إسقاط الطائرة الأوكرانية وزيف القوة العسكرية لإيران

لا شك أن غالبية دول الشرق الأوسط وكذلك تلك المؤثرة والمتأثرة بملفات هذه المنطقة، ضاقت ذرعاً بتصرفات إيران وتحركاتها المستفزة، فهي لا تكل ولا تمل من التدخل بل والتحكم بشؤون دول المنطقة ومصائر قاداتها وشعوبها، والتحرش الإيراني لم يقتصر على مصالح دول الجوار فحسب، بل استغلت إيران سياسة “وضع المزهرية” وغض الطرف الذي تمارسه أغلب الدول تجاهها، لأسباب عدة يمكن إيجازها بتفاهم الأعداء على تقاسم المصالح وتوزيع الأدوار في المنطقة، فلولا التوغل الإيراني وإثارة القلاقل لما كانت المنطقة برمتها على صفيح ساخن إلى هذه الدرجة التي نعيشها منذ سنوات، ولما احتاجت شعوب المنطقة والبعض من قادتها إلى التوسل للتدخل الدولي ولا سيما الأمريكي لحمايتها من أطماع وتجاوزات هذه الدولة المتهورة، بل امتد هذا التحرش إلى مصالح الدولة الأقوى عسكرياً في العالم أي الولايات المتحدة الامريكية، حيث صرّحت الأخيرة “بأن سليماني وفيلق القدس مسؤولان عن مقتل مئات الجنود الأمريكيين”، ويبدو أنها تجاوزت الخطوط الحمراء المرسومة لها أو على الأقل المتفق عليها ضمنياً، وكان من نتائج هذه الرعونة الإيرانية هو قيام أمريكا بإغتيال الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس ومهندس الميليشيات الإيرانية، والمسؤول الأكبر عن الجرائم والانتهاكات التي حدثت وتحدث في كل من سوريا والعراق ولبنان واليمن وغيرها من دول المنطقة، سواء كان ذلك بشكل مباشر من قبل الجنود الإيرانيين المتواجدين في تلك الدول، أم عن طريق أذرعها من الميليشيات المدعومة من قبلها والموالية لها.

وبعد مقتل سليماني صار نظام الملالي يرغي ويزبد ويَعِدُ بالرد المزلزل ضد الولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة، حيث وعد المرشد الإيراني علي خامنئي “بانتقام عنيف”، كما أن وزير الدفاع أمير حاتمي أكد “أن إيران ستنتقم انتقاماً ساحقاً لإغتيال سليماني”، أما ممثل المرشد الأعلى في فيلق القدس علي الشيرازي فقد قال “بأننا سنحرم الأمريكيين النوم”، كل هذه الوعود انتهت ببعض الصواريخ الغير مجدية على قاعدتين عسكريتين أمريكيتين في محافظتي الأنبار وأربيل، والتي كانت نتائجها صفرية على الجنود الأمريكيين، وذكر بعض المتابعين بأن تلك الصواريخ كانت مفرغة من المواد المتفجرة وبعضها لم ينفجر أصلاً، وكانت عبارة عن محاولة يائسة من ملالي طهران للتخلص من الحرج الذي وضعوا أنفسهم فيه أمام مواطنيهم وحلفائهم، إلا أن كل ذلك التهديد والوعيد إنصب على رؤوس ركاب الطائرة الاوكرانية المدنية وطاقمها الذين لا ناقة لهم ولا جمل في هذا التصعيد، والذين لقوا مصرعهم بتاريخ 8/11/2010 نتيجة إصابة الطائرة بصاروخ إيراني “عن طريق الخطأ” كما صرّحت بذلك السلطات الإيرانية بعد الكثير من الصد والرد.لكن الأمر الملفت في هذه الحادثة هو أن النظام الإيراني وصف الاتهامات التي وُجِّهَتْ إليه بخصوص مسؤوليتها عن إسقاط الطائرة “بالحرب النفسية”، مع أن الطائرة إنفجرت بعد دقائق من إقلاعها من مطار الخميني وسقطت فوق العاصمة طهران، وقبل أن تعترف السلطات الايرانية بمسؤوليتها عن الحادث كانت قد أنكرت ذلك ورفضت تسليم الصندوقين الأسودين إلى شركة بوينغ المُصنعة للطائرة، في محاولة منها لإضفاء الغموض على الحادثة وتوجيه الأنظار إلى إحتمالية وجود مشاكل تقنية أو ما شابه في الطائرة، ولكن لعدم قدرتها على فبركة رواية مقنعة للآخرين وبسبب تزامن إنفجار الطائرة مع توقيت إطلاق الصواريخ الإيرانية على القواعد العسكرية المذكورة، إضطرت إيران للإعتراف بمسؤوليتها عن الحادث، مع سعيها حيناً لتحميل الولايات المتحدة جزءاً من تلك المسؤولية على لسان وزير خارجيتها محمد جواد ظريف الذي عزا الحادث إلى “خطأ بشري أثناء أزمة ثارت بسبب التهور الأمريكي”، وحيناً آخر لتحميل طاقم الطائرة المنكوبة المسؤولية بالقول أن “الطائرة حرفت مسارها بسرعة واقتربت من قاعدة عسكرية فأستُهدِفتْ خطأً ظناً أنها هدف معاد” وهذا ما نفته شركة الخطوط الدولية الأوكرانية.وهذه الحادثة كشفت عن مدى هشاشة التقنية العسكرية الإيرانية، وأسقطت القناع عن تلك الصورة التي كانت تحاول إيران خلقها في أذهان الحلفاء والأعداء عن القدرة القتالية الإسطورية للسلاح الإيراني وجيشه، وكشفت إن كل تلك العنتريات التي تباهت بها إيران كانت عبارة عن تصدير لأوهام ليست موجودة إلا في رؤوس القادة الإيرانين ومن يتفيأ بظلهم من قادة الميليشيات التي تعيث فساداً هنا وهناك وتحارب بأساليب إجرامية لا إحترافية، إذ أن سلاح الجو غير القادر على التمييز بين الأهداف المعادية وغير المعادية، وغير القادر على التحكم بأجوائه وإدارتها لبضعة دقائق في الوقت الذي لاتوجد فيه أي حرب مباشرة على أراضيه وفي أجوائه، لن يكون قادراً بطبيعة الحال على التحكم بها وإدارتها في حال اندلاع المواجهة المباشرة التي تهدد بها إيران وتعلن جاهزيتها لها “كلما دق الكوز بالجرة”، وتخبُّطْ التصريحات التي تتوالى عن المسؤوليين الإيرانيين بهذا الخصوص تؤكد هشاشة الإدارة الإيرانية، وفقدان التنسيق والتناغم بين المسؤولين في تلك الإدارة، قبل حادثة الطائرة الأوكرانية وبعدها.ولا شك أن هذا الأمر سيؤثر سلباً على سمعة وهيبة إيران المتدهورة أصلاً على الساحتين المحلية والدولية، فعلى الصعيد الدولي سيكون الموقف الأوربي من استئناف المفاوضات بشأن الملف النووي الإيراني أكثر هشاشة أمام الولايات المتحدة الرافضة لهذا الاتفاق والذي انسحبت منه عام 2018، وسَيُدَعِّم الموقف الأمريكي دولياً بخصوص العقوبات الصارمة التي فرضتها على إيران سابقاً، وقد يكون هذا محفِّزاً لها لفرض المزيد من العقوبات والتعامل مع الملف الإيراني بحزم أكبر من ذي قبل، كما وسيضع الدول التي تتقاسم المصالح مع إيران كتركيا وقطر وروسيا والصين وتغض النظر عن تحركاتها المشبوهة في المنطقة في موقف محرج أمام الرأي العام الداخلي والدولي، أما على صعيد البيت الداخلي الإيراني فان هذا سيعزز من موقف المعارضة الإيرانية الرسمية والشعبية تجاه النظام الحاكم، الذي جلب التهلكة والدمار للبلاد والعباد نتيجة ممارساته وجرائمه الطائفية داخل البلاد وخارجها، وكانت الاحتجاجات التي عمت شوارع طهران وطالبت المرشد الأعلى علي خامنئي بالرحيل بذات اليوم الذي أعلنت فيه إيران مسؤوليتها عن الحادث بتاريخ 11/01/2020، هي الأصدق تعبيراً عن رفض الشارع الإيراني لتصرفات أولياء الأمر والتي لن ينتج عنها في حال استمرارها، وهذا المتوقع، إلا المزيد من الخراب والدماء لإيران وشعبها وشعوب المنطقة، وبالمقابل نخشى أن تستغل إيران داخلياً مقتل سليماني والأحداث المتسارعة وتزيد من وتيرة استخدامها لشعارها المتكرر والممل “الموت لأمريكا” بهدف قمع الاحتجاجات وقتل المتظاهرين بوتيرة أكبر.القاضي رياض علي

ليفانت

اترك رد