في “سوريا الأسد”، السوري مُهان حياً كان أم ميتاً

يبدو أن “المنظومة الأسدية” إن صح التعبير، إعتادت على مفاجأة العالم بوسائل جديدة ومبتكرة من التصرفات اللاإنسانية المقيتة، فكلما سمع العالم وشاهد أخبار ومشاهد القتل والتعذيب حتى الموت وبقر البطون وذبح الأطفال وتقطيع الأطراف وإغتصاب النساء وسرقة الممتلكات (التعفيش) التي تمارسها عناصر هذه المنظومة بين الفترة والأخرى، وأعرب عن صدمته من هكذا أفعال غير مسبوقة، خاصة وأنها تمارس ضد أبناء هذه البلد الذي من المفترض أن الكل، معارضة وموالاة وما بين هؤلاء وأولئك، شركاء فيه.

تقوم تلك المنظومة بإعمال عقلها الإجرامي لتتفتق عنه أفكار عدائية جديدة تزيد من الصدمة السورية، وتثخن جراحها المتجددة، وكان آخر تلك الابتكارات هي مسألة نبش القبور من قبل تلك المخلوقات المنسوبة الى جيش المنظومة الأسدية، التي لم تكتف في هجومها الأخير بقتل الآلاف وتشريد مايقارب المليون سوري من أهالي وسكان محافظة إدلب و”التي أصبحت ملاذاً لمئات الآلاف من المدنيين من مناطق أخرى في سوريا فروا بسبب العنف”، حسب ماذكره المبعوث الأممي الخاص غير بيدرسون في إحاطته الأخيرة لمجلس الأمن الدولي بتاريخ 6/2/2020، فكل تلك المصائب والويلات التي حلت بالأهالي لم تشف غليل تلك المنظومة الغارقة والمتفننة في الإجرام، فصارت تنتقم من قبور الموتى وتسخر من عظامهم وتجعل شواهد القبور أهدافاً لحقدها اللامتناهي.

ولهذا النظام “المقاوم والممانع” باع طويل في التعامل مع جثث معارضيه بدون أدنى احترام لقدسية الموت المؤكدة في الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، حيث سبق له أن قام بتسليم أسماء ما يزيد عن الثمانية آلاف سوري ماتوا تحت التعذيب ممن كانوا رهن الاعتقال في مسالخه البشرية إلى مديريات ومراكز السجل المدني في سوريا ليقيّدهم كأموات، فيما عُرِفَ حينها بقوائم الموت دون أن تُسلّم الجثث لذويها ليتم دفنها وفقاً لدين المتوفى وحسب العادات المتعارف عليها، كما وسبق لهذا النظام وأن قام بنبش القبور في دوما بعد أن تمكن من السيطرة على كامل الغوطة الشرقية في نيسان 2018، بدعم من القوات الروسية، وذلك بهدف إخفاء كل ما يمكن أن يشكل دليلاً على إستخدامه للسلاح الكيميائي ضد أبناء هذه البلدة، وتواردت الأخبار أيضاً عن قيام شبيحة الأسد وبعض عناصر الأمن بنبش القبور في بعض مقابر دمشق ولا سيما مقبرة الدحداح وإعادة بيعها بمبالغ طائلة لسوريين آخرين، لكن الملفت في حادثة النبش الأخيرة في بلدة خان السبل في إدلب أن أبطال المشهد قاموا بتصوير أنفسهم ووثقوا جريمتهم دون أدنى خجل لثقتهم بأن أذرع المحاسبة لن تطالهم، كون (ظهورهم) محمية من أفرع الأمن السورية بل موعودون بحظوة لدى العصابة الحاكمة جراء تصرفاتهم تلك.

وانتهاك حرمة القبور وتدنيسها ليس أمراً محرّماً في الشرائع السماوية فحسب، بل هي مدانة وتشكل جريمة تعاقب عليها القوانين الداخلية والدولية أيضاً، فقد جرَّمَ قانون العقوبات السوري التعدي على حُرمة الأموات، وإتلاف الجثة كلها أو بعضها ( المواد 463و465)، كما أن القانون الدولي الإنساني المتمثل بإتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وبروتوكوليها الإضافيين لعام 1977، أوجب عدم الإعتداء على الكرامة الشخصية، وعدم اللجوء إلى المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة، حتى لو تعلّق الأمر بجثث الموتى، كما إنه يتوجب على أطراف النزاع البحث عن جثث الموتى أو القتلى من الطرف الآخر، وإتخاذ التدابير اللازمة لمنع سلبها أو سرقتها، وفي حال عدم التمكن من تسليمها للطرف الآخر بسبب الحرب وظروفها، يجب دفنها وفقاً لشعائر دين الميت ومذهبه، ولابد من صيانة المقابر الخاصة بموتى الطرف الآخر والحفاظ عليها، وتسجيل المعلومات اللازمة عن الموتى في سجل خاص، وإتخاذ الإجراءات المناسبة لسهولة التعرف على قبر كل متوفى بعد أن تضع الحرب أوزارها، لا أن تقوم الأطراف المتحاربة بنبش القبور وإستخراج رفاة الأموات والاستهزاء بها وإتلاف كل ما يمكن أن يدل على هوية أولئك الأموات، كما فعلت قوات الأسد.

إضافة إلى ذلك فإن المادة الثامنة من نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية اعتبرت أن الانتهاكات الجسيمة لإتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 تندرج ضمن خانة جرائم الحرب، ولاشك إن إنتهاك حرمة الموتى أثناء العمليات العسكرية تشكل خرقاً لقانون العقوبات السوري ولإتفاقيات جنيف المذكورة، وبالتالي تجب محاسبة كل من قام بجريمة التمثيل بالجثث أمام قضاء نزيه وعادل، داخلي أم دولي، عند الوصول إلى إجراءات العدالة الإنتقالية المأمولة مستقبلاً في سوريا.

وهذه الحادثة ومثيلاتها تدل على كمية الحقد والضغينة المزروعة في صدور أبطالها، الذين لم يكتفوا بحجم القتل والدمار والنهب والتهجير الذي ذاقه السوريون على أيديهم وأيدي داعميهم، بل يسعون إلى توجيه الإهانات إلى كل من حالفه الحظ ومات ميتة طبيعية أو نتيجة قصف همجي طال الحجر والزرع والبشر، ولم يقع حياً في قبضة هؤلاء، والإساءة لمشاعر ذوي الميت الهائمين على وجوههم دون سقف يحميهم من قسوة الشتاء وزمهريره، ومثل هذه الأفعال تدل أيضاً على أن العيش مع هذه المخلوقات مستقبلاً بات أشبه بالمستحيل، فالمجتمع الذي سيحوي هذا النوع من البشر هو أشبه بالتجمهر حول قنبلة موقوتة تنذر بالانفجار في كل لحظة ولن يسلم أحد من شظاياها المليئة بالحقد والكراهية، لكن من الممكن أن تكون هذه المخلوقات التي أوغلت في الإجرام بحق الأحياء والأموات هي العناصر الأساسية والفاعلة في “المجتمع المتجانس” الذي تباهى به بشار الأسد في خطابه عام 2017، فمن يرى كل هذا الإجرام من قبل عناصره دون أن يحرك ساكناً، بل ويشد على أيديهم لا شك أنه يسعى إلى خلق مجتمع مشبع بالإجرام ومتخم بالكراهية، يقبل الذل ويتعايش معه ويعتاش عليه.

ليفانت

اترك رد