مأزق مزدوج

ميشيل كيلو كاتب سوري، مواليد 1940، ترأس مركز حريات للدفاع عن حرية الرأي والتعبير في سورية، تعرض للاعتقال مرات، ترجم كتباً في الفكر السياسي.

ليس وضع الرئيس التركي أردوغان خيرا من وضع الرئيس الروسي بوتين، الذي كتبت، في مقالة سابقة ، إن انتصاره على تركيا يعني خسارة أهم ما حققته سياسته الخارجية طوال عقدين من الحكم. لذلك، لن يُقدم على حربٍ مع تركيا ستحكم طوق حلف شمال الأطلسي حوله من جديد

وستزيد قدرته على ممارسة الضغوط عليه، وتؤكد تهمة واشنطن له أنه سياسيا لا يؤمن جانبه، غدر بالصديق الذي فك حصار “الأطلسي” عنه، وساعده على تقويض الحل الدولي للصراع السوري، واستبداله بمسار روسي حمل اسم أستانة وسوتشي، إلا أنه فضّل عليه شبّيحا ثقيل العبء اسمه بشار الأسد. كأن أردوغان لم يأخذ مسافةً من الحلف الذي تنتمي تركيا إليه منذ نيف وستين عاما، وحماها ومكّنها من تنمية وتحديث دولتها ومجتمعها، أو كأنه لم ينخرط في علاقات استراتيجية مع بوتين الذي تصرّف، في الآونة الأخيرة، وكأنها أقل أهمية من علاقاته مع سفاح دمشق الذي كثيرا ما كذب سيد الكرملين وينكر جرائمه، على الرغم من أن العالم بأسره يراها، وها هو يدين تركيا ويتهمها برعاية الإرهاب! ستكون سياسة الاستقواء بروسيا على أميركا وبأميركا على روسيا، وما يمارسه أردوغان من تحدّ لخطوط الدولتين الحمراء، أول ضحايا مشكلاته الراهنة مع بوتين، على الرغم من أنه لن يغلق باب الحلول الوسط والتسويات، ويفتح باب حربٍ تنتج معاركها ما يفقده هوامش استقلاليته، المحدودة في مجال سياساته الدولية، وتأثيره على علاقات الجبّارين، الأميركي والروسي، لادراكه أنه إذا انخرط في معركة مع بوتين، من دون أن يترك باب الحلول الوسط مفتوحا، اقتنصته واشنطن، وإن تراجع أمام بوتين من دون معركة متوازنة، اقتنصه الكرملين، ولم يترك له غير الهرولة إلى واشنطن التي لن ترحمه بدورها. من هنا، ليس لدى أردوغان خيار مريح غير الدفاع عن استقلاليته بوسائله الخاصة، أي بالقوة العسكرية كأقوى ورقة لديه، على أن يستعملها أداة ضغط، لا أداة حرب، لأنها قد تورّطه في خسارةٍ تمحو كل ما أنجزه للشعب التركي، وهو كثير، وتنهي حياته السياسية بفشل من عيار استراتيجي نادر، يذكّر بصدام حسين. سيكون من الصعب أيضا على أردوغان إيجاد مخرج لبوتين، في حال أصرّ على الاحتفاظ بحصته من اتفاقية سوتشي التي ألغاها الكرملين، فهاجمتها مليشيات الأسد، واحتلت أجزاء منها، فرفض ما جرى، غير أنه واجه صعوبتين: أن بوتين كرّر تعهده بإعادة جميع الأراضي السورية إلى نظام عميله، وأن أردوغان تعهد أن يستعيد منطقة سوتسي ويخرج الأسدية منها، أي بإفشال وعد بوتين. وبما أنه يدرك صعوبة انصياع الكرملين لمطلبه، فقد اقترح أن تنتشر قوات روسية/ تركية في منطقة سوتشي العازلة، ولكن قبول بوتين هذا العرض الذي يبدو توافقيا يعني أن أردوغان أفشل تعهده لسفاح دمشق، ورسم خطّا أحمر منعه من تجاوزه، هو أو إيران التي أدخلها الكرملين في المعركة، ليواجه تركيا عسكريا بها أيضا. ثمّة جدلية مأزقية وخطيرة هنا، فأردوغان لا يستطيع دفع بوتين إلى الحائط، ولا يستطيع بوتين فعل الشيء ذاته مع الرئيس التركي. ولذلك، لا خيار لهما غير نمط من التنازلات المتبادلة، لا يعيد الأرض السورية بكاملها إلى الأسدية، بل يلتف على تعهد بوتين، عبر نشر قوات تركية/ روسية وراء المنطقة العازلة ومواقع الجيش التركية فيها، فيتحقق مطلب أردوغان، وتنتشر قوات روسية مصحوبة بإداريين رسميين في نقاط قريبة من حدود تركيا، تكون تحت إشراف تركي/ روسي، بما يسمح لبوتين بالقول: إنه أعاد السفاح إلى كامل الأرض السورية. هل هذا عملي وقابل للحدوث؟ الجواب عند بوتين وأردوغان.

اترك رد