وساطة كردية مرتقبة؟

شورش درويش

ثمّة ما يشبه الثوابت في سياسة كرد العراق، لعل أبرزها عدم الاصطفاف في أي حرب عراقية أو أميركية ضد إيران، فالوشائج السياسية التي شُيدت في أثناء حرب الخليج الأولى (1980-1988) طبعت هذه السياسة، وإن كانت العلاقة الكردية الإيرانية قد مرّت بحلقة تبادل المنافع زمن الشاه محمد رضا بهلوي، وإن تردّت في أعقاب اتفاقية الجزائر عام 1975 بين الشاه ونظام أحمد حسن البكر، والتي أفضت إلى قطع المدد الإيراني الفعّال عن “الثورة” الكردية، وبالتالي أفول شمسها على عجل. ومع نجاح الثورة الإيرانية، تنامت العلاقة الكردية العراقية في الجمهورية الإسلامية الوليدة مجدّداً. مع الاحتلال الأميركي للعراق، أرسى إقليم كردستان العراق شكلاً لشراكة متوازنة بين الولايات المتحدة وغريمها الإيراني ولعل تعليق الرئيس العراقي الراحل جلال الطالباني يشي بالمراد توضيحه هنا، حين أفصح بالقول: “في إيران يصفونني صديق الأميركان، في حين أن واشنطن تصفني صديق طهران”، وإن عكست هذه العبارة المقتضبة السَّير الكردي على الحبل المشدود بين حكّام العراق الجدد (إيران وأميركا)، بيد أن الوقائع اللاحقة أثبتت واقعيةً كرديةً إزاء ما يمكن وصفها بعدمية سياسية طبعت سياسة العرب السنة في مواجهتها القوتين النافذتين في عراق ما بعد صدّام حسين، أو السياسة الشيعية الموالية لإيران على حساب الوطنية العراقية والحفاظ على الحدود الدنيا للسيادة والاستقلال.
في الأثناء، تستمر مضاعفات مقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، على الساحة العراقية، على الرغم من أن حالة السلام المديدة والابتعاد عن المواجهة المباشرة شارفت على نهايتها، ولكن الوضع العراقي المعقّد يتطلّب نزع فتيل الأزمة المقبلة، وتلافي نتائجها المدمّرة على العراق، حال تحوّله ساحة حرب مفتوحة لحروب الآخرين، كما أن حدّة الاستقطاب المحتملة قد تفضي إلى مزيدٍ من تردّي العملية السياسية المعطّلة بفعل حركة الاحتجاجات الشعبية وتعنّت “الطبقة السياسية”، ومن المحتّم أن الأزمة الأميركية الإيرانية قد تلقي ظلالا ثقيلة على كامل العراق، بما في ذلك إقليم كردستان العراق الذي يبدو متخوّفاً، لعدة اعتبارات، منها إمكانية استعادة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) شيئا من عافيته، وصعوبة الاصطفاف مع إيران أو الولايات المتحدة، على ما يمثّله اصطفاف كهذا من مغامرة ونقل للمواجهة إلى داخل الإقليم الذي يُؤْثر النأي بالنفس عن مثل صراعات مدمّرة كهذه، علاوةً على عدم جلاء الصورة العامة في العراق الرسمي الذي ينوس بين الوقوف مع إيران في مواجهتها الحالية وما يمكن أن يتحقّق بفعل لجوء واشنطن إلى خيار المواجهة المفتوحة على كل الاحتمالات.

“لن تتخلى إيران، مع سليماني، بما هو أسطورة إيرانية محدّثة، أو من دونه، عن الملعب العراقي وأرضه الخصب”

وبعيداً عن المواقف العاطفية المنقسمة حول مقتل رجل إيران النشط والمتنقّل بين الجبهات المشتعلة، ثمّة شخصان، كان أولهما قاسم سليماني الداعم للكرد في مواجهة “داعش” بُعيد سيطرة هذا التنظيم الإرهابي على الموصل، فقد ساهم في عمليات مدّ البشمركة بالسلاح، لتكون إيران أوّل من قدّم يد العون في تلك الظروف الحرجة، فيما كان الآخر هو قاسم سليماني الذي ساهم في السيطرة على كركوك، وإخراجها من يد الكرد لصالح إيران ومليشيا الحشد الشعبي، ولكنه أيضاً أبطل الحرب الكردية العراقية، وفق نسق براغماتي غير متصلّب بالضد من الحرب المفتوحة ضد الإقليم الكردي.
والحال هذه، لن تتخلى إيران، مع قاسم سليماني، بما هو أسطورة إيرانية محدّثة، أو من دونه، عن الملعب العراقي وأرضه الخصبة التي تمثّل حجر الأثافي في مشروع ولاية الفقيه التوسّعي. وبالتالي، ينطوي حسم الأمور لصالح هزيمة إيرانية ماحقة في العراق على تسرّع، في حين أن تصوّر إمكانية استرداد الولايات المتحدة السيطرة على كامل العراق لا يقلّ تسرّعاً عن التصوّر الأول. وبالتالي، إن مدى المواجهات المقبلة وحدودها لا يمكن التنبؤ به، وهذا ما يفرض على ساسة إقليم كردستان بذل المساعي لأجل ألّا تصل تأثيرات حالة الاحتقان إلى أربيل. ولعل الخيار الأمثل لكرد العراق، في هذا المجال، هو المحافظة على النهج الذي أرسى دعائمه الزعيمان الكرديان، جلال الطالباني ومسعود البارزاني، النأي بالنفس عن حروبٍ طاحنةٍ محتملة، ومواجهات مفتوحة بين قوّتين تمتلكان كل مقوّمات التدمير وإلحاق الأذى ببعضهما.
والأهم أنه يمكن استشفاف شيءٍ من روح المراحل التي قاد فيها إقليم كردستان مهمّة تخفيض حدّة التوتر، ونقل الرسائل الإيجابية بين طهران وواشنطن، والوصول إلى تسوياتٍ غير معلنة بين الطرفين، وإنْ كانت هذه مهمّة شاقة للجيل الثاني من قيادات الإقليم، فوق أن العراق لن يكون هو ذاته العراق قبل حادثتي تطويق السفارة الأميركية ومقتل سليماني. وفي مطلق الأحوال، ليس أمام كردستان العراق مسار ثالث ما بين الانخراط في مواجهة مقبلة، أو الجنوح نحو فرض التهدئة وإبرام صفقات تسوية جديدة. والخيار الثاني هو الأمثل والأكثر انسجاماً مع سياسة الإقليم ومصالحه وكذا مصالح العراق. يأتي توقّع الوساطة الكردية المرتقبة في غياب وسطاء آخرين، يتولّون مهمّة الحؤول دون نشوب حربٍ مكلفةٍ تتمركز في العراق، أو تمتد إلى كامل المنطقة.

العربي الجديد

اترك رد