“سوريا المصغّرة”.. كيف هندس “التهجير القسري” ديمغرافية السكان في إدلب؟

أدت عمليات التهجير القسري التي طاولت عدداً من سكان المناطق السورية، عقب هجمات النظام السوري عليها ورفضهم الانصياع لحكمه في مناطقهم من جديد، إلى إعادة هندسة الخريطة السكانيّة في محافظة إدلب، وتغيير في كثير من معالمها، من خلال ما خلّفته من نشاطات بشرية جديدة كـ”تجمعات سكّانية تحوي سكاناً من منطقة ما” كما في مخيمات كفرلوسين التي تضمّ مخيمات لسكان مهجّرين من ريف حمص مثالاً أو درعا أو القنيطرة، أو من خلال تجمع عدد معين من المهجّرين قسراً في حيّ ما داخل القرى والبلدات أو في قرية بأكملها كما في “الفوعة وكفريا”.

وجه سكاني جديد:

بدأ سكّان محافظة إدلب بالتزايد منذ بدء الثورة السوريّة، بعد عودة كثير من مهاجري الأرياف إلى المدن خوفاً من الملاحقة الأمنيّة أو هرباً من تسلّط أجهزة المخابرات وأيضاً للمشاركة في الحراك الشعبيّ ضدّ النظام السوري حيث البيئة الآمنة نسبياً عن المدن الرئيسية والمغيّبة عن الحملات الأمنية المكثّفة نوعاً ما، ومع تسيير أولى قوافل التهجير القسري إلى مناطق الشمال السوري بدأت ملامح التركيبة السكانية تتغير في إدلب (الوجهة الرئيسة لقوافل المهجّرين)، كما بات عدد السكان يتضاعف على وتيرة أسرع حتى تجاوز ثلاثة أضعاف من عدد السكان المقيمين في المحافظة قبيل انطلاق الثورة السورية.

يمكن حصر عملية تغيير التركيبة السكانيّة وفي عبارة أخرى “الهندسة الديمغرافيّة” في إدلب، وبشكلٍ منتظمٍ خلال السنوات الأربع الماضية وبالتحديد مع عمليّة تهجير سكّان مدينة داريا بالغوطة الغربية إلى الشمال السوري في 26 آب/ أغسطس من العام 2016 الذي كان حافلاً بـ”حملات التهجير” إذ تبع عملية تهجير داريا كلاً من مناطق “خان الشيح وزاكية في ريف دمشق 28 تشرين الثاني/ نوفمبر وقدسيا والهامة في 14 تشرين الأول/ أكتوبر والمعضمية في19 منه، فيما اختتم آخر شهر في السنة (كانون الأوّل/ ديسمبر) بتهجير سكان بلدة التل وأحياء حلب الشرقيّة، تلاها في العام 2017 تهجير مناطق “وادي بردى” وتنفيذ اتفاق المدن الأربع “كفريا الفوعة والزبداني ومضايا” ومخيم اليرموك.

أرقام وإحصاءات:

وفقاً لإحصاءات أدلى بها “محمد حلاج” لـ”بروكار برس” مدير فريق “منسقو الاستجابة” (وهو فريق مهتم بالمسح السكاني لمنطقة شمال غرب سوريا ورصد الحالة الإنسانية فيها)، فإنّ تعداد مناطق شمال غرب سوريا التي تشكل محافظة إدلب النسبة الأكبر فيها إلى جانب جيوب من أرياف حلب وحماة واللاذقية الخارجة عن سيطرة النظام، بلغ قرابة 4 مليون نسمة و352 ألف نسمة مع نهاية عام 2019 المنصرم، يشكل السكان المقيمين (الأصليين) نسبة 50% أي بتعداد قارب مليونين ومئتي ألف نسمة، بينما بلغت نسبة النازحين داخلياً والمهجرين قسراً 49% بتعداد قارب مليونين ومئة ألف نسمة.

المهجرون قسراً:

بلغت أعداد المهجرين قسراً إلى مناطق الشمال السوري أكثر من 218459 نسمة خلال حملات التهجير بين عامي 2016 و2018 من أكثر من 25 منطقة من مختلف المحافظات السوريّة، بحسب إحصاءات “منسقو الاستجابة” أبرزها (جنوب دمشق وبلدات القلمون ودرعا والقنيطرة وأرياف حمص ومدينة حلب والغوطة الشرقية والقنيطرة) تركز معظمها في مناطق محافظة إدلب.

آثار النزوح والتغيير الديمغرافي (داخلياً):

مع بدء هجوم قوات النظام السوريّ بدعمٍ روسي إلى مناطق إدلب في شهر شباط/ فبراير 2018 بدأت موجات نزوح ضخمة من مناطق أرياف حماة الغربية والشماليّة وجنوب وشرق إدلب، ومع فقدان المعارضة السورية مناطق شمال حماة ومدن خان شيخون ومعرة النعمان مؤخراً وإخلاء مناطق أريحا وجبل الزاوية وسراقب من سكّانها بفعل الهجمات الروسيّة والتابعة للنظام، أفرغ جنوب وشرق إدلب من سكانه تماماً على حساب شمال المحافظة.

ووجد السكان النازحين من تلك المناطق والتي قدرها “منسقو الاستجابة” بمليون و600 ألف نسمة من سكّان المناطق الأصليين ومن المهجّرين قسراً، وجدوا في قرى وبلدات شمال إدلب والمناطق الحدوديّة ملاذاً آمناً بعيداً عن العمليات العسكريّة جنوب وشرق المحافظة إلا أنّ ذلك كان له أثر كبير في استيعاب تلك المناطق للضغط السكاني والاستعداد الخدمي والبنيوي لموجات النزوح الضخمة، تمثّلت في صعوبات إيجاد المنازل السكنيّة وكذلك الضغط على المدارس وفرص العمل، وفقاً لم يفيد محدثنا “حلاج”، فضلاً عن التهديد الأمني واحتمالية ارتكاب مجازر وسقوط ضحايا مدنيين من أي استهداف قد يطاول هذه المناطق المكتظّة سكانياً.

ويوضح “حلاج” لـ”بروكار برس” أنّ للتهجير والنزوح والتغيير المستمر في أماكن الإقامة أبعاد مختلفة علاوةً عن الاقتصاديّة والضغط السكاني، تكمن في معاناة الأسر النازحة في التنقل الدائم بحثاً عن دعم إنساني وإيجاد ملامح الاستقرار في معيشتها في ظل قلة وفقر مدقع لكثير من السكّان.

الفلسطينيون.. ضيوف جدد على المحافظة:

يعتبر الوجود الفلسطيني في إدلب جديداً على التركيبة السكانية في المحافظة، بعد أن كان اقتصاره على مجرّد أفراد، ساهم في ذلك عملية التغيير الديمغرافي التي انتهجها النظام السوري والميلشيات المدعومة إيرانياً والفلسطينية الموالية لها، بعد تهجير سكان من جنوب دمشق وخان الشيخ ومخيم اليرموك أيضاً، حيث قدرت إحصائية لـ”منسقو الاستجابة” وصول أكثر من 8600 مهجر قسري من اللاجئين “الفلسطينيين والعراقيين” إلى الشمال السوري.

كفريا والفوعة.. إجلاء عكسي:

على نحو معاكس، شهدت بلدتا كفريا والفوعة الواقعتين شمال إدلب تهجيراً عكسياً لسكانهما البالغة أعدادهم 7 آلاف شخص خارج محافظة إدلب، في 18 تموز/ يوليو 2018 التي يقطنهما أعظمية من الطائفة الشيعيّة وتسيطر عليهما قوات النظام السوري وجماعات محلية مدعومة إيرانياً وعناصر من حزب الله، وفقاً لما عرف بـ”اتفاق المدن الأربع” اتفقت عليه فصائل عسكريّة (أحرار الشام وهيئة تحرير الشام) من جهة مع قوات النظام السوري وإيران وحزب الله من جهةٍ أخرى وبرعاية أطراف إقليميّة، مقابل تهجير “الراغبين” من مدينتي مضايا والزبداني الخاضعتين آنذاك لسيطرة فصائل المعارضة السورية، ومع إجلاء سكان البلدتين باتت محافظة إدلب بلا “شيعة”.

ومع إفراغ تام شهدته البلدتان، قطنهما سكّان مهجّرون قسراً من مختلف المناطق السوريّة على شكل قطاعات بحسب كل منطقة، وفقاً لما أشار “أبو مصطفى” مسؤول مكتب الإحصاء في المجلس المحلي في بلدة الفوعة (مجلس أسسه مهجرون قسراً يقطنون البلدة).

وأوضح في حديث لـ”بروكار برس” أنّ بلدة الفوعة يقطنها 5500 نسمة من مهجري جميع المحافظات السورية منها (دمشق وحلب وحماة وحمص ودرعا والقنيطرة والرقة وريف اللاذقية)، فضلاً عن 1500 عائلة جديدة نزحت إلى البلدة جراء الهجمات الأخيرة على مناطق جنوب وشرق إدلب.

اقتلاع “سوريا المصغّرة”:

يحاول النظام السوريّ بدعمٍ روسي خلال هجماته القائمة على محافظة إدلب المعروفة بـ “سوريا المصغّرة” نظراً لما حوته من مختلف سكان المحافظات السوريّة، إلى ضرب هذه التشكيلة السكانية المهجّرة قسراً والتي رفضت التصالحه معه تحت أي ظرفٍ، واقتلاعهم من قراهم وبلداتهم ومدنهم وحتّى مخيّماتهم، بفعل هجمات مستمرة منذ قرابة العام.

ولا بُدّ من التأكيد على أنّ معظم سكان محافظة إدلب، مقيمين ومهجّرين يعيشون ضمن ظروف معيشية متدهورة جداً مع زحف قوات النظام السوري وسيطرتها على قراهم وبلداتهم، بالتوازي مع هجمات جوية مستمرة على الأحياء السكنية، وسط حالةَ غلاء “فاحش” ومعاناة يومية في تأمين أبرز احتياجات العائلة.

بروكار برس

اترك رد