أسلحةُ بوتين في سوريّة: من جرّة الغاز إلى (الأس 300)

الصورة تعبيرية


كتب خضر عواركة – وكالة أنباء آسيا


ما سبب الأزمات المعيشية في سوريّة؟؟
الموضوع جد بسيط:
هناك آلية استيراد حكوميّة بالشّراكة مع حيتان مال وطنيّين (فاسدين ماليّاً لكن وطنيّين سياسيّاً ولائهم للدّولة)
بضغطٍ روسيّ عطّل حيتان مالٍ جدد موالون للرّوس آلية الاستيراد الحكوميّة المعتادة، فحصلَ نقص بسبب صراعٍ على العقود بين أزلام الدّولة والحكم وأزلام وقحين مدعومين روسيّاً.
أزمةُ الغازِ سببها أولاً فقدان مادة مستوردة تضافُ إلى المنتج الخام فتفصل الغاز المنزليّ.
وأيضاً جرى تعطيل عقود طارئة لتأمين بدائل.
وقامتْ جهات نافذة جداً بعملية منظّمة لتهريب الموجود و احتكار المنتج من خلال شخصين كلاهما مرتبط بالرّوس.
للرّوس علاقاتٌ داخل أجهزة السّلطة تنسّق بينها جهة روسيّة أمنيّة تتحرّك داخل الدّولة والقطاع الاقتصاديّ الأهليّ حين يتصدّى للرّوس القرار السّوريّ السّياديّ وحين يصرُّ السّوريون على استقلاليّة وسيادة قرارهم الوطني.
( العناد في رفض مقترحات الدّستور الجديد مثلاً)
في الدّولة الواحدة تتصارعُ مراكز القوى حين تختلف مصالحها فما بالكم بدولةٍ عظمى تحاول السّيطرة على قرار دولة معتدّة بنفسها وشعبها مثل سوريّة.
خلقُ الأزماتِ المعيشيّة وأحياناً الأمنيّة هي لغةُ تخاطبٍ روسيّة مع السّوريّين.
هل تذكرون تحرير تل العيس ثم قصف الرّوس للقوات الحليفة التي حرّرت عام ٢٠١٥؟؟
هل الرّوس حلفاء أم محتلّون؟؟
للرّوس في الحربِ حلفاء هم سوريّة وإيران وحزب الله.
في السّلم للرّوس حلفاء آخرين هم تركيا واميركا واسرائيل.
مصالح روسيا ضدَّ الإرهابيّين هي مع سوريّة وإيران وفي مصالحها في التّقاسم الإقليميّ مع الأميركيّ والتّركيّ والإسرائيليّ.
إلا إذا دفعوا ثمناً باهظاً لخياراتهم تلك من خلال مواقف حاسمة سوريّة إيرانيّة.
في الحربِ الهدفُ الرّوسيّ هو تثبيت السّلطة السّوريّة حتى لا تنهار ويحلّ مكانها إرهابيون.
وفي السّلم الهدف الرّوسيّ هو ” قضم الدّولة وتطويع المؤسسات لتصبح مطيعة لموسكو”
هناك رفض سوريّ شرس لطلباتٍ روسيّة تخصُّ مفاوضات الحلّ السّلمي والدّستور وصلاحيات الحكومة المركزيّة والحصص الدّوليّة في الحلِّ.
السّوريون برئاسة الأسد لديهم تصوّر لحلٍّ نهائي ليس فيه درهم فوائد لتركيا أو للأميركيّين أو للإيرانيين ولا يستفيد منه الرّوس سوى بقواعد عسكريّة وبعقود اقتصاديّة ليست حصريّاً فقط لموسكو.
الرّوسي لا يرى نفسه خاسراً إذا ما استرضى الأميركيّين والأتراك وبادلهم نفوذاً لهم وتقاسماً بينه وبينهم للأراضي السّوريّة مقابل إقرار بنفوذٍ نهائي له في سوريّة لا يعارضونه به لاحقاً.
أمر يعتبره السّوريون خطّاً أحمراً لن يقبلوا به بتاتاً كما لن يقبلوا أيّ تدخل إيراني أو روسي بمؤسّساتهم السّياديّة وأهمها الجيش.
فجأة ظهرّ سعار روسيّ للحصول على عقود عبر وسطاء محليّين فتسبّبوا بالأزمات الأخطر.
وفجأة صار لأدوات روسيّة قنوات تنتج مسلسلات وتبثها وصار للفنانين رأي في مواقف الرّئيس من الأزمة؟؟
في سوريّة حكومة فعّالة بقدرٍ كافٍ لتأمين حليب الأطفال رغم الفساد والمحسوبيات ورغم كاريكاتوريّة مؤسسات الرّقابة
لكن كانت مصالح الناس المعيشيّة بالحد الادنى ليست بالسّوء الذي يوصف بالكارثيّ.
فكيف ولدت الأزمات الأخيرة؟؟
ومن حوّلها الى حربٍ ضدَّ الموالين وإلى حربٍ من الموالين ضدَّ مكانة الرّئيس؟؟
مثال على الأزمة المفتعلة:
الغاز منتج يمكن تأمينه بسهولة محلياً أو بالاستيراد.
استعادت الدّولة سيطرتها على حقولٍ تكفي الحاجات المحليّة. لكنْ تحتاج وزارة النّفط للحصولِ على موادٍ مستوردة من الخارج تُضافُ في خطِّ الإنتاج إلى المادة الخام فيُنتج من الغازِ الخام ما يسمى بالغازِ المنزلي.
كان المعتاد تعويض النّقص أيضاً بالاستيراد من الخارج، فمن أوقف الاستيراد؟؟
آلية الاستيراد تعطّلت بسببِ صراع حيتان تابعون للدّولة مع حيتان سوريّين موالون للرّوس.
فبسبب مساعي سوريّين عملاء للرّوس للحصولِ على كافة العقود غابتْ أيّ حلول بديلة، ومن حصل على عقود الاستيراد تخلّف عن تنفيذها.
لن أسمّي لأسباب قانونيّة.
أزمةُ الحليبِ شبيهة بذلك لكنْ هذا لا يعني أنَّ الدّولة سليمة، فهي تعاني دون تدخّل روسيّ من أزمات وجوديّة أهمها الفساد والتسيّب وغياب آليات مستقلّة للمحاسبة.
الأزمات الحاليّة لم تشهدها سورية حتى في أشدِّ مراحل الحرب وسبب الأزمات الحاليّة ليس فقط سعي “روسيّ” لقضم شعبيّة الدّولة ورموزها، بل تتكافل أسباب عديدة لتعميق الأزمات المعيشيّة، وهدف جميع العاملين على هذا الخيار إسقاط مناعة سوريّة أمام ضغوط العدو والحليف.
الرّوس يريدون خلقَ أبطال محليّين تابعين لهم على المستويات كافة وفقاً لقاعدة استعملوها في الشّيشان.
ركِّزوا أعينكم على التّرويج المبالغ به لعسكري (أبله) ولحوتٍ ماليّ يريد الرّوس من خلاله السّيطرة على كافة المصالح التي تملكها الدّولة.
في القطاع الخاص أكثر من مئة مليار من الاستثمارات الخاصة المملوكة فعلياً للدّولة عبر شخصيات وحيتان ورموز هي فعلاً فاسدة لكن خلاصة فسادها الماليّ تصبُّ في جيوبها مقابل كم هائل من الأرباح يصبُّ في جيب وزارة الماليّة السّوريّة.
الحصار الطويل من قبل الأميركيين خلق ردَّة فعلٍ سوريّة عبر آلية معقّدة لتأمين كتل ماليّة براغماتيّة حكوميّة دون بيروقراطيّة الحكومة لذا هناك رموز ماليّين محصّنين يستغلّون حصانتهم لتأمين فوائد هائلة لأنفسهم ثم للدّولة.
بالمقابل وضع الرّوس مقابل هؤلاء رموزاً ماليّين فاسدين وحيتاناً مخيفة، لكن فوائدهم ليست للدّولة بل لروسيا وشركاتها ومافياتها.
لماذا يفعلُ الرّوس بأصدقائهم السّوريين ما يفعلون؟؟
إنها ثمار الانتصار، فبوتين حليف الحرب هو شبه عدو في السّلم يسعى لمصالح بلاده، وفي سبيل تحقيقها هو يقدّم من جيب السّوريين جوائز ترضية لكلٍّ من تركيا وأميركا ومن جيب الإيرانيّين قدّم جوائز لإسرائيل.
حَصرُ فوائد انتصار الدّولة السّوريّة في الحربِ بيد الرئيس الأسد تعني كابوساً للأعداء.
والرّوسيّ لا يريد خلق كوابيس لأحد إن كان في ذاك مصلحته.
الانتصار يعني أنَّ” الأسد” سيكون اللاعب الأقوى في الحلِّ السّياسي، فهل فعلاّ تملك روسيا عقل القديسين وتتعامل مع الملفات الدّوليّة بطريقةِ الملائكة؟؟
قرار سوريّة المستقل يعني طرد كل المحتلّين والطّلب من الحلفاء التزام شروط المعاهدات العسكريّة.
فهل من مصلحة الرّوس أنْ لا يملكوا السّيطرة على خيارات سوريّة، أم أنَّ من مصلحتهم تقاسم النّفوذ فيها مع أعداء دمشق؟؟
الجواب واضح من الوقائع، فالرّوسي يتعاطى مع الجميع على أنّه حليفهم في سوريّة.
في التّاريخ مجدّداّ:
بين أعوام 1568 و1918 خاضت روسيا والامبراطورية العثمانيّة ثلاثة عشر حرباً انتهى بعضها بانتصار روسيا وأخرى فاز فيها العثمانيون.
قاتلت روسيا في حروبها ضدَّ العثمانيّين لتوسيع إمبراطورتيها فانتهى الأمر بجني البريطانيّين والفرنسيّين لثمارِ الهزائم العثمانيّة كاملة.
فلاديمير وبوتين ليس شخص بل مؤسّسات ورثتها روسيا عن السّوفيات، مؤسّسات لا تريد أنْ ترثَ هزائم القيصر لا بل تسعى للنّيل من التّاريخ باستثمار الحاضر في سوريّة.
الخلاصات واضحة:
في سوريّة اليوم صراع على تقاسم المصالح عنوانه تعاون ومفاوضات روسيّة تركيّة أميركيّة لتقاسم ثمار السّلم المقبل.
في سوريّة أيضاً قرار دوليّ بطردِ إيران حليف سوريّة غير المتطلّب عبر الرّوس.
في سوريّة قضم روسيّ مبرمج لقوة العصب الصّامد للدّولة.
وفي سوريّة هجمات إعلامية ضدَّ الرّئيس السّوري مباشرة من خلال أدوات محليّة، ومحاولات شديدة لإضعافه ولإضعاف المؤسّسات الرّسميّة وذلك عبر افتعال أزمات وشنّ حملات وقيادة عمل حربيّ إعلاميّ نفسيّ يستهدف الرّئيس والدّولة باسم آلام الشّعب.
هل الرّوسي عدو ؟؟
رب حليف أشدُّ خطراً من الأعداء.

اترك رد