درعا.. فلتان أمني مع سيطرة شكليّة لنظام الأسد

في عملية جديدة تضاف لسابقاتها، تعرضت سيارة عسكرية تنقل عددا من العناصر والضباط من جيش الأسد للاستهداف بالأسلحة الخفيفة، مساء الاثنين من قبل مجهولين، في مدينة نوى بريف درعا الغربي، وهو ما يعكس حالة الفلتان الأمني وعجز النظام السوري عن ضبط المحافظة الواقعة أقصى الجنوب السوري أمنيًا منذ سيطرته عليها.

ووفق مراسل “بروكار برس”أيمن الحوراني، أسفرت العملية عن مقتل وجرح عدد من العساكر وضابط كانوا يستقلون السيارة، وتحركت سيارة إسعاف من مشفى درعا الوطني لموقع الحادثة لإجلاء الجرحى والقتلى، فيما لم يتوصل لهوية القتلى بعد.

العمليات العسكرية باختلاف أهدافها، لم تتوقف منذ سيطرة نظام الأسد على محافظة درعا، قبل عام ونصف، كما يقول الحوراني، هذا بالإضافة لعمليات الاغتيال التي تستهدف معارضين سابقين أو أتباع النظام السوري وحلفائه، وعمليات الخطف والقتل، حتى بات لا يمر يوم في المحافظة دون تسجيل حدث بشأن هذه العمليات، وهو ما يفسّر عجز النظام السوري عن ضبط المحافظة وتأمينها وسيطرته الشكليّة عليها.

صراع النفوذ
بالرغم من الدور الأكبر الذي لعبته روسيا في استعادة نظام الأسد سيطرته على محافظة درعا بالكامل بمشاركتها في حملته عليها بواسطة مقاتلاتها الحربية، لم يتخلَ نظام الأسد أيضًا عن حليفه الأبرز الثاني “إيران”في إدارة المحافظة وإحكام السيطرة عليها، وهو ما ولّد مشاكل عديدة بين الميليشيات التابعة للحليفين وصراع مستمر منذ الدخول للمحافظة.

عمد الروس لتشكيل فصيل عسكري يشرفون عليه بشكل مباشر من أبناء الجنوب السوري بعد سيطرة النظام السوري عليه، بعد إجراء التسويات للمتخلفين عن الخدمتين الإلزامية والاحتياطية وعناصر الفصائل المعارضة سابقاً، ممن يرفضون الانضمام لتشكيلات جيش الأسد مباشرة.

ومع تشكيل الفيلق الخامس بمحافظة درعا، في معقله الرئيسي ببلدة بصرى الشام شرقي المحافظة، حيث جرت الاجتماعات والمفاوضات مع الجانب الروسي قبل السيطرة الكاملة على المحافظة وعقد اتفاق “التسوية، حدد الروس عدداً أقصى للمسموح تجنيدهم فيه وهي طريقة لإجبار العديد من الشبّان على الالتحاق بصفوف الجيش السوري أو الأفرع الأمنية لحماية أنفسهم بصفة عسكرية، وفق الناشط الميداني جراح المحمود من ريف درعا الشرقي.

بدورها الميليشيا الإيرانيّة استغلت الفوضى الأمنية في المحافظة بتجنيد العديد من أبنائها في صفوفها أو لدى الفرقة الرابعة والأمن العسكري اللذين يعملان بالتعاون معها، لتنفيذ أجندتها في الجنوب السوري، من عمليات اغتيال واعتقال وخطف، وهو ما تتبعه أيضا ميليشيا حزب الله في المنطقة، بحسب المحمود.

ويرجع مراسل “بروكار برس”، سبب تصاعد عمليات الاغتيال والخطف والاعتقال يوميًا في المحافظة للتنافس ما بين ميليشيا الأفرع الأمنيّة والتشكيلات التابعة لإيران من جهة، والتشكيلات العسكرية التابعة لروسيا من جهة أخرى، معللًا ذلك بأن معظم عمليات الاغتيال تستهدف إما مجنّدين لدى الفيلق الخامس أو لدى الفرقة الرابعة وحزب الله والأفرع الأمنيّة وكل منها يسعى لتوسعة نفوذه ونطاق سيطرته.

فلتان أمني برعاية نظام الأسد
صراع النفوذ العسكري في الجنوب السوري ولّد حالة كبيرة من الفلتان الأمني والفوضى، إضافة للأعمال الانتقاميّة إن كانت تصدر من قبل الأفرع الأمنيّة التي تستهدف المعارضين بالاغتيال والاعتقال والخطف بطرق غير مباشرة عن طريق ميليشياتها المجنّدة بالخفاء، أو التي تصدر عن أبناء المحافظة ردًا على انتهاكات تلك الجهات الأمنيّة كافة بحق المدنيين، والأرقام الكبيرة لتلك العمليات تثبت التدهورالأمني في المحافظة، وفق تصريح عقبة المحمد عضو مكتب التوثيق في تجمع أحرار حوران.

منذ سيطرة نظام الأسد على محافظة درعا في نهاية تموز 2018حتى منتصف الشهر الحالي، سجّل المكتب بحسب المحمد بتصريحه لـ”بروكار برس”، 305عملية ومحاولة اغتيال في المحافظة طالت أبناءها من مدنيين ومجنّدين لدى الأفرع الأمنيّة والفيلق الخامس الروسي وحزب الله ومن رافضي التسويّة.

ليس ذلك فحسب، إذ أن الفلتان الأمني لم يقتصر على الاغتيالات، فناهيك عن حملة الاعتقالات التي شنّها النظام بحق أبناء المحافظة بشكل مباشر وبلغت 950حالة اعتقال ممن استطاع المكتب توثيقهم.

نشطت عمليات الخطف، منذ منتصف العام 2019، منها مقابل فدية مالية وأخرى نفذتها ميليشيات محليّة تتبع للنظام بدلًا من الاعتقال المباشر تجنبًا لمواجهة غضب الشعب، خاصة مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية في أواخر العام الفائت.

عمليات الخطف ازدادت تحديداً في الأشهر الأخيرة من العام الماضي، بارتفاع وتيرة الخطف المتبادل بين محافظتي درعا والسويداء، والتي كانت مآربها في الغالب الحصول على فدية مالية مقابل الإفراج عن المختطفين أو كعملية خطف مضادة لأخرى حصلت في الجانب المقابل بمحافظة السويداء، وفق تصريح سابق للصحفي ريان المعروف “لبروكار برس”.

وبحسب تجمع أحرار حوران، سُجّلت7عمليات خطف استهدفت مغتربين سوريين عائدين عن طريق معبر نصيب الحدودي، جميعهم فقدوا بعد اجتيازهم المعبر على طريق “دمشق – درعا”الدولي، وكان يتم العثور على جثثهم في المزارع المحيطة بالطريق الدولي بعد أيام من اختطافهم، وهي منطقة تنتشر فيها حواجز لفرع المخابرات الجويّة، وتوجهت اتهامات الأهالي لوقوف عصابات يسيّرها فرع “الجوية”خلف عمليات الاختطاف بغرض سرقة أموال المغتربين.

كل عمليات الاختطاف تلك حصلت بمتابعة خجولة من الجهات الأمنيّة في محافظة درعا، بينما غابت تمامًا عن المتابعة والتحقيق في كثير منها، وهو ما فسره ناشطون محليّون برغبة النظام السوري استمرار حالة الفلتان الأمني في المحافظة وضلوعه في تسببها.

خارج السيطرة تحت ظل الفلتان
في حملة النظام السوري التي انتهت بسيطرته على الجنوب السوري بدعم من روسيا في العمليات العسكرية بمقاتلاتها الحربيّة، وفي البر بوفودها وشرطتها العسكريّة التي شاركت في جلسات التفاوض مع فصائل المعارضة في المحافظة، واتبعت سياسة التفاوض مع كل منطقة على حدى في سعيها للتفرقة بين أبناء المحافظة لإضعاف موقفهم والتقليل من مستوى سقف مطالبهم قدر الإمكان، وفق مصدر مفاوض حاورته بروكار برس، رفض الكشف عن اسمه.

بداية المفاوضات حصلت في مدينة بصرى الشام بريف درعا الشرقي، وهناك تسيّدها فصيل قوات شباب السنة بقيادة أحمد العودة الذي أصبح لاحقا نواة تشكيل الفيلق الخامس التابع لروسيا في المنطقة، وانتشرت حواجز وقطع النظام العسكرية في قرى وبلدات الريف الشرقي.

لكن في مدينة درعا، شكّل أهالي المدينة مجموعة من وجهاء المدينة وقادة في الفصائل المعارضة للتفاوض مع الوفد الروسي، وكان أبرز ما تميزت به نتائج المفاوضات عدم السماح لقوات النظام الدخول لأحياء درعا البلد المحررة وحيّي طريق السّد والمخيم، واحتفاظ عناصر الفصائل المعارضة بأسلحتهم الخفيفة كضامن لهم ولمناطقهم، وفق المصدر.

ومع استمرار صدور بعض الأصوات المعارضة والمحتجّة على انتهاكات قوات النظام التي استمرّت بممارستها بحق أبناء المدينة عند مرورهم على الحواجز أو في مناطق خارج درعا البلد، جنّد النظام مجموعات من أبناء المدينة ذاتهم ممن أجروا التسويّة لتنفيذ أجندته في المحافظة، من أبرزهم مجموعة “الكسم”ووسيم المسالمة، بحسب خالد أبازيد أحد سكان درعا البلد.

وفي المنطقة الغربيّة بمحافظة درعا نجت مدينة طفس بمفاوضات مختلفة عن جاراتها من بلدات الريف الغربي، تضمنت كذلك منع دخول أي من قوات النظام وأفرعه الأمنيّة للبلدة واحتفاظ أبنائها بأسلحتهم الخفيفة، وكانت شهدت احتجاجات مشابهة للتي جرت في درعا البلد على الانتهاكات المستمرة وعمليات الاغتيال التي طالت العديد من أبنائها من قبل مجهولين، لكن دوماً ما اتّهم الأهالي الأفرع الأمنيّة بوقوفها خلف تلك العمليات.

بروكار برس

اترك رد