المبعوث الأممي يجدد خيبة أمل السوريين

“كان لدي أمل في انطلاق أعمال اللجنة الدستورية على أساس تشكيل متفق عليه وقواعد إجرائية وعناصر أساسية للائحة الداخلية معتمدة من قبل الحكومة السورية والمعارضة، يمكن أن يفتح الباب أمام بناء قدر من الثقة وخلق ديناميكية إيجابية أوسع داعمة لهذا المسار، إلا أن ذلك لم يتحقق حتى الآن.” بهذه الكلمات المخيبة للأمل إستهل المبعوث الأممي الخاص لسوريا السيد غير بيدرسون كلامه عندما تناول موضوع اللجنة الدستورية، في إحاطته الأخيرة لمجلس الأمن الدولي بتاريخ 19 شباط 2020، وهذا الكلام وإن كان متوقعا من قبل الكثير من السوريين والمتابعين للشأن السورية، إلا أنه لم يكن متوقعاً للبعض أن يأتي هذا التصريح بعد فترة وجيزة من توليه لمهمته الشبه مستحيلة في ظل تقاطع مصالح الدول أو تضاربها، وعلى المنبر الذي يمثل العالم أجمع ويتحكم به متى إتفقت وتوافقت الدول الخمس الكبار.

فمن الطبيعي أن النظام السوري، الذي تأكد من عدم رغبة المجتمع الدولي وأحيانا عدم قدرته بسبب الدعم الروسي اللامحدود في حل الملف السوري، لن يسمح باستمرار أعمال هذه اللجنة على النحو الذي يقتضيه المنطق وبما يحقق الغاية التي تم تشكيل اللجنة لأجلها، فالنظام ما كان ليقبل بتمرير هذه اللجنة أصلاً لولا خوفه من إغضاب الطرف الروسي الذي توصل لاتفاق مع الأتراك على تشكيل هذه اللجنة، سيما وانه أي الطرف الروسي قد أخذ على عاتقه مهمة تشكيل اللجنة في المؤتمر الذي عقد في مدينة سوتشي الروسية في بداية عام 2018 بهدف سحب الملف السوري بالكامل من جنيف ووضعه تحت العباءة الروسية، وعلى الرغم من أن ذلك لم يتحقق بالكامل، إلا أن موضوع اللجنة الدستورية وتشكيلها كان نتيجة لمؤتمر سوتشي المذكور واللقاءات الثنائية والثلاثية التي عقدت لاحقا بين الروس والأتراك والإيرانيين، إلا أن الأمم المتحدة وحفظاً لماء الوجه، تمكنت من إلباس هذه اللجنة لبوس الأمم المتحدة من خلال الإعلان فقط عن الأسماء التي تم الاتفاق عليها بين الدول “الضامنة”، وحتى أسماء قائمة المجتمع المدني كان لتلك الدول حق استخدام الفيتو على الأسماء التي تزعج مسامعها، ومسألة التأخر في الإعلان عن القوائم الثلاث للجنة والأسماء الستة التي كانت محل جدل وخلاف بين الصديقتين اللدودتين تركيا وروسيا لم تنس بعد.

وروسيا وبفضل الصمت الأمريكي وتقاطع المصالح مع الطرف التركي المتخوف من الوجود الكردي على حدودها الجنوبية، ولا سيما بعد أن أصبحت القوات الكردية المدعومة أمريكيا رقماً يُقرأ في المعادلة السورية، تمكنت من إخراج القرار الأممي 2254 لعام 2015 من سياقه الطبيعي وغايته المرجوة، ولا سيما في القفز على هيئة الحكم الانتقالي التي كانت تشكل المدماك الأساس في حل الملف السوري وفق القرار المذكور، وسبق وأن تناولنا هذا الأمر في مناسبة سابقة، وتمكنت من فرض وجهة نظرها بضرورة البدء بسلة الدستور بدلاً من السير بالسلال الأربع (هيئة الحكم الانتقالي والانتخابات والدستور ومكافحة الارهاب) بالتوازي كما صرح بذلك أكثر من مرة المبعوث الأممي السابق السيد ستيفان ديمستورا، وبالطبع فإن الاتحاد الروسي يعلم جيداً طريقة النظام السوري في معالجة الأمور، ويعلم بأن الأخير لا يملك شيئا في جعبته سوى التهرب من مناقشة أي ملف قد ينتقص من سلطاته الاستبدادية ويصل بسورية إلى بداية الطريق المؤدي إلى دولة القانون والمؤسسات، لذلك فالروس يعلمون متى يرخون له الحبل، ومتى يشدُّونه عليه، وبعد أن تمكن الروس من فرض سلة الدستور وإشغال المجتمع الدولي بها وإيهام الآخرين بأن المسار السياسي يسير على السكة الصحيحة، تركوا النظام السوري يتصرف على هواه ويرفض كل مناشدات المبعوث الخاص لعقد اجتماع ثالث للجنة الدستورية بعد الاجتماعين البروتوكوليين، اللذان إنحصرت الغاية منهما في الإعلان عن تشكيل اللجنة ونشر مدونة للقواعد الاجرائية والشكليات الواجب مراعاتها أثناء الاجتماعات.

بل إن ما تقدم به رئيس وفد النظام في الجولة الثانية من مطالب “الإعتراف بمكافحة الإرهاب ورفع العقوبات وادانة ما وصفه بالغزو التركي” أكد بأن طريق اللجنة بات شبه مسدود، معتبراً هذه المطالب بمثابة جدول أعمال، وهذه المطالب وبلا شك هي سياسية يفترض أن تُبحث من قبل الطرفين المتفاوضين في جنيف أي وفد النظام السوري ووفد هيئة التفاوض، كون مهمة اللجنة الدستورية هي تقنية بحتة وليست سياسية كما يُراد لها أن تكون من قبل النظام، وبمجرد أن إجتمع المبعوث الأممي بيدرسون مع الرئيسين المشتركين للجنة بهدف استئناف أعمال اللجنة التي توقفت في بداية الجولة الثانية، حذرته روسيا من مغبة التدخل في عمل اللجنة الدستورية، مع أن هذا الأمر يعتبر من صميم عمل المبعوث، إلا أن هذا التحذير كان بمثابة رسالة مشفرة للنظام السوري وغيره بأن الطرف الروسي يشد على أيادي وفد النظام في هذه التصرفات العبثية.

وأمام انشغال الولايات المتحدة بالتحضير للانتخابات الرئاسية، وهي أساسا لم تبد طوال السنوات السابقة أي رغبة جدية في معالجة هذا الملف، وكذلك تقدم النظام السوري عسكريا في محافظة إدلب بدعم روسي منقطع النظيرومع تهديدات تركيا التي تسعى من خلالها إلى الضغط على الدول الاوربية وروسيا لتأمين مكان آمن للمدنيين الفارين من القصف داخل الحدود السورية كي لا يكونوا عبئا عليها مستقبلا وكي لا تخسر حاضنتها الشعبية أكثر، وتسعى لأن تكون تلك المنطقة تحت وصايتها أيضا أسوة بمناطق “درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام”، يبقى النظام السوري يواصل تعنته واستهتاره بجهود المبعوث الأممي الخاص ويمتنع عن الحضور الى جنيف لمنع عقد اجتماعات اللجنة الدستورية، التي أصبحت خارج دائرة الإهتمام في ظل التصعيد العسكري في إدلب وموجات النزوح الكبيرة للمدنيين مع ما رافقه من قتل للمدنيين وتدمير وسرقة المتلكات ونبش القبور والعبث بعظام الأموات.

لا شك بأن قبول الأمم المتحدة بالبدء بالمسار الدستوري لوحده وإهمال باقي المسارات المنصوص عليها في القرار الأممي 2254 وقبله بيان جنيف بل واختزال القرار بكامله في هذا المسار، ومن ثم تسمية الأعضاء من قبل الدول الثلاث “الضامنة” أو على الأقل ضرورة توافقها عليهم، وعدم وضع جدول زمني محدد لعمل اللجنة ورهن عمل هذه اللجنة ونجاحها “بشهامة ومروءة” النظام السوري التي يفتقدها أصلاً، وبالاتصالات التي يجريها المبعوث مع وزير خارجية النظام ورئيس وفده في اللجنة، لن تأت أُكلها مالم يكن ذلك مرافقا بضغط دولي أممي ولا سيما من الولايات المتحدة التي تتقصد لعب دور المراقب ربما بنية استغلال صفقات وبازارات مع الدول الفاعلة والمتأثرة في الملف السوري، وعلى رأسها تركيا وروسيا، لكن يبدو ان تلك الصفقات لم تنضج بعد، فالمقدمات الخاطئة في إطلاق عمل اللجنة الدستورية والرغبة في تسجيل النقاط لصالح الأمم المتحدة على حساب قضية شعب، ستؤدي إلى مثل هذه النتيجة المليئة بالإخفاقات وضياع الأمل، فإطلاق اللجنة الدستورية لم تكن غاية بحد ذاتها بقدر ما كانت هي الخطوة الأولى للوصول إلى الغاية المرجوة من الجولات المضنية من المفاوضات التي كانت تجري بإشراف أممي.

ليفانت – رياض علي

اترك رد