رواية «الطلياني»: شخوص عبثية بين السياسة وإفرازاتها

مروان عبد الرزاق٭ كاتب وباحث سوري

بعد سنتين من «ثورة الياسمين»، الثورة التونسية السريعة، والأولى في الربيع العربي، وهي ثورة الحرية والكرامة للشعب التونسي الذي أطاح برمز الاستبداد التاريخي بن علي، وأقام دولة ديمقراطية حديثة، كتب شكري المبخوت روايته «الطلياني»، التي حازت جائزة البوكر العالمية، في عام 2015، والتي وصفها مريد البرغوثي رئيس اللجنة بأنها رواية «مدهشة في بدايتها، وهي رحلة في عالم الجسد، والبلد، الرغبة والمؤسسة والانتهاك والانتهازية وتناول بارع لارتباك العالم الصغير للأفراد، والعالم الكبير للبلاد». ويقول المبخوت إن الجائزة ليست غنيمة، لأنها جزء من المؤسسة الأدبية.
وعنوان «الطلياني» هو اسم شعبي نسبة إلى بر الطليان، وذلك لوسامة «عبد الناصر» الإيطالية الذي جمع جمال الأصول الأندلسية لأمه وجدته، والوسامة التركية لأبيه وجده، «وربما أمه زينب قد توحمت على إحدى الشخصيات الإيطالية». وتفاجئنا الرواية في المقبرة، بموقف الطلياني بلباسه الجينز، والشعر الأشقر، واللحية المعفاة، وهو يرفض الصلاة على جنازة والده، لأنه «لا يصوم ولا يصلي»، وحين يتناول الشيخ الجثة، يقوم بضربه بالحذاء، ويغرقه بالدماء ويحاول أن يخنقه، حيث تم إبعاده وتم وصفه بالمجنون والكافر، وأنه مأزوم نتيجة فشله في زواجه، وسيئ الخلق نتيجة خلطته مع الصعاليك والكتب الفاسدة، سوى زوجة الإمام التي قالت إن عبد الناصر على حق، بحيث يجعلنا الروائي أمام لقطة بوليسية، بدون أن يحدد الأسباب الحقيقية لذلك.
ويحصل القطع في الفصول اللاحقة لحياة الطلياني منذ صغره، وهو ابن عائلة مشهورة، وهو يساري من الحزب الشيوعي التونسي، ويرد على أخيه صلاح الدين الليبرالي والأستاذ في الجامعة، بمعارضته لسياسة البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وسياسة التكييف الهيكلي، التي تعد تدخلاً إمبريالياً يكرس نهج التبعية والاستعمار الجديد، والسياسة الليبرالية المتوحشة، التي أدت إلى إفلاس الاقتصاد التونسي. وبعد أن استولى على غرفة أخيه، أصبحت علاقته مع «اللاجنينة» زوجة الإمام العاجز جنسياً، التي كانت على علاقة مع أخيه، تتوطد أكثر، فكانت تداعبه وهو صغير، إلى أن كبر وأصبحت تمارس معه الجنس بشهية فائقة. وكانت تبث رائحة الحناء والنعناع والزعتر والإكليل والخزامى وكل الزهور، واحتراق قلوب الأجاص والتفاح، وكان جسمها مصفاة تستخلص من هذه الروائح روحها. والطلياني طالب يساري في جامعة الحقوق، ويقود حركة طلابية دفاعا عن الحرية وحقوق الإنسان، ويلتقي بزينة، ذات العينين الخضراوين، طالبة الفلسفة، وهي فوضوية يسارية بربرية واسمها البربري «أنروز»، حيث بورقيبة فرض على البربر تسجيل أسماء أولادهم بالعربية، وإلا تعرضوا للعقاب. وكانت تنتقد «الوعي الطلابي البائس»، «فالحركة الطلابية ليست طليعة الحركة الثورية، بل هي المكون الهش لها»، وتهاجم اليسار و»التشرذم السرطاني لليسار البيروقراطي»، و «أن ستالين هو هتلر الاتحاد السوفييتي»، وتهاجم اليمين الممثل بالإخوان المسلمين باعتباره «الحركة الفاشية ذات المشروع الديني الاستبدادي»، وتفتخر «بالعفيف الأخضر- وهو ابن تونس والمغرب العربي، الذي تحول إلى الليبرالية في ما بعد- وهو أروع مترجم للبيان الشيوعي»، وبروزا لوكسمبورغ وغيرها من المجالسيين. وسماها الإسلاميون «عاهرة الثورة البروليتارية».

وقرر الحزب الشيوعي قتل زينة لأنها تحرض ضد اليسار، لكن عبد الناصر أفشل المشروع. وكان متناقضاً مع القيادة. وفي لحظة هجوم الإسلاميين، وبدء السلطة لاعتقالات الطلاب، وكان عبد الناصر الذي دافع عن زينة في صالون الجامعة، وكانوا ضمن المعتقلين بالخطأ، حيث تم الإفراج عنهما بمساعدة ضابط الأمن، وهو ابن حارته، ولذي أعلم الطلياني بأنهم يعرفون كل شيء عنهم، بما في ذلك نوم زينة في بيته، وسرقته لملف يهم حزبه، من دائرة الاستخبارات.

تمتاز الرواية بالشعرية العاطفية والوجدانية والجسدية. وكانت علاقته العاطفية بزينة مشوقة، حيث تشرع «شفتا الطلياني تمتصان رضاب تلك القصبة المفكرة، وتجوس في ملمسها اللين، تصبح غصناً أخضر، غصناً يتلوى كلما مسته ريح الرغبة»، و»هذه النبتة الشيطانية مذهلة، هي عود طيب الريح يجدد الحواس التي تبلدت». وفي لحظات غضبه كان «كجحيم دانتي، أو سقوط أورفيوس»، حيث اتفقا على الصداق، أي الزواج على الورق. تخرج من الجامعة وعمل صحافياً في أهم صحيفة مناصرة للنظام، بحيث لم يعد «رجل الثورة»، و»أصبح كلب حراسة للأجهزة الأيديولوجية للنظام». وزينة تفشل في نقاش رسالتها للتدريس في الجامعة، نتيجة رفضها العلاقة الجنسية مع الأستاذ المشرف، ومع موت أمها، وإجراء الإجهاض تنتهي علاقتها بالطلياني، وتهرب إلى فرنسا لتصبح عشيقة وزوجة لرجل ستيني أحبته منذ زمن طويل. أما الطلياني فيعيش حياة اللاجدوى في صحيفة النظام القديم، مكتشفاً ظواهر الرقابة والعهر السياسي، الذي يمارس لتبييض وجه السلطة، والنظام الجديد، نظام بن علي، الذي أقام انقلاباً عسكرياً بشهادة طبية توضح أن بورقيبة أصبح عاجزاَ. ويلاحق النساء.

تبدو الرواية، كأنها رواية للمرأة وحريتها، والوقوف ضد مغتصبيها، في مجتمع رجعي لا يؤمن بالحرية الفردية وآفاق إبداعها.

وكانت نجلاء صديقة زينة، التي تركته لتصبح مشاعاً وراء الثروة والسلطة. وفي الفصل الأخير يلاحق «ريم»، ذات القوام الممشوق، والبشرة الوردية، والشعر العسلي، بادعائه أنه سيعمل على مسلسل يشركها فيه، وفي لحظاته الأكثر شهوانية، يشتم رائحة اللاجنينة، التي ظل يحلم بها حتى في عز لحظة انهياره، تتصل به أخته لتخبره أن والده قد توفي، وريم تضع يدها للأمام بحجة أنها عذراء، وتدير له دبرها، وذكرته بحادثة الشيخ، ويجد نفسه عاجزاً عن الجنس، وتحول وجهه ليصبح وجه شيطان يرتعش، ويتذكر كيف أن الشيخ حاول التعدي على براءته، عندما كان صغيراً، وذلك لم يكن قادراً على نسيانه، وهو الذي يفسر لحظة غضبه ومحاولة قتله للشيخ في المقبرة.

لماذا انتقاء هذه الشخصيات المشوهة؟ فالطلياني ومحاولة الاعتداء الجنسي عليه من قبل الشيخ. والشيخ نفسه يلاحق الأولاد. و»اللاجنينة» متزوجة من رجل عاجز جنسياً، وتظل عشوائية جنسياً. و»زينة» معتدى عليها جنسياَ من قبل أبيها أو أخيها . ونجلاء تتزوج من رجل بطيء الإراقة، ولم تجد ماءه، وتصبح بائعة هوى للثروة. هل إبرازها نوع من التناقضات داخل المجتمع؟ حتى لو كانت هذه الظواهر موجودة والعنف الجنسي موجود، لكن اجتماعها في هذه الرواية مع كل الشخصيات شيء غير موفق.
من ثورة الياسمين في 2011، وحواراتها وصراعاتها على السلطة، واغتيال اليساري والناصري «شكري بلعيد، ومحمد البراهمي» على يد الإرهاب التكفيري، وحزب النهضة الذي قطف ثمار الثورة.
جاءت فكرة الرواية وهي انكسار اليسار، ووجوده بين السلطة والإخوان، عند انتقال السلطة لابن علي في 1987. هل تخلوا عن إسقاط النظام في انقلاب بن علي؟ وذلك لعمل الطلياني في صحيفة النظام، ورفض مقالة له تفضح النظام، بحجة أن وزارة الداخلية هي التي تحكم، والمدقق من قبلهم، أم بسبب الكتب الماركسية التي كانوا يقرؤونها؟ وهل التشتت بين الطلياني وزينة هو مشكلة اليسار، بين البرجوازي الصغير، والفوضوية التي تركت العلم وهربت إلى فرنسا كامرأة في بيت زوجها المسن؟ أين موقفهم من النظام خلال صراعه مع الإخوان؟ أم بسبب الهشاشة السياسية المتكلسة لتنظيماتهم، التي فشلت في اختراق الجسد الاجتماعي ذي العلاقات الإخوانية؟ أو الاغتصاب الجسدي الذي تحول إلى الاغتصاب السياسي، وتكلس تنظيماتهم؟ تلك المسائل لم تجب عليها الرواية.
وهذه المسألة نراها مكررة في سوريا خلال الثمانينيات، بوجود المجالسيين-مثل زينه- الذين يدعون إلى سلطة المجالس العمالية الكومونية، وأحزاب التجمع التي تضم أحزابا شيوعية وقومية، والتي أيدت الإخوان ووصفت حركتهم بالثورة، وهناك أحزاب شيوعية أوقفت شعار إسقاط النظام كي لا يستفيد منه الإخوان، أبناء حسن البنا والسيد قطب. والحزب الشيوعي كان مع النظام في جبهته، وفي النتيجة دخل اليسار واليمين السجن لعشرات السنين.
إن لغة الرواية «نبيذ معتق ثمين» بتعبير غونتر أورت، وسلامة السرد المتقطع، وروعة الأسلوب هي إحدى نقاط قوتها. وهي قراءة للتاريخ بمنظور الروائي، حين كان يقول بعد الثورة «لماذا اليساريون والحداثيون لم يتمكنوا من قيادة هذه الثورة»، وتركوها للإسلام السياسي. وعاد بمنظوره وفي تجربته الشخصية ليسرد جوهر المشكلة الإنسانية بكافة تمظهراتها، لا ليجيب على السؤال: لماذا لم يتوحد اليسار والحداثيون في وجه الطاغية؟ والمسألة الأخرى، لقد عمل الطلياني على حرية الفرد من «المجتمع المحافظ الخانق» وعجز عن تحرير ذاته من مشاكله واغتصابه، ومن السلطة. وأخيراً، تبدو الرواية، كأنها رواية للمرأة وحريتها، والوقوف ضد مغتصبيها، في مجتمع رجعي لا يؤمن بالحرية الفردية وآفاق إبداعها.

اترك رد