لواء اسكندرون قضية حساسة تنبش فيها روسيا

يطرح تسليط وسائل إعلام روسية مؤخرا الضوء على مقاطعة هاتاي التركية (لواء إسكندرون) تساؤلات عدة حول ما إذا كان هناك نية روسية فعلية لدعم دمشق في مطلبها التاريخي استعادة تلك المقاطعة؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه مجرد استفزاز لتركيا.

ووصلت العلاقات الروسية التركية في الاسابيع الأخيرة إلى نقطة حرجة بسبب التصعيد العسكري في محافظة إدلب ومحيطها قبل أن يتم التوصل لاتفاق بين الجانبين قبل ايام لوقف إطلاق النار والتأكيد على التزام بمسار أستانة.

ومن الصعب الحكم حول مدى نجاح الاتفاق. ويبقى السؤال المركزي هل ستستطيع أنقرة التضحية بأحد أبرز التنظيمات التي تدعمها أي “هيئة تحرير الشام” والتي تراهن عليها في مشاريعها التوسعية في سوريا وايضا في مناطق أخرى مثل ليبيا وهذه من المطالب الرئيسية التي تضمنها الاتفاق؟ أم أنها ستعمد إلى المناورة مجددا.

وسبق أن استغلت تركيا اتفاق سوتشي الذي جرى ابرامه بـ 2018 في المدينة المطلة على البحر الاسود لتعزيز حضورها العسكري في شمال غرب سوريا وتكريس نفوذ الهيئة وباقي التنظيمات الجهادية التي تدور في فلكها.

وكشف المرصد السوري لحقوق الإنسان الأحد أن تركيا استقدمت تعزيزات عسكرية جديدة إلى إدلب ومحيطها. وذكر المرصد الذي مقره لندن بيد أنه يملك شبكة علاقات واسعة في أنحاء عدة في سوريا أن 350 آلية عسكرية تركية دخلت المنطقة منذ بدء اتفاق وقف إطلاق النار، ولا يعرف ما إذا كان الهدف من ذلك تولي أنقرة بنفسها مهمة تحييد هيئة تحرير الشام أم أن تركيا تسعى لتعزيز نفوذها واستباق امكانية انهيار الاتفاق الهش بطبعه.

ويقول محللون إن روسيا التي لا تبدي اية ثقة في النظام التركي تحاول جمع كل ما يمكن من أوراق الضغط ومن بين تلك الأوراق التلويح بأحقية دمشق في استعادة لواء اسكندورن.

ونشرت وكالة سبوتنيك الروسية مقالا مؤخرا عن اللواء المتاخم لإدلب، وذكرت أنه تم انتزاعه من قبل باريس خلال الانتداب الفرنسي على سوريا ثم ضمته تركيا عام 1939 بعد إجراء استفتاء متنازع عليه حول وضع المقاطعة.

وقد احتجزت تركيا لوقت قصير رئيس التحرير وثلاثة من أعضاء فريق سبوتنيك في إسطنبول بعد فترة وجيزة من نشر المقال.

ويعتقد مصطفى غوربوز، وهو باحث غير مقيم في المركز العربي في واشنطن العاصمة، أن المقال يهدف عمداً إلى استفزاز تركيا. ويلفت غوربوز “على غرار السياق التركي، فإن الصحافة المستقلة هامشية حقاً في روسيا”.

وأردف قائلاً “يعد الإعلام الروسي أحد أكثر الأدوات فعالية في أيدي (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين، ليس فقط في السياق الداخلي ولكن أيضاً في الدبلوماسية”.

وبعد أن أسقطت تركيا قاذفة روسية من طراز سو-24 فوق حدودها مع سوريا في نوفمبر 2015، توترت العلاقات بين أنقرة وموسكو بشدة. ونشرت الصحافة الروسية عدة مقالات ضد تركيا تزعم، من بين أمور أخرى، أنها ساعدت تنظيم الدولة الإسلامية في تجارة النفط غير المشروع.

مصطفى غوربوز: من المهم أن نلاحظ مدى تأثير الطبعات الدولية لوسائل الإعلام الروسية في الشرق الأوسط
مصطفى غوربوز: من المهم أن نلاحظ مدى تأثير الطبعات الدولية لوسائل الإعلام الروسية في الشرق الأوسط

وتوقفت هذه المجموعة من المقالات الناقدة لتركيا في الصحافة الروسية بشكل جماعي بعد أن توصل الجانبان إلى توافق عقب اعتذار الرئيس رجب طيب أردوغان عن حادث إسقاط الطائرة والبدء اللاحق في التعاون الروسي التركي في سوريا.

وقال غوربوز “من المهم أن نلاحظ مدى تأثير الطبعات الدولية لوسائل الإعلام الروسية في الشرق الأوسط”. وتابع قائلاً “مثل هذه الأسلحة الإعلامية هي أيضاً جزء من استراتيجية التوسع طويلة المدى لروسيا في المنطقة”.

ويشك ، الباحث المقيم في أنقرة في مجلس الشؤون الدولية الروسي، تيمور أحمدوف في أن المقال “كان خطوة متعمدة ومدروسة من سبوتنيك”. ولفت أحمدوف “أعتقد أنه كان هناك خطأ من فريق التحرير … لا أعتقد أن موسكو ترغب في نشر مقال حول هذا الموضوع الحساس الآن، مع الأخذ في الاعتبار أن الجانبين يبحثان عن طرق لحل الأزمة في إدلب بطريقة دبلوماسية”.

ويشك أحمدوف أيضاً في أن دمشق تسعى لإحياء قضية هاتاي، حتى في خضم نزاعها مع أنقرة. هذا لأن سوريا بحاجة إلى الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع تركيا إذا كانت تريد الاستقرار السياسي وإعادة الإعمار والتجارة بعد انتهاء الصراع الطويل في البلد المنكوب بالحرب.

وقال أحمدوف “إذا قررت دمشق التكهن بشأن قضية هاتاي، فسوف يؤدي ذلك إلى نفور القوميين الأتراك، الذين يرغبون في رؤية علاقات مستقرة مع الحكومة المركزية في سوريا في قتالهم ضد الانفصالية الكردية”.

ويعتقد نيكولاس دانفورث، الباحث الزائر في صندوق مارشال الألماني، أن مقال سبوتنيك “يمثل بعض التصيد التحرري دون إلهام بدلاً من مطالبة جادة بالأراضي التركية ذات السيادة”.

ولم تكن قضية هاتاي أو اللواء مثارة منذ عشرات السنين. وفي حين أن خرائط الحكومة السورية الرسمية تتضمن غالباً الإشارة إلى المقاطعة كجزء من سوريا، إلا أن معظم السوريين والأتراك يعتبرونها مسألة منتهية.

صحيفة العرب

اترك رد