ما بعد التهجير.

ياسر الصوفي.

لاشك أن التجربة التي تعرضنا لها في الآونة الأخيرة ونحن نودع بيوتنا ومرابع طفولتنا وشبابنا قاسية إلى حد لا يوصف، ولا شك أيضاً أن فقدنا لمصادر معيشتنا وسبل الحصول على حاجاتنا الحياتية الدنيا ،افقدنا الشعور بالاستقرار الذي هو بالأساس شعور ناقص .
كل ذلك يعتبر خسارة كبيرة لكل فرد منا على الصعيد الشخصي والعائلي والإنساني، لكن الخسارة الأكبر هي أن تبقى هذه التجربة حبيسة الشعور بالألم والتعبير عنه حتى يتحول هذا الشعور إلى حالة من الندب والنحيب والبكاء على الأطلال الذي لا يثمر ولا يحقق أية نتيجة واقعية. ومن المؤسف حقا أن تبقى طريقة تعاطينا مع الأحداث التي مرت بنا بذات الطريقة الساذجة الانفعالية والسطحية وتبقى قراءتنا للأحداث مرهونة بالتفاصيل دونما الولوج إلى إلى عمق أسباب مأساتنا، والبحث عن إيجاد السبل الكفيلة بتخفيف حجم الكوارث التي حلت بنا، ولكي لا تتحول كل التضحيات التي قدمها مجتمعنا إلى تضحيات مجانية لا بد لنا من أن نبدأ طرح الأسئلة العميقة والجريئة التي تتناول بالنقد البناء تجربة أكثر من تسع سنوات ليست عابرة من حياتنا، بل هي الأهم والأخطر، حيث أنها شكلت منعطفاً تاريخياً قاسياً يختصر حقبة تاريخية تتجاوز الألف عام.
لا بد أن نكون على يقين بأن إعادة إنتاج النظام عسكرياً هي مرحلة مؤقتة، فكما فشل الخيار العسكري الذي تبنته الثورة ولو مكرهة ،سيفشل أيضا الخيار العسكري الذي ينتهجه النظام، فلا يمكن لأية جهة تجاوز الكوارث التي حلت بالمجتمع السوري، ولايمكن تحقيق الاستقرار في البلاد دون تحقيق العدالة الاجتماعية التي هي حاجة حقيقية لمجتمعنا وليست مجرد شعار.
الذي يخفف شعورنا بالخيبة هو أن نكون قادرين على الوقوف من جديد مع ذاتنا ونقد تجربتنا بجرأة وصراحة دون اللجوء إلى استثارة المشاعر والعواطف الهشة التي تذهب كما يذهب الزبد.
إعادة إنتاج خطابنا وعلى كافة الصعد هو الشرط الأول والأهم لتأسيس إمكانية انطلاقة جديدة و وواقعية.

اترك رد