عن قتل سليماني

ميشيل كيلو

يحتمل قتل قائد فيلق القدس الإيراني، الجنرال قاسم سليماني، قراءات كثيرة، نشرت في وسائل الإعلام والتواصل خلال الأسبوعين الأخيرين، وتحتمل ملاحظات تكميلية، منها:  أولا، يمثل قتل سليماني، قائد عمليات إيران الخارجية، الذي أشرف على بناء وحدات حرس ثوري في لبنان والعراق واليمن، حدثا مفصليا، لأنه استهدف من كان حلقة الوصل المركزية بين ميداني المعركة الإيرانية، الداخلي والخارجي، ويعتبر، بصفته هذه، أخطر وأشمل إعلان حربٍ يمكن أن ترسله واشنطن إلى طهران، وأن خطورته تنبع من أنه لا عودة عنه، ويبقي باب الحرب مفتوحا على مصراعيه، والدليل: إعلان الرئيس الأميركي، ترامب، أن الرد على مقتل أي أميركي سيكون في إيران، ولن يقتصر على من ينفذ القتل من أدواتها الخارجية التي تعتبرها واشنطن وحداتٍ من الحرس الثوري، ترابط خارج أراضيها، وينطبق عليها ما ينطبق عليه، فيما يتصل بقتل أي أميركي.
ثانيا، ليس قتل سليماني خطوة في الفراغ، بل هو فعل سياسي/ عسكري أريد به إخراج واشنطن من دائرة الركود التي دخلت فيها العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، ومع أنها تحتمل النجاح أكثر من الفشل، فإنها لن تنجح في كبح تقدّم طهران المتسارع والمقلق نحو استعادة أبحاثها النووية، واستخدامها لاختراق العقوبات، عبر امتلاك سلاح نووي يعزّز موقفها تعزيزا جذريا في أي مفاوضاتٍ قادمةٍ مع واشنطن التي ستجد نفسها مكرهةً على التفاوض حول القنبلة، وليس حول أبحاث نوويةٍ سلميةٍ لطالما أثارت قلقها وقلق الغرب، الأمر الذي سيضعها أمام موقفٍ تبدّل القنبلة معطياته، بما سيترتب عليها من ضغوطٍ ستجبر أميركا على تقديم تنازلاتٍ في أية مفاوضاتٍ جديدة، لإقناع طهران بالتخلي عن سلاحها، وتحاشي الفشل الذي واجهته في تجربتها مع كوريا الشمالية، حيث عجزت عن إجبار قيادتها على قبول التفاوض، ثم التفاعل الإيجابي مع مطالبها، ووجدت نفسها مكرهةً على التعايش مع ما لا تطيقه، ويفرض عليها القبول بمطالب كوريا، في سابقةٍ قلما واجهت ما يماثلها في علاقاتها الدولية.
ثالثا، كي لا تنجح طهران في الاحتذاء بالمثال الكوري، وتصنع القنبلة التي تمتلك الصواريخ الضرورية لنقلها إلى أوروبا، وعديد من قواعد واشنطن العسكرية في المحيط الهادئ، وإسرائيل، لا بد أن تنصبّ استراتيجية البيت الأبيض على منع هذا الاحتمال، خلال فترةٍ لا تتجاوز عاما واحدا، هو الفترة التي تحتاج طهران إليها لتصنع قنبلتها، علما أن بلوغ هدف أميركا مستحيل من دون حرب، أو تسخين الأجواء بحيث يمكن الانزلاق إلى الحرب في أي وقت، وهل هناك ما يمكنه تسخينها أكثر من قتل سليماني، والتهديد بما قد لا تستطيع إيران تحاشيه أو التحكّم فيه، في حال قتل أميركي ما في دولة ما.
رابعا، من ضمن التسخين، قرار أوروبا الانضمام إلى العقوبات الأميركية، وإنْ بطريقتها الخاصة، الملطّفة، التي تعلم طهران بمشاركتها في إفشال رهان قيادتها على فترة الأشهر القليلة المقبلة، لوضع العالم أمام واقعة تبدّل المعطيات التي تتحكّم حاليا بمواقف الأطراف المختلفة، بما في ذلك إسرائيل التي تعهدت، وترامب بمنع طهران من امتلاك القنبلة.
خامسا، لا تقتصر نتائج قتل سليماني على إيران، بل تطاول روسيا أيضا التي رفضت التعاون في الموضوع الإيراني، ويُراد الآن انتزاع ورقته من يدها، لما لذلك من أهميةٍ بالنسبة لوضعها في المسألة السورية التي ستحلّ من الآن فصاعدا من خلال الحل الإقليمي، بعد أن كان الحل الإقليمي مرتبطا بحلّها، في إطار استراتيجية أميركية جديدة، أعلن وزير الخارجية، بومبيو، عنها بصراحة، عندما قال إن قتل سليماني كان الخطوة الأولى فيها.
سادسا، هل تقول هذه المستجدّات إن عامنا يرجّح أن يكون عام الحل؟ أكاد أجزم بذلك.

اترك رد