تعاملها مع مواطنيها؛ لتأتي مفاهيم الحداثة في دولة المواطنة والسلوك الديمقراطي في الصراعات السياسية على السلطة فتخرج إشكالية الأكثرية والأقلية من مفهومها العددي إلى مفهومها السياسي. وبولادة الربيع العربي عادت تلك الإشكالية لتوضع على طاولة الحوار والجدل الحقوقي بشكل صارخ؛ إذ إن الإيمان بضرورة ولادة دولة المواطنة بات سبيلاً للخلاص من مشكلات جمة على رأسها الإشكال الذي نحن بصدد الحديث عنه.

الولاء والبراء من الاستبداد عند الأقليات في الربيع العربي (سوريا أنموذجاً)

جاء الربيع العربي لتفرض أحداثه مفاهيم الحداثة والمواطنة في حوارات أبنائه وليعود طرح الإشكالية بحرية وجرأة أكثر من أي وقت مضى، وخصوصاً في الحالة السورية، وبالتحديد بعد أسلمة الثورة؛ والدعم المالي الخليجي لتيارات الإسلام السياسي؛ التي مازال عفن ثقافة الإمبراطوريات (الخلافة) معششاً في ثقافتها وتمارس سلوكاً ضد مواطنين من غير المسلمين في أماكن سيطرتها ينتمي لحقبة الإمبراطوريات؛ وحتى على المسلمين ممن لا ينتمون إلى مدارسهم العقيدية من متصوفة وأشعرية وشيعة.

ورغم أن بداية الحراك الثوري قسم المجتمع عمودياً إلى طائفتين طائفة تريد الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية؛ وطائفة خائفة ومترددة قبلت بتحسين شروط الاستبداد؛ إلا أن ظاهرة الأسلمة قسمت الشارع الثوري إلى أقسام متعددة ومختلفة ليعود طرح إشكالية الأكثرية والأقلية مجدداً.

وساهمت النخب الثورية بتعميق هذا الجرح المتعفن والمتخلف لدى تشكيل الواجهات السياسية الثورية اعتماداً على مبدأ المحاصصة الطائفية أو القومية، رغم زعم بعضها العلمانية، وتلكم الطامة الكبرى لأن خطأ النخبة بألف.

فإن كان الإسلام السياسي في سوريا قد فشل في تجاوز هذه الإشكالية، فإنَّ فشل العلمانيين الوطنيين بدعواهم إلى مبدأ المواطنة وتكريسهم مبدأ المحاصصة أثبت أن الإشكالية موجودة لا في قواعد المجتمع فقط، بل عند نخبه أيضاً.

فالمجلس الوطني والائتلاف وتوسعة الائتلاف أيضاً.. كل ذلك جاء على أساس المحاصصة الطائفية أو القومية التي تعدُّ شكلاً قبيحاً من أشكال الأكثرية والأقلية، لنتحول ببلاهة ثورية إلى ثقافة المحاصصات اللبنانية والعراقية بدلاً من تأسيس مفاهيم الحداثة للدولة المعاصرة ومتطلباتها.

ذريعة مقبولة؟

ذريعة الأسلمة ومخلفاتها سلوكياً على الآخر؛ دفعت الكثير من المكونات الأخرى لانزياحات خطيرة مبتعدة عن السلوك الثوري لتتشكل في كتلة ذات شقين: الأولى عادت إلى حضن النظام رغم عدم قناعتها به. والثانية بقيت على التزامها الثوري ولكنها فضلت الهجرة خارج الوطن ملتزمة الصمت رغم إيمانها بروح الثورة وعدالتها، وحصر بعضهم نشاطه الثوري بحراكه على مواقع التواصل الاجتماعي؛ دون أن يجرؤ على مخالفة المزاج الإسلامي العام.

 ومارست مكوِّنات بأكملها سياسة النأي بالنفس بذريعة الأسلمة والعسكرة؛ وبقي المكون العلوي بانزياح أكثريته الساحقة للنظام رأس الحربة في سوداوية العرب السنة بعد الثمن الباهظ الذي دفعوه في هذه الثورة بتقييم سلوك الأقليات ثورياً.

وبقي المكوِّن المسيحي رغم أصالته تاريخياً في هذا البلد خائفاً ومتردداً لكون الأمور غير واضحة النتائج؛ وهذا سلوك تمارسه الأقليات في عدة أمكنة أثناء الأزمات؛ ورغم علمانية المكون المسيحي وارتباطه بالكنيسة شكلياً؛ إلا أن سياسة الكنيسة وقرارها كان مطاعاً عند السواد المسيحي؟!.

وإذا كان أنموذج الإدارة الذاتية له استراتيجيته الكردية؛ لكنه خرج عن كرديته على نحو ما بإشراك المكون العربي والمسيحي ضمن مؤسساته وإن كانوا غير فاعلين بالشكل المطلوب؛ لكن التجربة الآثورية السريانية بقيت متقوقعة في جناحيها الحزبيين على أبناء جلدتها فحسب؛ وتلك إشكالية لم أجد لها تبريراً حتى اليوم.

وهذا ما يدفعني للقول إن المكونات الأخرى بذرائع مختلفة؛ ترددت وانحاز سوادها عن الخط الثوري بمبررات مقبولة؛ ولكنها غير مقنعة ولا تنتمي لمفاهيم المواطنة والواقعية.

حلول ومقترحات للخروج من إشكالية الأكثرية والأقلية

بعد هذا العرض لنشأة إشكالية الأكثرية والأقلية وتاريخيتها ومعاصرتها نطرح حلولاً للخروج من هذا النفق المتخلف علَّنا ندخل يوماً ما نسق الحضارة العالمي ونبني وطناً؛ المواطنة معياره؛ والكفاءة محفزاته؛ والوعي أساسه.

من هذه الحلول:

  1. لا للتكفير ولا للتخوين: فلا يُكفَّر سوري على أساس معتقده ولا يُخَوَّن سياسي لرأيه.
  2. أبناء الوطن كلهم متساوون في الحقوق والواجبات؛ فلا يحق لجماعة أو طائفة أو حزب الاستفراد بالقرار الوطني تحت أية ذريعة كانت.
  3. سوريا وطن لكل مواطنيها فلا يحق لأحد تقسيمه على أساس ديني أو طائفي أو قومي لأي سبب كان.
  4. حماية المواطنين وأملاكهم ومقدساتهم على مختلف طوائفهم وانتماءاتهم أمانة في أعناقنا جميعاً؛ وهذه ثقافة السوريين عبر تاريخهم.
  5. الدم السوري على السوري حرام.
  6. حرية التفكير والتعبير والإبداع مكفولة لكل المواطنين ضمن الضوابط الأخلاقية والاجتماعية التي تحترم مشاعر الآخرين ومقدساتهم.

فلنبنِ الجمهورية السورية الثالثة بعقد اجتماعي يحترم كل مواطنيها، ويساوي بينهم دستور عصري يأخذ بالحسبان إنشاء مؤسسات المجتمع المدني الكفيلة بإنهاء ثقافة الأكثرية والأقلية بمفهومها التاريخي.

ولنعمل جميعاً على تأسيس اللاهوت التحريري الذي يُنهي الاحتراب السوري/السوري؛ ويخلصنا من الاستبداد بكل أشكاله؛ ولنؤمن بثقافة النقاط البيضاء التي بالتأكيد موجودة في كل مكون سوري صغيراً كان أم كبيراً.

المراجع:

[1] ـ التعريف للمنهج هنا لنا.[2] ـ وقعت من خلال الحوارات المختلفة المباشرة منها وما هي على مواقع التواصل الاجتماعي جليات كثيرة حول المفهوم ما بين التاريخانية والمعاصرة.[3] ـ رئيس النمسا الحالي من أصول برجوازية روسية وساركوزي الرئيس الفرنسي الأسبق قيل بأنه من أصول بولونية وأما أوباما فهو من أصول أفريقية وترامب ألماني الأصل؛ كذلك تقلد مسلم منصب عمدة لندن وامراة مغاربية وزارة في الحكومة الفرنسية الأخيرة.[4] ـ استطاع الفقهاء بهذه الحيلة الفقهية الخروج من النص المنسوب للنبي الكريم بأن الخلفاء أو الأمة من قريش وإنني أعتقد أن هذا النص ليس صحيحاً بنسبه للرسول الكريم لأنه مخالف للخط العام للقرآن الكريم، وبقي يُقال عن الخليفة العثماني سلطان وأما خليفة فهي في أدبيات الشارع الشعبي فقط؛ حتى أن أتاتورك لما بدأ حراكه السياسي طرح إسقاط حق السلطان سياسياً بقيادة تركيا وبقاء منصف الخليفة بروتوكوليا؛ ولما كان التعنت من قبل أنصار السلطان خلعه بشكل نهائي وأعلن نهاية الخلافة وإقامة الجمهورية التركية بعيداً عن محيطها في القرار السياسي والوطني.[5] ـ كان ذلك بالانقسامات بين دول الخلافة فأطلقوا مسمى الأمير أو السلطان أو الشيخ على تلك الدول الناشئة غير الخاضعة لدولة الخلافة العثمانية أثناء وجودها؛ حتى دولة طالبان أطلقت على الملا عمر أميراً لكون يتزعم حيزاً جغرافياً محدداً ولا سلطان له على بقية الأمصار الإسلامية إلا من بايعه وجاء إلى إمارته. تفصيل ذلك من بحثنا وهم الخلافة.[6] ـ نحن نرى هذه الموصوفة بالتمردات على سلطة النظم آنذاك حركات تحرر حقوقية لا سياسية أرادت تحقيق شيئا من العدالة الإنسانية.[7] ـ وهنا أيضاً يمكن الإشارة إلى التشكيلات الاقتصادية الإقطاعية التي مرت على البشرية قاطبة بحسب ماركس.[8] ـ راجع قصة ابن أبي السرح في كتب التراجم والتاريخ الكثيرة.[9] ـ نرى أن دولة الولي الفقيه تلعب سياسياً على وتر المظلومية التاريخية التي لاقاها الشيعة ولكن المشروع الخميني يستبطن بعداً فارسياً كارهاً للعرب والعروبة ومستغلاً الشيعة العرب كمخالب له ضمن الدول والمجتمعات العربية السنية حتى أوجد فتنة خطيرة بين السنة والشيعة.[10] ـ راجع تلك القصة في بطون كتب التاريخ.هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.

اترك رد