رسالة من هبة اسماعيل الحامض، ابنة الدكتور اسماعيل الحامض الذي اختطفته داعش الإجرام .

الى أبي الغائب الحاضر
تجتاحني بشكل مفاجئ الرغبة في الكتابة عنك، ربما هذه الرغبة هي صدى للحنين الذي ما انقطع منذ أن غبت عنا إلا أنه يصبح كثيفاً موجعاً في لحظات معينة، ربما هي لحظات الوجع والضعف والخوف، لحظات التساؤل عما قد يحدث لو كنت هنا، عن الطريقة التي كانت ستجري بها الأمور لو أنهم ما خطفوك منا ، عن شكل حياتنا في منفانا ” لو” وما أقساها من كلمة “لو” أن كل ذلك لم يحدث ..
لا أخفيك سراً أن هذه التساؤلات لا تفارقني، تفاصيل الحياة اليومية تفرضها عليّ بالرغم مني، أجدني أسيرة لها في كل موقف أتعرض له، أتساءل:
كيف كان لك أن تتعامل مع تفاصيل ومشاكل المنفى، كيف كنت ستثابر على حمايتنا ورعايتنا في بلاد أعلم أنك كنت ستفقد فيها الكثير من رصيدك ومصادر قوتك
هل كنت ستطور لغتك الفرنسية التي كانت مداعاة فخرٍ لي منذ طفولتي، أبي الطبيب ابن الريف المهمل والفقير، يتقن اللغة الإنكليزية والفرنسية بفضل جهدٍ شخصي ، يتحدثهما بطلاقة في بلاد لا يتعلم أبنائها اللغات إلا ما ندر؟ هل كنت ستعادل شهادتك في الطب وتمارس المهنة بالرغم من صعوبة إعادة تقديم الامتحانات في سنك الخمسين، أعلم أنك كنت ستنجح فلا شيء عصي عليك إلا هذا التغيب القسري الذباح…
كيف كنت ستتناول فنجان قهوة الصباح أو المساء مع أمي وبالذات بعد أن ازداد عدد الراغبين في تناوله معكما، فتياتك اللواتي كبرن كثيراً في غيابك، العطشات لنقاشات المساء، كيف كنتما ستقضيان الوقت معاً في ظل انشغالنا نحن الفتيات في حياتنا الدراسية والمهنية ؟
أتساءل كيف كنت ستتناول موضوع مستقبلنا، دراستنا، مشاكلنا العاطفية، خيارات الشريك؟
كيف كنت ستناقش معنا مختلف القضايا السياسية، مواقفنا منها ، أشتاق لنقاش واحد فقط معك ، حول أي قضية كانت وبالذات تلك التي يختلط فيها الموقف السياسي مع الإنساني، أكيدة أنك كنت سترجح الموقف الإنساني، لكنني أتوق لسماع كلماتك ولمعرفة الطريقة التي ستحاول فيها توعيتي وإقناعي بوجهة نظرك، لا أعلم لماذا أستخدم الفعل إقناعي، لم تحتاج يوماً لإقناعي بأي شيء، مواقفك وأراءك كانت بالنسبة لي مقدسة، تنال ثقتي بشكل كامل، إلا أنني كبرت كثيراً وتعلمت كثيراً، ربما ستحتاج الوقت لإقناعي ، ربما كنا لن نتفق على بعض الأشياء، لا أعرف أبي .. يبقى السؤال بلا أي إجابة ..
أتساءل ..
كيف كنت ستتعامل مع حازم، الشاب الوحيد والذي بلغ من العمر السابعة عشر، يفتقد الأب الصديق الذي كنته لنا نحن الفتيات عندما كنا في سنه ، أكيدة أنك كنت أقدر على استيعابه ، فهمه وإقناعه كما كنت تفعل معنا، لكنني أتوق لمعرفة كيف كانت الأمور ستجري معه بوجودك، كيف كنتما ستخرجان سوية ، تتناقشان فيما يشغل بال حازم من قضايا البيئة وقضايا المجتمع والقوانين الفرنسية والإضرابات والموسيقا وتساعده في اختيار فرعه الجامعي

كيف كنت ستلعب مع حفيدتنا تالا، كيف كنت ستحادثها وتقول لها “جدو تلتولة “؟
أخبرتني أمي أنك كنت أباً صبوراً كثير التواجد معنا، اعتدت منذ ولادتنا أن تخصص وقتاً جيداً لنا رغم تعب العمل ومشقات الحياة، تحادثنا لساعات حتى قبل أن نتعلم الكلام، علمتنا المشي، كنت تفتح ذراعيك لتعطينا الدافع لنمضي إليك ونعانقك، علمتنا السباحة، النهم للقراءة، البسكليت ،ما تركوا لك الوقت لتعلمنا قيادة السيارة.. خطفوك قبل أن تفعل
هل كنت ستعيد كل ذلك مع تالا؟ هل سيبقى لك من الصبر لتفعل ذلك؟ هل كنت ستحبها أكثر منا؟
لا أعرف أبي كيف كان سيكون الحال، وهذا أكثر ما يعذبني، يوجعني الصمت الذي يواجه كل هذه التساؤلات، يذبحني في الصميم.. إلا أنني لا أملك إلا الصبر والأمل بعودة قريبة تحمل كل الإجابات.

اترك رد