شهادات وأرقام.. القامشلي بوابة العملة الأجنبية من وإلى دمشق

في مدينة كالقامشلي، يتعجّب المرء للوهلة الأولى من كثرة الشركات العاملة في مجال تحويل الأموال وتصريف العملات الأجنبية خصوصا الدولار الأمريكي؛ فلا يكاد يخلو شارع أو زاوية من وجود محل للصرافة وتحويل الأموال من وإلى كافة دول العالم.

أسباب وجود الشركات والمكاتب

لم يكن الحال كذلك من قبل في المدينة التي انسحب منها النظام السوري تاركاً المجال لـ “حزب الاتحاد الديمقراطي” (PYD) الذي سيطر عليها عام 2012م، مع مناطق واسعة على رأسها مدينة رميلان التي تضم الآلاف من آبار النفط، ليكون “الاتحاد الديمقراطي” عائماً على بحر من الذهب الأسود يجني منه ملايين الدولارات شهريا بكل يسر وسهولة.

ومع هذه الملايين من الدولارات أنشئت أوَّل مكاتب تحويل للأموال من القامشلي إلى شمال العراق وبالعكس، وأيضا من القامشلي إلى تركيا وهذه الأخيرة كانت تعمل تحت غطاء شركات تجارية في مجال استيراد المواد الغذائية وقد استخدمها عناصر “الحزب” خصوصا المنضمين لجناحه العسكري المسمّى “وحدات حماية الشعب” فالكثير منهم غير سوريين، وعملوا على تحويل ما يجنوه من رواتب وأموال بالدولار إلى شمال العرق وتركيا عبر هذه الشركات، بحسب مصادر بروكار برس.

وعَلِمت بروكار برس من مصدر مُطلع أنّ ما جنته “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من بيع النفط خلال الثلاثة أشهر الأخيرة من العام الفائت إلى مناطق “درع الفرات” فقط بلغ نحو 28 مليون دولار أمريكي.

وعلاوةً عن النفط، فإنّ هجرة آلاف الشبان من أبناء الحسكة إلى دول أجنبية خاصّة في أوربا، كان مسبباً لوجود الشركات ومحلّات الصرافة بهذا الشكل، انطلاقاً من الحاجة إلى وجود شركات تحويل الأموال من وإلى ذويهم في الوطن بعيدا عن أعين أجهزة النظام الأمنية.

تأثير يصل إلى قلب العاصمة دمشق:

مع التدهور المستمر في قيمة الليرة السورية مقابل الدولار، خصوصا في الأعوام الثلاثة الفائتة، والأشهر الحالية التي شهدت ذروة هذا التدهور عندما تخطت أسعار الصرف حاجز الألف ليرة سورية مقابل الدولار الواحد، سعى النظام جاهدا إلى ضبط “فوضى” مكاتب وشركات تصريف وتحويل الأموال وإغلاقها للتحكم بسعر الصرف، الأمر لذي لم يتمكن منه مع سيطرته على مربع أمني فقط داخل المدينة وبعض الشركات التي كانت حصلت على ترخيص من النظام سابقا قبل أن تشفِّعهُ بترخيص آخر من قبل ” الإدارة الذاتية”.

وبقيت القامشلي المكان الوحيد تقريبا لاستقبال وإرسال الأموال، وتصريف العملات الأجنبية وفقا لأسعار السوق السوداء بعيدا عن قبضة النظام الأمنية، لتصبح محطة لا بد منها لمرور معظم الحوالات النقدية الخارجية بالعملات الأجنبية قبل أن يتم تحويلها إلى بقية المناطق السورية بعيدا عن أجهزة النظام التي تريد أخذ الدولار وفقا لسعر المصرف المركزي الذي حدده مؤخّراً بسعر تفضيلي 700 ليرة سورية للدولار الواحد في حين بلغ سعر الدولار المتداول في أسواق القامشلي حتى 1200ليرة سورية للدولار الواحد، وبالمقارنة بين السعرين يتضح أن هناك فرق 500ليرة عن كل دولار، وبعبارة أخرى فإن المواطن سيخسر نصف مليون ليرة سورية عن كل ألف دولار لو أنه اتبع الشركات التي يسيطر عليها النظام في تحويل نقوده كشركة ويسترن يونيون مثلا.

أحد العاملين القدامى في شركات الصرافة بالقامشلي أوضح لـبروكار برس أنّ بقية المدن أدركت أن القامشلي أصبحت نقطة ضعف لدى النظام؛ فهو عاجز عن السيطرة على سوق العملات فيها، كونها تحتوي الكثير من شركات تحويل الأموال التي لا تخضع لقواينه.

مشيراً إلى أنّ واقع المدينة ووضعها حدا بكثير من المواطنين -نسبة جيدة منهم يقيمون في دمشق- لجعل المدينة مكانا لابدَّ منه للالتفاف على قوانين النظام وتضييقه المستمر على تصريف العملات.

كيف يلتف الصيارفة على النظام؟

(محمد. س) وهو لاجئ في ألمانيا، أفاد لـ بروكار برس أنّه أرسل مبلغاً بقيمة ألف دولار أمريكي لذويه في دمشق، فكانت تركيا محطّة أولى لهذه الحوالة، ومنها إلى القامشلي.

ولفت مصدرنا إلى أنّ الحوالة يتم تصريفها وفقاً لسعر الصرف في القامشلي، قبل أن يحوّلها المكتب إلى دمشق، دون أن “يأكل المركزي” مبالغاً ضخمة من الحوالة على حدّ تعبيره.

محاولات عبثية من النظام

قال أحد الموظفين لدى شركة تعمل في مجال الحوالات الداخلية: “إن قيمة المبالغ ذات المصدر الخارجي التي يتم تحويلها يوميا إلى دمشق من القامشلي عن طريق فرع الشركة التي يعمل بها كانت تفوق قيمة ما يتم تحويله من بقية أفرع الشركة في كل من حلب واللاذقية وحمص وطرطوس مجتمعةً.

وتابع المصدر: “إن الشركة كانت تستخدم في كثير من الأحيان أسماء وهمية لوضعها في خانة المرسل كي تبدو الحوالة وكأنها داخلية من شخص مقيم في القامشلي إلى شخص مقيم في دمشق، أو أنها تستخدم بيانات الشخص صاحب الحوالة المقيم في الدول الأوربية مصدر الحوالة بعد إرساله لصورة عن هويته الشخصية عبر “واتساب”، وأحيانا تستخدم الشركة أسماء عملاء سابقين لديها من دون علمهم لوضعها في خانة المرسل.

وأردف المصدر:”إن فرع الشركة الرئيس في دمشق حين طلب تفسيرا للمبالغ الضخمة التي يتم تحويلها من فرع القامشلي كونها لا تتناسب مع حجم المدينة وما يحيط بها اضطر فرع الشركة في القامشلي لتصوير مقاطع فيديو مستعينا بموظفيه كممثلين أو كومبارس على أنهم زبائن يقومون بتحويل الأموال، والحقيقة أن عدد المراجعين لفرع الشركة كان لا يتجاوز 10أشخاص في اليوم، في حين بقية المبالغ تعود لشركات خارجية يتم تحويلها إلى بقية فروع الشركة داخل سوريا.

حاول النظام التغلب على هذه المشكلة من خلال تحديد سقف للمبالغ المسموح بتحويلها داخليا للشخص الواحد بما لا يتجاوز المليون ليرة، وفي حال تجاوز المبلغ المراد تحويله المليون ليرة سورية يطلب من المرسل والمرسل إليه إثبات وجود سجل تجاري لكل منهما.

وللتغلب على ذلك في حال تجاوز المبلغ المحول سقف المليون ليرة سورية مع عدم وجود سجل تجاري كانت الشركات تعمل على تجزئة المبلغ على أكثر من اسم وهمي ليتم إرساله إلى نفس الشخص بفوارق زمنية معينة.

ومع عجز النظام عن ضبط الحوالات الداخلية ذات المصدر الخارجي اضطر لإغلاق جميع أفرع الشركات المرخصة لديه حتى إشعار آخر كشركة الحافظ، وشركة آراك، وشركة إرسال، وأبقى على شركة واحدة تعمل هي شركة الهرم للحوالات المالية مع تحديد سقف معين لكمية الأموال المسموح بتحويلها وهذه الأخيرة هي التي تستخدمها قوات النظام وعناصر الفروع الأمنية لاستقبال وإرسال حوالاتهم المالية الداخلية.

لكن هذا الإجراء الأخير أوجد الكثير من المشاكل لاسيما للتجار وأصحاب مستودعات الجملة ومستودعات الأدوية الذين لجأوا إلى فتح حسابات بنكية في الكثير من البنوك كبنك بيمو السعودي الفرنسي، وبنك سوريا الدولي الإسلامي، و ذكر صاحب مستودع أدوية لبروكار برس بأن هذه البنوك لم تعد تستقبل الأموال بحجة عدم وجود أماكن آمنة لحفظها.

وتشير المعلومات إلى أنّ عمليات تهريب الدولار من دمشق وبقية المدن السورية إلى القامشلي نشطت بشكل كبير في الفترة الحالية خصوصا مع تجاوز سعرصرف الدولار سقف الألف ليرة سورية، وهذا ما أكده مصدر خاص لبروكار برس يعمل معاونا في إحدى شركات النقل الخاصة بين المحافظات قائلاً: إن مهربين يعملون على شراء الدولار بسعر أقل من سعر الصرف في القامشلي ثم يضعونه في مخابئ خاصة داخل الحفلات ليتم إدخاله إلى القامشلي وبيعه بأسعار عالية وتحقيق أرباح كبيرة من ذلك.

بروكار برس

اترك رد