دمغة “حزب الله” و”نظام الأسد” على “حكومة لبنان”

عبدالوهاب بدرخان

قد تكون منظومة الحكم اللبناني ربحت جولة في مواجهة الانتفاضة الشعبية، إذ نصّبت لنفسها حكومةً تعمل في خدمتها ويفترض أن تساعدها في طيّ صفحة “17 تشرين”. غير أن هذا المكسب معرّض للمرور بعشرات الاختبارات قبل أن يتأكّد، وقبل أن يُشعر أهل السلطة (“حزب الله”، “حركة أمل”، “التيار العوني”) بأنهم حقّقوا ما أرادوه عندما قرّروا أن ثورة الشعب ليست حدثاً ولا تستحق منهم أي مراجعة لسياساتهم وخياراتهم، إن لم يكن أيضاً لخطابهم ولغتهم ولجوئهم الى “البلطجة” لإسكات الشارع.
كان لا بد من وجود حكومة جديدة. هذا مطلب الحراك الشعبي منذ طالب باستقالة الحكومة السابقة. ثم صار مطلباً دولياً لأن الدول الراغبة في مساعدة لبنان تحتاج الى حكومة تتواصل معها. لا بدّ من التذكير بأن أهل السلطة ضغطوا على سعد الحريري كي لا يستقيل، لكنه فعل مجيّراً استقالته كاستجابة للحراك، وأراد بذلك الضغط على الشركاء في الحكم الذين واصلوا ضغوطهم كي يعود على رأس حكومة كتلك المستقيلة، مع بعض التنقيح، لزوم التحايل على الشارع. وفي نهاية المطاف جيء بحسان دياب رئيساً ضعيفاً لحكومة مطواعة استغرق تركيبها أكثر من شهر، على رغم أن الأزمة الاقتصادية والمالية كانت ولا تزال تنخر في أسس النظام والدولة وآخر ما تبقّى من الميزات التي كان لبنان ينفرد بها.
تلك أزمة جذرية وعميقة تتطلّب حكومة قوية وقادرة على اتخاذ قرارات جريئة وغير مسبوقة لإنقاذ الدولة، بل كانت لتستحق خطوة تاريخية كأن تتجاوز منظومة الحكم اعتبارات المحاصصة الطائفية – مثلما فعل الشارع حين خرج إليه اللبنانيون متناسين انتماءاتهم الدينية. لكن الواقع المحنّط الذي يوجد فيه أقطاب “الحزب” و”أمل” والعونيين فرض منذ زمن إقصاءً أو تقزيماً لأي أشخاص يمكن أن يظهروا أو تتاح لهم فرصة أن يتبلوروا كرجال دولة. ففي الحساب الأخير كانت الخدمات التي أسداها حسان دياب لـ “حزب الله” وحلفائه، حين تولّى وزارة التربية في “حكومة اللون الواحد” (2011)، هي التي لفتت إليه للخروج من استحالة العثور على سياسي سنّي يمكن تسييره فيما هو يعتقد أنه يسيّر الحكومة.
لا داعي للتوسّع في تفنيد نبذات النساء والرجال الذين جرى توزيرهم، فباستثناء اثنين أو ثلاثة يوجدون في الأمكنة المناسبة يمكن القول أن الآخرين أقحموا في أماكن وملفات لم يتصوّروا يوماً أن يدعَوا إليها. الأسوأ أن عدداً مهمّاً منهم تنطبق عليه معايير الفساد. أما الأكثر سوءاً فهو أنهم مكلّفون بالسهر على عدم إثارة أي ملف فساد يتعلّق بالذين اختاروهم، فضلاً عن السهر على أي مكاسب محتملة لاحقاً، فقد يكون الوزراء والوزيرات من النزهاء والنزيهات لكنهم ملزمون أولاً بحراسة مصالح أسيادهم، وسيكون مدعاة للسخرية الإدّعاء بأنهم منشغلون أولاً بمصالح الشعب والدولة. ولعلهم هنا يُعذرون لأن كبار الدولة أثبتوا أنهم مهتمّون أولاً بجيوبهم وحساباتهم البنكية ثم بمناطقهم وأحزابهم وزبانيتهم، أما الدولة والشعب فيأتيان في منزلة متأخرة.
بمعزلٍ عن الاعتبارات هذه فإن المهم الآن هو ما تستطيعه هذه الحكومة طالما أنها “تكنوقراطية”. يجمع خبراء المال على أن لبنان يحتاج الى 4 – 6 مليارات دولار بشكل ملحّ وعاجل لإعادة العجلة الى ما كانت عليه، سواء في تصحيح سعر صرف الدولار أو في تلبية متطلبات الغذاء والدواء والطاقة. بادر وزير المال الجديد الى إعلان أن الدولار لن يعود الى سعره السابق، أي أنه حتى لو وافق البنك الدولي على المساعدة المتوخّاة، وهو لن يوافق، فإن الوضع المالي لن يستقيم وستبقى المخاطر محيقة بالودائع المصرفية. المرجّح أن يقدّم البنك الدولي ومموّلون آخرون (فرنسا) أقلّ من المليارات المطلوبة، وبالتالي فإن الصعوبات المعيشية ستستمر.
في الوقت نفسه تلقت الحكومة مطلباً دولياً موحّداً: أن تبادر الى إصلاحات حقيقية وعاجلة كي يُصار الى انقاذ لبنان وفرملة اندفاعه الى الانهيار. كانت تلك الإصلاحات محدّدة منذ منتصف 2018 بالتزامن مع مؤتمر “سيدر” الذي تعهّد 11 مليار دولار لمشاريع إنمائية متنوعة، وأُرفق ذلك التعهّد بتحذير واضح بأن التهاون في الإصلاحات سيقود الى وضع خطير، وقد تكرّر التذكير بتلك التحذيرات. لكن تحليل أداء منظومة الحكم منذ ذلك الوقت وصولاً الى “ثورة 17 تشرين” يكاد يشي بأن أحزاب السلطة الثلاثة كانت تستدعي الكارثة استدعاءً ولا تعمل على استباقها وتجنّبها، كما لو أن التهوّر كان مبرمجاً، إذ ضاعت تعهدات “سيدر” ووعودها التنموية بما تعنيه من ضمانات لاقتصاد البلد، ليحلّ محلّها التسوّل لتأمين حاجات الحياة اليومية.
فيما كانت العقوبات الاميركية تشتد على النظامَين السوري والإيراني، وبالتالي على “حزب الله”، اعتمد “الحزب” مبدأ تكييف اقتصاد لبنان وماليته مع هذا الواقع ليستفيد هو والنظام السوري منهما، وليس النأي بهما وبلبنان عن مؤثرات العقوبات. كان في هذا التوجّه تحقيقٌ لمصلحة سياسية لكنها تبقى متواضعة الجدوى على المدى القصير، وكان فيه احباط لأهداف “سيدر” التي اعتبر “الحزب” أنها ضدّه فأي ازدهار للبنان بأموال غربية وعربية لا بد أن ينتقص من هيمنته على البلد ومن تبعية البلد لإيران. وبعدما جهد حسن نصرالله لإفساد علاقة لبنان بالدول الخليجية، كما بالدول الغربية، من خلال إصراره على تأكيد سيطرته على الدولة اللبنانية ومفاصلها، فإنه تعامل مع مشروع “سيدر” على أنه اختراق لا تسمح به ايران لإحدى عواصمها.
لكن هل أن الانهيار الحاصل مالياً واقتصادياً يناسب مقاربات نصرالله وحزبه أم سيجبرهما على تغييرها، أقلّه لكي تتمكن “حكومة دياب”/ “حكومته” من العمل؟ لا شك أن لديه مصلحة في أن يتحسّن الوضع المالي اللبناني علّه يساعده في تعويض ما يخسره من التمويل الإيراني المعتاد، لكن ما يتأكّد الآن أكثر فأكثر أن دمغة “حزب الله” و”نظام بشار الأسد” على “حكومة لبنان” كفيلة بجعل الولايات المتحدة وأي دولة عربية مانحة تضيّق الخناق على لبنان، أي أن عرابَيْ الحكومة مطالبان بتحمّل مسؤولياتهما في انقاذ البلد، علماً بأن كلّاً منهما لا يهجس إلا بإنقاذ نفسه.

اترك رد