المؤسسة الدينية الإسلامية؛ التشكيل والدور؟!

خطوات على طريق التنوير (6)

قسم الدراسات التنويرية

  • منذ بداية تشكل الحضارات أكسب الحكّام أنفسهم هالة مقدسة، فسطوا على سلطة الكهنة وجعلوها خادمة لسياساتهم، وصار الحاكم معبّراً عن إرادة السماء في تنظيم شؤون البشر، ومع اختلاف الأنظمة استمرت مشروعية السلطة السياسية على أساس العلاقة النفعية بين الحاكم ورجال الدين كممثلين عن الشعب في مجتمعات لم تشهد نهضة معرفية للفصل بين الديني والدنيوي، ما جعل المؤسسة الدينية غير الموجودة أساساً في الإسلام تثبت وجودها كانعكاس لإرادة السلطة، وسنداً لها في مواجهة العامة والسيطرة عليهم، والتأثير فيهم بعد أن صارت المساجد ورجال الدين أعمدة في جهاز الدولة الأيديولوجي. فحكومة الكهنة ومحترفي التسيير الطقوسي يحاربون التنوير، ويحرّفون النص المُنزل إلى نص خادم للسلطة.

المؤسسة الدينية الإسلامية وتمثّل الديانات الأخرى

شكّلت أنماط التديّن السائدة منذ بداية عهود الوثنية ومجمّعات الآلهة، الأسس الأولى الراسخة للثقافات الروحية التي سارت عليها البشرية في الفكر والتشريع والقيم الأخلاقية وغيرها، مكوّنة القاعدة الأولى لما تلاها من تبلور أشكال المؤسسات الدينية لتسجيل أعمال (الطاعة لله)، وحسب الرواية التوراتية نشأت اليهودية كديانة كهنوتية ذات طابع طقوسي في عصر موسى، بأمر إلهي مباشر بتعيين “هارون” في منصب الكاهن الأكبر وتخصيص المنصب بالوراثة لأبنائه “اللاويين” وإقامة الخيمة المقدسة كمقرّ للكهانة (سفر الخروج 35-40)، وتحدد دور الكهنة في خدمة الطقوس كتقديم الأضاحي، واستطلاع إرادة يهوه في إدارة شؤونهم الدينية.

ومع المسيحية تبلور مفهوم الكهنوت في مؤسسة ذات خصائص توجيهية تدار من داخل المعبد (الكنيسة) عبر هيئة متخصصة لها صلاحيات التواصل مع الإله، وعليها مهمة تفسير الكتاب المقدس باسم يسوع، لتتجاوزها لاحقاً لبناء كيان إداري شبه منظّم، بمسميات وظيفية مرتبة لإدارة النشاط المسيحي المتعاظم، ما أكسب الكنيسة صلاحيات على مستوى اللاهوت والتشريع المستمدّة من الإنجيل والتقليد المقدس الذي ورثَّته الرسل وفرض في مجمع “نيقية” كقانون إيمان حصري بإنشاء النص المسيحي الرسمي الذي يتضمن الأناجيل الأربعة، وأعمال الرسل ورؤاهم.(1)

أما الإسلام رغم تبنّى رواية التاريخ الإبراهيمي؛ استطاع تكوين بنيان الجماعة الدينية بعيداً عن النظام الطقوسي  وفكرة الكهانة الرسمية، ونأى بنفسه عن مؤسسة الكهنوت المنظّم في خدمة المعبد وطقوس العبادة (الفردية والجماعية)، فالصلاة النابعة من القلب تكفي، دون وساطة بين الله والناس.

ومع الإنجازات الثقافية في الحقبة الإسلامية جرى ربط الحضارة بما سلفها وقام “علم الكلام” على استيعاب الجدل والمفاهيم الملازمة للاهوت المسيحي، وكان الفقه الإسلامي استئنافاً وتطويراً للقانون الروماني وإذابة تدريجية للشرائع والنواميس العبرانية ودمجها في بوتقة تعاليم القرآن والحديث وصولاً الى اجتراح ما نراه الآن قانوناً إسلامياً(2)، ووفقاً للتطورات وسيرورة المجتمعات اللاحقة صارت منظومة الفقه والكلام المذهبية تستحوذ على سلطة شبيهة بسلطة المؤسسة، فيما يتعلق بتمثيل الديانة و”حراسة اللاهوت”. ورغم أنها لم تتحول إلى مؤسسة كهنوتية مركزية تعتمد جملة مفاهيم وممارسات المؤسسات الطائفية اليهودية والإلهيات المسيحية، ولم تغيّر فحوى الدين (الموحى به) وتنسب لنفسها عملية إنتاج النص، فالنص “المُنزل” بقي اليد العليا في توجيه الفقه والفقهاء، إلا أن الصلاحيات المتراكمة صارت توازي سلطة الكهنوت.

المؤسسة الدينية الإسلامية: التشكيل والدور

شكلت التفاعلات الثقافية بين البشر كافة جملة متكاملة في تكوين الأفكار والحضارات، فالمسلمون لم يولدوا خارج سياق التفاعلات، وظلّوا يشاطرون أسلافهم فيضاً من التقاليد تقول: بأن قيام الدين وتماسك الجماعة وخلق الوفاق، يعتمد على جملة ضوابط للسلوك الطقسي والاجتماعي والولاءات الجماعية. فهيكلية الحياة الدينية التي قدمها الدين الإسلامي على نحو مختلف عن السائد في “المؤسسة الكهنوتية”، استمرت خلال الخلافة الأولى التي حصرت مهمة (رجال الدين) في وضع الفرد المسلم أمام مسؤوليته الدينية وإدماجه ضمن الجماعة المسلمة، ونتيجة الحاجة لتثبيت نسق من السلوكيات، والقيم توجب على الجميع مراعاتها.. اتجه المسلمون نحو إيجاد جماعة قادرة على صياغة قواعد، ونواميس الاجتماع، وإيجاد جملة من القوانين الشرعية تضبط النظام الاجتماعي، وتعدُّه التشريع الموازي للتعبير الأساسي عن الوعي الاجتماعي الديني، وقيمه الأساسية الخاضعة لمستويات تطور المجتمع.

ومنذ القرن الأول والتوسع الإسلامي لنشر الدعوة الدينية، جرت قولبة قوانين الحكم الإسلامي لتتماشى مع صيغة إمبراطورية محدّدة ومشرعنة وفق منطلقات إسلامية، لتكون فترة الخلافة الأُمَوية تأسيساً لحقبة ثقافية مختلفة ظهرت فيها أنماط جديدة من التنظيمات الاجتماعية الإسلامية التي يقودها علماء جامعون بين المعارف الشرعية، ودائبون على تأبيد تراث تعليمي قائم على الجمع بين الشريعة وأصول الدين.(3)

وفي فترة الحكم العباسي، فرضت الحاجة لتأمين ولاء رعاياهم وطاعتهم، ومحاولات التصدي للمشكلات التي أجهزت على الخلافة الأموية، والخلافات العقدية الكبيرة التي سادت، التوجه نحو تأسيس هيكلية مختلفة في إدارة شؤون المسلمين وظهرت بذور المؤسسات الإسلامية التي تعمل على إدماج الجماعات المسلمة، وتنظيمها الطائفي (لكل طائفة دينية أصولها ومؤسسها) في سياق الإمبراطورية المتسعة.

 التعاون الوظيفي بين المؤسسة والسلطة الحاكمة القائم على حاجة السلطتين (الدينية والسياسية) لضمان الاستمرارية، ساهم في توحيد المرجعية الدينية لتوحيد المواقف والتصرفات بما يدعم السلطة واستقرارها على جميع الأصعدة، حتى تحول علماء الدين وفقهاؤه إلى واجهة شرعية للسلطة وغاب صوت الرعية.

ورغم أن هذه المؤسسات كانت خالية من التنظيم التراتبي التي حكمت المؤسسات الدينية اليهودية والمسيحية، إلا أنها تولّت نفس الدور والمهام كمؤسسات دينية فعالة، وقادرة على تعبئة التأييد السياسي من المسلمين، ومن المهتدين “الجماعات غير المسلمة”، لتثبيت أركان الحكم التي شكلت جزءاً من استراتيجية الإمبراطورية العباسية في ضبط شؤون الحقل الديني والمجتمعي. وقد قاموا بجملة تغييرات لأنماط الأجهزة الإدارية (الدواوين)، ودرج الخلفاء على تعيين قضاة يتم انتقاؤهم من بين كبار الفقهاء لتولي مهمة تطبيق الشرع على الشؤون المدنية للسكان المسلمين، ولمعالجة قضايا الدولة، والاستفادة من القيادات الدينية الإسلامية في خدمة العامة كإداريين.

وبتقدم العصر العباسي ظهرت مفاهيم جديدة “فقه، وفقيه، وحديث، ومحدّث، وغيره” ووجدت وظيفة جديدة في المجتمع كجماعة تسيّر شؤون الدين، وبدأت ملامح الهيكلية التراتبية تتكون من علماء الدين والفقهاء للإشراف على الدين الحقّ، وتطبيق الشريعة بما يشابه وظيفة “اللاهوتيّين”، في رسم حدود العقيدة ومواجهة الانشقاقات المبنية على أسس دينية “الهرطقة”. واستخدام القضاة وسطاء لتنظيم إطار الباحثين والمعلمين والحقوقيين تحت إشراف الدولة ورعايتها. وأسند الفقهاء إلى (الخليفة) وظيفة “حراسة الدين” كترجمة لثقافة الواقع السياسي الجديد الذي فرضه ظهور الدولة العباسية(4) ولترتبط المؤسسة الدينية بمسألة السلطة بمفهوميها (الديني والسياسي) ممهدة الطريق لدمج نص السلطة ورغباتها بالنص المنزل.

نص السلطة وسلطة النص

ساهمت المتغيّرات التي طالت بنية الحكم الإسلامي في اتخاذ هيئة دينية “مؤسساتية”، فالظرف الموضوعي الذي رافق التوسع الإسلامي في صراع العشائر والعرقيات والقبائل احتاج لاستعمال الدين كفتوى، ووسيلة سياسية بين الجماعات. فهذه الهيئة كانت تعبيراً عن حاجه الدولة لحشد الناس قبيل الغزوات وخلالها كمعتقد ديني (إيديولوجيا) في البلاد المفتوحة تبرِّر أهداف الحكام وتمرِّر سياساتهم استناداً إلى العاطفة الدينية، ولتساهم في تكوين النسق الإسلامي العام المبني على السِّيَر الشخصية والفتوحات والبطولات بانتقاء شديد، وتعزيز ذلك كله بأحاديث نبوية وبطوفان من الفتاوي، كما وصفها (محمد عبده)(5).

ومع انتهاء عصر الفتوحات وتشكيل الدول الإسلامية استمرت المؤسسة الإسلامية في اتخاذ هيكليتها العامة المبنية على آليات السلطة والجماعات الدينية في التوظيف السياسي وقد استمرت حتى يومنا هذا معبرة عن أزمة التوفيق بين النص المُنزل “الغيبي” ونص السلطة والمجتمع “الدنيوي” ما أدخلها في جملة مشاكل.

تحويل النص “المُنزل” إلى سلطة دنيوية وإشكالاته:

اكتسبت المؤسسات الدينية في الأديان السماوية قدرة خاصة، فاعتمادها على المرجعية الإلهية وجعلها أساساً في تنظيم شؤون البشر لضمان التزاماتهم العقدية والطقوسية والأخلاقية، إضافة لمواصلة نشر الدين، مكّنها من ممارسة السلطة(الروحية والمادية) على المجال المجتمعي.

وفي الوضع الإسلامي وولادة المؤسسة الدينية بقوة الواقع ومن خارج حدود النص الديني، فقد ترتب على المؤسسة مهمة تكوين هيئات دعوية وتعليمية لجذب المريدين أو الأتباع، وإعطاء شخصياتها الدينية (الفقيه والعالم والمفتي وغيرهم) دوراً محورياً في تنظيم أحوال البشر في الدنيا والآخرة، وتثبيت مهامهم الوظيفية في بسط العبادة والمعرفة بين المؤمنين، والإفتاء في القضايا المستجدّة، والتنظيم القانوني لحياة المؤمن من خلال جهاز القضاء. لينسحب على أشكالها المختلفة، في مؤسسة التعبّد (المسجد والجامع) والتنظيم الأخلاقي للمجتمع (الحسبة وهيئة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر) والتنظيم الاقتصادي (الزكاة والأوقاف) وغيرها من أنماط تشكل المؤسسة الدينية في المجتمع الإسلامي(6)الساعية لممارسة سلطتها “الرمزية” التي تقوم على الحقّ في فرض الطاعة باسم القيم الإسلامية وباسم النص القرآني – دون إقرار صريح بوجودها- الذي تلجأ إليه المؤسسة الدينية لفرض وجودها، أو لتبرير وشرعنة خطابها وأفعالها، ما يجعل النص خاضعاً لتأويلات هذه السلطة بدل أن يكون مسيّراً لها ولشؤون المسلمين. وهو ما عبّرت عنه المؤسسة الدينية منذ نشوئها إبّان توحيد المدوّنة المرجعية في زمن أبي جعفر المنصور، واستمرت به على اختلاف عهود الخلافة وما تلاها من تشكل الدول القومية والعلمانية.

خشية التيار التقليدي من التيار التنويري هي خشية من المسعى “اللوثري “على أنه طريق نحو وأد الدين وإفراغه من محتواه وإعطائه فهماً جديداً وتحويل النص عن مساره بالكامل

صوت السلطة أم صوت الرعية:

إن وجود المؤسسة الدينية يقتضي تحديد شكل العلاقة بين مختلف الأطراف المشاركة في العمل الديني (المجتمعات والسلطة الحاكمة)، ويجعل دورها كحلقة وصل بين السلطان والرعية، إلا أن التعاون الوظيفي بين المؤسسة والسلطة الحاكمة القائم على حاجة السلطتين (الدينية والسياسية) لضمان الاستمرارية، ساهم في توحيد المرجعية الدينية لتوحيد المواقف والتصرفات بما يدعم السلطة واستقرارها على جميع الأصعدة، حتى تحول علماء الدين وفقهاؤه إلى واجهة شرعية للسلطة وغاب صوت الرعية. وقد حدد “ابن خلدون” مكانة العلماء بأنّها لا تتجاوز الاستعانة بعلمهم في الشريعة، و(التجمّل بهم) في البلاط لتعظيم الرتب الشرعية، إنهم موظفون لدى الدولة، تؤخذ الأحكام الشرعية عنهم، وتُتلقى الفتاوى منهم، ولا يحق لهم بأي حال أن يتطاولوا على السلطان.(7)

لكن هذه العلاقة لم تكن ثابتة التبعية للسلطة، فالعلماء والفقهاء بما مثّلوه من سلطة مدنية نالوا قسطاً من الاحترام والتقدير لدى الطرفين (السلطة والرعية)، فكانوا ينحازون إلى الدولة تارة فيصبحون أداة في يدها لتحقيق السيطرة والضبط الاجتماعي، وإلى الرعية تارة أخرى فيصبحون قادة للمعارضة.

تجربة الأزهر مثالاً:

لم يكن للأزهر منذ أسَّسه الفاطميون منتصف القرن العاشر الميلادي دور سياسي واضح المعالم لا بصفته المؤسسية، ولا بمواقف علمائه. فهذا الدور ظهر في الخلافة العثمانية التي – فضّل جهازها الحاكم التعامل مع المجتمع على شكل جماعات وكيانات لكل منها رئيس أو قائد أو شيخ يمثلها أمام السلطة- وحدد دور الأزهر كوسيط سياسي إضافة إلى دوره التقليدي (الديني/العلمي)، واستكمل الأزهر صفته المؤسسية على أنه مظلّة جامعة تستوعب علماء مصر بمختلف مذاهبهم وميولهم الدينية بتأسيس منصب “شيخ الجامع الأزهر”، وصار لعلمائه صوت مسموع في الشأن العام بصفتهم (الأزهرية والعلمية)(8)

وكانوا يعدون أنفسهم شركاء في السلطة وهذا زاد من سلطتهم، فتولّوا رفع المظالم للسلطان وتنبيهه إذا انتهك المعايير الإسلامية، وإذا أرادوا الاحتجاج قرعت الطبول من مئذنة الأزهر وأغلقت الأسواق وبدأت المظاهرات، وتحول العلماء إلى قادة المعارضة. لكنهم فعلياً لم يمثّلوا خطراً حقيقياً على أي من السلطات الحاكمة. فلم يقوموا بعمل ثوري يهدف إلى إزاحة السلطة، وتولي مقاليد الحكم، أو إحلال سلطة جديدة محلها أكثر وفاء بمطالب الشرع، ورعاية لمصالح الأمة.(9) وبالتالي لم يكونوا صوت الرعية وحقوقها في التغيير.

واضح أن التميّز في تجربة الأزهر قد انصبّ حول طروحات العلماء الإصلاحية كجمال الدين الأفغاني (1838- 1897) وتلميذه محمد عبده (1849-1905) بما مثّلاه من خطوط عريضة على طريق اليقظة المصرية التحررية، والحداثة الإسلامية متمثلة بإعادة النظر في مناهج الأزهر واتخاذه العقل والاجتهاد الفرديين جوهريين في الأمور غير الواردة بالقرآن والحديث، وضروريين لتنظيم العلاقات الاجتماعية، فهناك إرشادات عامة لابد من إعادة تفسيرها بدلاً من برنامج تفصيلي أبدي للتنظيم الاجتماعي والسياسي، وهو ما عمل عليه محمد عبده في طروحاته.

أزمة المؤسسة الدينية:

ساهم وجود المؤسسة الدينية كدعامة للسلطة السياسية، وحمل الفقه التقليدي نصَّ السلطة وتثبيت الولاء للحاكم، في ظهور العديد من الأزمات أهمها:

ظهور المعارضة للسياسة العامة وللمؤسسة التابعة العاجزة عن استحواذ أوجه ضبط التديّن كافة ومواكبة تغيُّرات الواقع ماضياً وحاضراً.

 ماضياً: اكتسب رجال الدين الذين كانوا بلا مناصب أو وسائل دعم مؤسسية بمن فيهم القرّاء والعلماء والزهّاد المتصوفة، شهرة المعرفة والولاء للدين وكانوا مقبولين لدى المسلمين بوصفهم المرجعيات الحقيقية للإسلام، وكانوا المرشدين في التوجيه الأخلاقي والديني للعامة أكثر من الخليفة، وخصوصاً مع الأزمات التي رافقت إعادة صوغ الأسس الدينية للخلافة وظهور(أزمة خلق القرآن) وإجبار الفقهاء على التسليم بعقيدة السلطة، ومع الصراع الطويل بين الخلافة ومعارضيها من العلماء صارت سلطة الخلافة والمؤسسة الدينية أقل اندماجاً مع واقع المسلمين.

في الواقع الراهن: استمرت أزمة المؤسسة الدينية بطرق مغايرة، إذ جرى اعتمادها واحداً من أجهزة الدولة التي تنشط الفئة الحاكمة لتشكل ما يسمى الإيديولوجيا الحاكمة، ففي الدول الحداثية القائمة على جهازين: قمعي (المحاكم، الأمن، الجيش، السجون..) وإيديولوجي (الأحزاب، النقابات، المدارس، الصحف..). وتحديد دور المؤسسة الدينية بالوساطة بين السلطة والرعية جعلها واحدة من الأجهزة الأيديولوجية التي تتولى إدارة مجالها الخاص(الطائفي أو المذهبي)، والنفاذ فيه بسلطة القانون الشرعي(10).

لكن انعدام قدرة السلطة على السيطرة الكلية على أجهزتها الأيديولوجية كما في جهازها القمعي، واستقلال المحاكم الشرعية عن هيكلية الدستور، أعطى المؤسسة الدينية بعض الاستقلالية التي تؤهلها لتشكيل سلطة موازية وفاعلة مجتمعياً، وتكون منافساً للسلطة السياسية عندما لا ترضي خياراتها. فرهان السلطات الحديثة على المشروعية الدينية بدل مشروعية القانون، جعلها بحاجة إلى خدمات المؤسسة الدينية، خصوصاً في دول الاستبداد السياسي العربية.

أما الأزمة الفعلية للسلطة السياسية وللمؤسسة الدينية فتكمن في انعدام قدرتهما معاً في السيطرة على الفضاء العام للجماعة الدينية، فوسائل الإكراه القمعية لا تحكم ضمائر البشر، وكذلك لا يحكمهم الفكر الإقصائي للمؤسسة الدينية. وهذا مهّد الطريق لظهور جماعات مستقلة عن مؤسسات الدولة كـ (جماعات الإسلام السياسي)، الرافضة للمؤسسة الدينية التقليدية لجهة تركيبتها ومنزلتها الاجتماعيتين ولتقاليدها المعرفية والتربوية وعدِّها مسؤولة عن “انحطاط” الدين وجموده، فبرزت (حركة طلبة المدارس القرآنية الأفغانية، والإخوان المسلمون في مصر، ومجاهدو خلق في العراق، وحركة شباب المجاهدين في الصومال، وتنظيم الدولة الإسلامية في بلاد الشام والعراق وغيرها) التي تحاول تقديم نفسها كبديل “إصلاحي” يتمحور حول صياغة رؤية إسلامية للنظام السياسي والقانوني للدولة الحديثة التي شكلت أزمة فعلية بطروحاتها. فرفضُها لم يكن رفضاً تجديدياً للحدّ من السلطة إنما تكريساً لسلطة دينية أكثر عسفاً ورفضاً للسائد ودعوة لأزمنة الخلافة، باعتبار صناعة الفقه لا تستقيم مع فكرة الدولة المحتكرة للتشريع كفكرة غربية حديثة، لتكون المرجعيات المستقلة سبباً في انتعاش التطرف الإسلامي العنفي الذي ينشر تهديده على مستوى العالم.

دور التنوير في تفكيك خطاب التطرف ومنهجه

من التأطير السلطوي إلى إدارة الواقع

الإشكاليات المختلفة التي رافقت تبلوّر المؤسسة الدينية الإسلامية تاريخياً ازدادت حدّة مع التطورات الحداثية، فعجز هذه المؤسسة لا يقتصر على مواكبة التطورات التي أدخلتها الحداثة؛ إنما يمتدّ إلى عجزها عن إدارة الحقل الديني للمجتمعات الإسلامية الخاضعة بدورها للنمو والتطور الحداثي بشكل مستقل عن قيود المأسسة الدينية والتبعية السياسية، ما يجعلها تكبّل الفكر الإسلامي بجملة من القيود وتعوق بناء فكر متحرر من عوامل الخلط المتعمّد وغير المتعمّد بين المقدس والبشري، وبين النص المقدس وقولبة النص ليوائم نص السلطة أو نص الجماعة الدينية وتحديداً الإسلام السياسي الذي يمثل الوجه المقابل للمؤسسة. فكلاهما يستوجبانإعادة النظر في تسيير الحقل الديني والانتقال نحو إدراة مختلفة للواقع، وفقاً لخطط بنّاءة، والتي توجب:

أولاً: النظر إلى مطالب التيار التنويري والإصلاحي نظرة إيجابية تُعلي شأن الدين، بدل عدِّها تحارباً بين التراث والمعاصرة، فمطالبه انطلقت من فحوى النص الديني، ومن مغايرة  الدين الإسلامي عن بقية الأديان بأنه لا يعرف الوساطة الإنسانية في الاتصال بالله، ولا يعطي لأحد مهما كانت رتبته الدينية ( فقيهاً، مفتياً، داعيةً..) حق التحريم أو الإيجاب أو سلطة الرقابة والحكم على إيمان الناس أو عدم إيمانهم. ولا وجود لمؤسّسة أو سلطة دينية في الأصول الإسلامية، ما جعل وجودها خروجاً عن الدين وإقراراً بوجود “سلطة كهنوتية” أنكرها الدين الإسلامي في العديد من آياته. فمطالب الإصلاح  ككل جاءت رداً على تسلّط المؤسسة وشخصياتها على رقاب الناس، وعلى جعل الإسلام ديناً أنتجه الفقهاء والدُعاة والخطباء، ومع هذا اتهم المتكلمون الرسميون باسم الدين، أصحابَها بالزندقة والكفر بدل أن يتعاون الجميع على إعادة الألق للإسلام.

ثانياً: الخروج بالتنوير من دائرته الضيّقة إلى دائرته العامة، فمنظور التنوير انصبّ بكليته على الفتاوى، وطرق الاستنباط، ليبقى محصوراً ضمن القضايا الناتجة عن وظيفة المؤسسة الدينية في الدفاع عما تعدُّه صحيح الدين، وهى تدافع عنه في مواجهة من يخرجون عن تفسيرها له، وعدِّ شخوصها أكثر علماً بالإيمان من النص المقدس، كعدِّ المفتي ناطقاً باسم الله، وصانع الفتوى عن الله، وموقّعاً عن رب العالمين حسب طروحات “ابن القيّم”(13)، ولأن الإشكاليات الحالية أكثر اتساعاً من حدود المؤسسة الدينية وقولبتها للدين، فهذا يتطلب إعادة نظر التيار التنويري في الرؤية الكلية التي يقوم عليها المنظور الديني ما يُسمّى بعلم الكلام، المتمثلة بالرؤية الدينية للعالم فهي لم تتعرّض لنقاش أو إصلاح ولا تجديد، وبقيت الرؤية الدينية القديمة هي السائدة وهي المهيمنة، في المؤسسة التقليدية التي تشرعن وجودها بقوة “الثابت الديني” وتلغي تغيّر الحياة المدنية بتغيّر الواقع الإنساني.

الانتقال من الإصلاح والتجديد إلى القوننة:

خشية التيار التقليدي من التيار التنويري هي خشية من المسعى “اللوثري “على أنه طريق نحو وأد الدين وإفراغه من محتواه وإعطائه فهماً جديداً وتحويل النص عن مساره بالكامل، بدل عدِّه خطوة جديدة نحو النهضة بالمسلمين وإعادة الدين إلى موقعه الطبيعي كمقدس. وهذه الخشية تصبح هلعاً في الحديث عن فصل الدين عن الدولة، كونه يعادل إلغاء المؤسسة الدينية، فالمسلمون عموماً يفضلون خضوع مجتمعاتهم لحكم الشريعة أي إلى القانون المقدس للإسلام.

ما يجعل الحل مبنياً على تحريك الأنساق السائدة لقوننة دور المؤسسة الدينية الذي يشوبه الكثير من التشوه والتعقيدات يمنعها من استلام زمام الأمور وجعلها تتلاءم مع أسئلة يطرحها الواقع الموضوعي للمسلمين وإشكالياتها وأزماتها، من خلال جملة معطيات:

أولاً: قامت المؤسسة الدينية منذ تشكيلها على أنّ الدين وحده الإطار المنظم والمؤسساتي للمقدس، وشكل إنتاج القواعد الجمعية والوعي الجمعي، ومع تطور المجتمعات وضياع القواعد البسيطة للنظام الاجتماعي، أصبح الدين نظاماً يتمتع بميّزة خاصة من جملة أنظمة أخرى فلا يقوم في المجتمعات المركبة بوظيفة التماسك، وكذلك في المجتمع الإسلامي، فاعتبار الدين (نظاماً متكاملاً ومكتفياً بذاته) لتنظيم الحاجات الأساسية للمسلمين، حوّل الدين إلى تديّن وشكلٍ من السلوكيات الطقوسية وتنظيمٍ قسريٍ للعقائد، ولآليّة اجتماعية ثقافية لتحديد الهوية العرقية والسياسية العاجزة عن استيعاب التنوع الفكري داخل الجماعة الدينية نفسها، وهذا يتطلب بناء استراتيجية معرفية ينضج معها الفرق بين المادي البشري، والروحي الإلهي (إرادة الله وإرادة الإنسان) التي يبدأ معها احترام العقل وإمكانية تطور أفكار البشر، وتوسع حدود الدين الإسلامي وقيمه في ميادين الحياة المختلفة والمتطورة تبعاً لتطور الجماعة والإنسان وحاجته وأفكاره، فهو المُستخلَف في الأرض من أي دين كان.

ثانياً: إصلاح المؤسسة بهياكلها الوظيفية مع غياب الرُؤية المُنضبطة لدور الدين لم يعد يتماشى مع التحديات التي فرضتها عمليات بناء الدولة الحديثة والانتقال من سلطة الأعراف والمكانة الدينية والاجتماعية إلى هندسة قانونية واجتماعية حديثة تبنى على مسؤولية الفرد الكاملة عن كل ما يتعلق بوجوده ومن بينها الإيمان وهذا لا يتعارض مع فحوى الإسلام ولا مع قيمه، إنما يتعارض مع استخدام المقدس الديني كسلطة رمزية أو فعلية وفرضها على الواقع الإنساني المتغيّر، الذي شكّل عماد المؤسسة الدينية وبنية جماعات الإسلام السياسي حتى صارا يمسكان بعصا “محاكم التفتيش” بعد إغلاق باب الاجتهاد، ويجعلان من النص الديني ثابتاً غير قابل لمواكبة المتغيرات، ومتحجّراً لا يراعي تطور الحياة بل يقف ضدّها.

ما يجعل الخروج من هذه الأزمة مبنياً على فتح المجال الديني للعامة، كونه يؤدي إلى إمكانية إنتاج تصورات دينية خارج سلطة المؤسسة الدينية.

ثالثاً: إن قيام المؤسسة الدينية منذ تشكيلها على قواعد مستقاة من الدين يجعل إمكانية إلغائها دخولاً في الفوضى، كونها تحظى باحترام المنتمين إليها، وهو احترام نابع من تقدير المؤمنين للدين ذاته، لكن إخراجها من ضيق الخضوع للسلطة السياسية، وإعادتها إلى بنية المجتمع عبر تنظيمها ضمن القانون المدني يضمن استقلاليتها وقدرتها على إدارة الشأن الديني، ويجعلها أكثر قرباً من أفرادها أو المؤمنين بالدين من أجل تلبية حاجات روحية أو شؤون دنيوية مرتبطة بالدين، أما رسالتها فتتباين إذ إن بعضها يكتفى برسالة روحية، وبعضها ينشط في مجال العمل الخيرى، أو مجالات التنمية وحقوق الإنسان، وأخرى تلعب أدواراً خدمية أو بحثية أو حتى أكاديمية. وهذا يحدّ من سلطة الدولة عليها ويحد من نفوذ المؤسسة ويكسر وصايتها على المجتمع وتضييقها للحريات والمناشط الإنسانية، ويفعل دورها المجتمعي عبر السماح للجميع المشاركة فيها كلٌ في إطار اهتمامه وتعطي المسلمين شعوراً عاماً بأنّ دينهم يعبّر عنهم، عبر فتح الحوارات حول كل ما يتعلق بالدين والإنسان ونزع قشور “التجديف” في تبنّي الرأي الصائب والمناسب، ما يجعلها تحظى باحترام المنتمين إليها وهو احترام نابع من تقديرهم لها، وخاصة أن العديد من هذه المؤسسات تقدم العون لرعاياها، ويمكنها العمل على بناء مجتمعات أكثر توازنا وحداثة.

أخيــــــــــــــــــــــــــــراً

أزمة المؤسسة الدينية المتراكمة تاريخياً تحيلنا نحو إدارة الواقع وفق منهجية مختلفة وتحويل المؤسسة الدينية المرتبطة بالسلطة إلى هيكلية “مؤسسة مدنية” تتماشى مع مطالب المجتمع وتخضع لنواظم تشكيل المؤسسات المدنية، الذي يجعلها أكثر قدرة على بناء علاقة سوية بين الدين والدولة بعيداً عن وجودها كسلطة متعالية، فالمطلوب ليس إنتاج مؤسسات كهنوتية أنتجها الدين التاريخي؛ إنما ترسيخ مفهوم ارتباط الدين بالمجتمع ضمن قواعد سلوكية تعيد الدين إلى قيمه الروحية الجامعة التي تتناول الجوانب المختلفة للدور الإنساني في إعمار الكون ونشر الإصلاح عبر مخاطبة العقل والوجدان بالحوار والجدال بالتي هي أحسن، وتحفظ مكانته المقدسة ودوره الإيجابي البنّاء في خدمة البشـرية.

المراجع

1- ويكيبيديا    https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%B3%D9%8A%D8%AD%D9%8A%D8%A9

2-  تاريخ المجتمعات الإسلامية المجلد الأول، أيرا م. لابيدس، ترجمة: فاضل جكتر – دار الكتاب العربي بيروت 2011 ط  2(ص 39- 41)

3، 4-  مرجع سابق المجتمعات الاسلامية (ص62). المرجع السابق (ص163)

5-  محمود الزهيري في حالة حوار مع الدكتور محمد عبده، عن ظاهرة التدين في الحياة الاجتماعية والسياسية في مصر- الحوار المتمدن   m.www.ahewar.org › s.asp

6- PDF المؤسسة الدينية بين سلطتي الدينية والسياسي، فيصل شلوف – مؤسسة مؤمنون بلا حدود 21 آذار/ مارس 2016، (ص5 )

7-  ابن خلدون، المقدّمة، ج 1، (ص 278)

8- الأزهر العثماني تشكل مؤسسة الازهر، أحمد محمود – إضاءات.

www.ida2at.com › al-azhar-ottoman-religious-instit

9- معارك في سبيل الله، كارين أرمسترونغ، ترجمة: د. فاطمة نصر، د. محمد عناني، مطبعة لوتس- ط1 2000 (ص 74 – 79)

10-  الايدولوجية واجهزة الدولة الأيدولوجية لوي الستوسير ج1 ترجمة: عمرو خيري- قراءات

qira2at.com › 2014/11/23 › لوي-ألتوسير-الأيديول..

11- منهج الإفتاء عند الإمام ابن القيم الجوزي – دار النفائس ط1 2004 (ص 16)

اترك رد