دول “وطنية” من دون مشاريع وطنية

عبدالباسط سيدا

أثبتت الدولة الوطنية التي تشكلت حديثاً في منطقتنا بعد الحرب العالمية الأولى عجزها، وإخفاقها المريع في التعامل مع القضايا الوطنية وعلاجها، هذا على الرغم من الإمكانات الكبيرة، والظروف المواتية نسبياً التي حظيت بها. والسبب يعود، في الأساس، إلى غياب مشروع وطني حقيقي، له حامله الاجتماعي الذي كان في مقدوره طمأنة سائر المكونات التي انضوت تحت لواء هذه الدول قبل نحو مائة عام؛ وذلك بناء على حسابات الدول المنتصرة في الحرب، وجهود الدول الإقليمية، خصوصا تركيا، فالدول “الوطنية” المستحدثة التي كانت حصيلة التوافقات الدولية، وجدت نفسها محكومةً بقيادات مرتبطة بإرادات الدول، أو على الأقل مضطرّة إلى التكيف معها، ومراعاة توجهاتها. وهذا يسري على القيادات المدنية والعسكرية في الوقت ذاته. هذا على الرغم من الهامش النسبي الذي استفادت منه تلك القيادات في فترة الخمسينيات، من جهة القدرة على التحرّك بين المعسكرين، الشرقي والغربي. وفي سبيل شرعنة حكمها، لجأت الأنظمة الحاكمة في الدول المعنية إلى تجييش الناس عبر استخدام الشعارات القومية الكبرى، المطعّمة، في أحيان كثيرة، بنكهة اشتراكية، خصوصا في ظل الأنظمة العسكرية التي كانت قد ارتبطت بعلاقات أو بمعاهدات مع الاتحاد السوفياتي السابق، وذلك للمصادرة على نشاط الأحزاب الشيوعية من ناحية؛ واستمالة القوى الشعبية مقابل 

إضعاف الخصوم المحتملين من الفئات الوسطى وكبار الملاكين والتجار وأصحاب المصانع من ناحية ثانية.
أما المعارضة ذات التوجهات الدينية، فقد كانت بصورة أساسية متجسّدة في الأحزاب والقوى الإسلامية التي اعتمدت مشروع الخلافة الإسلامية واستلهمته بأشكال ومسمّيات مختلفة، في عملية كسب الأنصار، وتعبئتهم في مواجهة الأنظمة المعنية. واستمرت الأمور هكذا نحو مائة عام، تراكمت خلالها الحصيلة السلبية لجملة المشكلات، بل برزت تحدّيات كبرى مستجدّة لم تتمكن الأنظمة المشار إليها من تأمين مقوماتها، وكأنها لا تعنيها، واستفحل الفساد والاستبداد حتى تفجر الغضب الشعبي المنتظر.
ليس المقام هنا بصدد متابعة جملة الأحداث التي كانت بتفصيلاتها، وفي سياق تسلسلها الزمني، فذلك يأخذ وقتاً وحيّزاً، لا تسمح بهما عادة طبيعة مقالات الرأي. وإنما سيتم التوقف عند ظاهرة الإعلانات الصريحة التي سمعناها، ونسمعها هنا وهناك، ويقر أصحابها من خلالها بكل وضوح، ومن دون أي تردّد، بولاءاتهم الخارجية، مع التزامات أيديولوجية، وموجبات تبعيتهم لهذه القوة الإقليمية أو تلك. هذا ما وجدناه، ونجده لدى حزب الله، وأمينه العام حسن نصر الله تحديداً في لبنان الذي أعلن صراحةً أنه جندي من جنود نظام ولي الفقيه. بل أعلن أن ولي الفقيه هو إمام العصر، كما أعلن مراراً وتكراراً أنه مستعد لخوض الحرب دفاعاً عن إيران. أما لبنان، فيبدو أنه مجرّد منصة للانقضاض على الدولة، وإطلاق الصواريخ وقت اللزوم؛ وبما ينسجم مع استراتيجية نظام ولي الفقيه، وذلك بناء على التوجيهات والأوامر. والأمر كذلك مع 

قادة المليشيات العراقية التي تشكّلت، تماماً كحزب الله، بناء على قرارات النظام الإيراني. وتمكّنت من الهيمنة والسيطرة والتحكّم، بفعل الدعم الشمولي الذي تلقته من النظام الإيراني، حتى احتلت الدولة العراقية التي أصبحت مصدر تمويلها وتسليحها، ولكن القيادة ظلت كما كانت بيد نظام ولي الفقيه، فالدولة العراقية الوطنية هي بالنسبة لتلك المليشيات مجرّد أداة للتغطية والشرعنة، ومصدر المال. وهذا ما يُلاحظ من خلال تحول عديد من هذه المليشيات إلى قوى سياسية مؤثرة ضاغطة في مجلس النواب العراقي، لا تخفي رغبتها في السيطرة على السلطة التنفيذية، علانية أو مواربة، أصالة أو وكالة.
وعلى الجهة المقابلة، لم تكن القوى الإسلامية السورية بعيدةً، هي الأخرى، عن مثل هذه التوجهات، هذا على الرغم من تأكيداتها المستمرة الخاصة بالتزامها بالمشروع الوطني السوري الذي لن يكون فاعلاً، ولن يستحق اسمَه، ما لم يكن مطمئناً لكل السوريين، فقد وجدنا هذه القوى بأسمائها المختلفة كيف أصدرت بيانات التأييد والدعم للتدخل العسكري التركي في سورية، بل وقفت إلى جانبه في عمليات “درع الفرات” و”غصن الزيتون” و”نبع السلام”، ومن دون أية مراعاة للحسابات والمصالح الوطنية البعيدة المدى؛ الأمر الذي أدّى إلى إحداث فجوة كبيرة بين العرب والكرد، وبين السنة والعلويين والمسيحيين. هذا في الوقت الذي يلزمنا المشروع الوطني بالبحث عن القواسم المشتركة، والقواعد الجامعة التي تمكّننا من تحسين ظروف العيش المشترك بين المكوّنات السورية ضمن الإطار الوطني السوري الذي كنا، وما زلنا، نرى بأنه لا بد أن يكون مصدر الأمان والاستقرار للسوريين جميعاً، وللمنطقة بأسرها، وجسراً للتواصل والتمازج الحضاريين بين شعوبها، فتركيا دولة إقليمية كبيرة، لها حساباتها، وتتحرّك وفق مصالحها، وربما تأخرت كثيراً في الموضوع السوري، فمنذ البداية كانت لديها إمكانات التحرّك، أو على الأقل التهديد الجاد بالتدخل في بدايات الثورة، وكانت الظروف جميعها مواتية، فروسيا لم تكن موجودة، ولم تكن القوات الإيرانية والمليشيات التابعة لها بهذا الحجم ومستوى التغلغل. ولم يكن حزب العمال الكردستاني قد تمكّن، عبر واجهته السورية، من بناء العلاقات مع الأميركان. ولم يكن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) موجوداً. وكان الموقف الأميركي متفهماً إلى حد ما لمثل هذا التدخل، لو حدث في حينه. كما أن العلاقات التركية – السعودية كانت أفضل مما هي عليه الآن. وكانت مجموعة أصدقاء سورية الكبيرة تشكل تغطية دولية كافيةً لأي عمل حقيقي، هدفه حماية المدنيين السوريين. كما أن الداخل التركي كان 

متعاطفاً في ذلك الحين مع أي تحرّك من الحكومة يرمي إلى إيقاف المحرقة السورية. وتركيا كانت لديها أوراق قوية، في مقدمتها ورقة الأمن القومي الاستراتيجي، فسورية دولة مفتاحية في الشرق الأوسط، وأي اضطراب فيها سيؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في المنطقة كلها، وفي المقدمة منها تركيا.
أما الآن، فقد بات التدخل صعباً للغاية، وهو محكومٌ، في جميع الأحوال، بالتفاهمات التي كانت مع روسيا في إطار مسار أستانة – سوتشي الإشكالي. كما أن العلاقات التركية الأميركية ليست على ما يرام، على الرغم من التطمينات والتصريحات التي تعلن أو تُسرّب هنا وهناك. كما أن العلاقة التركية – السعودية فاترة جداً، خصوصاً بعد الموضوع الليبي. وداخلياً، يواجه حزب العدالة والتنمية مشكلات حقيقية، سواء مع المعارضة أم في داخله. أما التركيز على ورقة خطر حزب العمال الكردستاني، فهو أمر لا يعزّز من متانة الموقف التركي دولياً، بل، على العكس، يثير إشكالات كثيرة بعد الانفتاح الأميركي العلني على حزب الاتحاد الديمقراطي، وهو الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني. وحتى داخلياً يواجه حزب العدالة مشكلات جدّية مع قاعدته الكردية، سواء الحزبية منها أم الشعبية؛ لأن القضية الكردية في تركيا هي القضية الأكبر في المنطقة، وهي تركية داخلية وطنية كبيرة، لا بد أن تحلّ، في نهاية المطاف، على أسس عادلة، وذلك لتعزيز الوحدة الوطنية على قاعدة الاعتراف بالخصوصية والحقوق.
منطقتنا متهالكة بفعل الحروب والصراعات البينية، وتدخلات القوى الدولية، والفساد؛ وذلك كله نتيجة غياب الرؤية الصحيحة لدى أبناء المنطقة أنفسهم، وعدم وصولهم إلى توافقات بشأن شكل أنظمة الحكم التي تنسجم مع طبيعة مجتمعاتهم المتميزة بتعدّديتها الإثنية والدينية والمذهبية، فضلاً عن التعدّدية الفكرية والسياسية. وذلك يعود، في جانب منه، إلى غياب الأحزاب والقوى السياسية الوطنية، المحصّنة في مواجهة ضغوط الأيديولوجيات القومية والدينية والمذهبية، خصوصا في بعدها العاطفي، تلك الأيديولوجيات التي تستغل نتائج التمييز، وغياب العدالة، وفقدان المشاركة الحقيقية الفاعلة في الإمكانات والإدارة من الجميع.
ومن هنا تأتي أهمية الحراك الشعبي في العراق ولبنان، حيث وصل الناس، بغض النظر عن انتماءاتهم المجتمعية، إلى قناعةٍ تامة بأن المشاريع الفاشلة التي كانت على حساب لقمة عيشهم، ومستقبل أبنائهم وبلدهم، لم تعد مقدّسة كما روج أصحابها والمنتفعون منها، بل هي مشاريع مسيسة موجهة، مبنية على مفاهيم الحقد والثأر، وهي مشاريع لن تبني أوطاناً، ولن تصون مجتمعات، بل تدمرها وتفجرّها من الداخل.

العربي الجديد

اترك رد