الفخّارة والباشق

ميشيل كيلو

آمن جيل ما بعد الاستقلال في سورية بأنه لا حكم لمن يخون فلسطين، أو يتخلى عن أي شبر من الأرض السورية، أو يجوع الشعب وينتهك حريته ويقوّض مجتمعه بشحنه بتناقضات تخرّب وحدته وتمزق صفوفه، أو من يحكم بالهوى ولا يحكم بالدستور والقانون، بل يقيم نظام استبداد فرديا مناهضا لحقوق الإنسان والمواطن، ويبني نظامه على التمييز بين أبناء الشعب، ورفض مطالبه العادلة… إلخ. من يفعل هذا إما لا يصل إلى السلطة أو يفقدها، لان الشعب سيثور عليه، بسبب تنافي مواقفه المطلق مع الوطنية وقيمها.  حكم حافظ الأسد سورية بهذه السياسات بالذات، المخالفة لتطلعات السوريين، مواطنين عاديين ونخبا، ذلك أنه بنى نظامه على تكوين طائفي ما قبل مجتمعي/ ما دون وطني، ولم يسنده إلى الشعب، وسلم الجولان لإسرائيل من دون قتال، وأقام حكما استبداديا معاديا لحقوق الإنسان، ومساواة المواطنين أمام القانون، وأدار سورية بالهوى والمزاج، ونكّل بالسوريين بطرقٍ لم يسبق لهم أن واجهوا ما يماثلها في الاتساع والعنف. ومع ذلك، استمر حكمه نيفا وثلاثين عاما. يرجع سبب ذلك إلى هذه العوامل التي كوّنت منظومة كاملة وتفاعلية، وفاجأت حملة الثقافة السياسية الوطنية من السوريين الذين وجدوا أنفسهم حيال سلطة من طابقين: واحد ظاهري تسكنه الحكومة والبيروقراطية، وآخر للدولة العميقة، صاحبة القرار والخيار، والمتحكّم الوحيد بالدولة والمجتمع الذي اتسم وجوده بالسرية والغموض، لعدم جواز أن يعرف الشعب أي شيءٍ عنه، وجواز أن يعرف هو كل شيء عن الشعب، وأن يخترق فئاته بطرقٍ خارجة على القانون، بطبيعة الحال.
بوفاة حافظ الأسد، انتقلت سورية من المأساة إلى الملهاة، في أكثر صورها قربا من المهزلة التي تتلبس كل ما يقوله ويفعله ابنه بشار الذي كاد يسقط عام 2012، وحزم حقائبه للرحيل، لو لم يثنه عن فعلته الجنرال الإيراني، قاسم سليماني، لكن المرشد خامنئي أمر أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، بإنقاذه. وبعد فشل الحزب في تحقيق مهمته، زار سليماني موسكو مرتين، محذّرا من أن انهيار نظام الأسد صار مسألة أيام، فقرّر بوتين غزو سورية لإنقاذه، كما قال في خطاب مسجل ألقاه يوم 27 سبتمبر/ أيلول عام 2015، بحضور جنرالاته، بعد مناورةٍ عسكرية أطلعوه خلالها على قدرات طيرانهم القتالية. قال بوتين: أنتم ذاهبون إلى سورية لإنقاذ الأسد، ومؤسسات الدولة… وكان الحرس الثوري الإيراني قد غزا سورية قبل الثورة، لمنع سقوط رئيسها ونظامه، بما أنه سيكون مقدمة لسقوط نظام طهران.
هذه الوقائع التي من شأنها أن تثير الشعور بالخجل لدى من يحافظ على موقعه بسلاح غزاة أجانب، دعاهم إلى احتلال بلاد ليست ملكه، لم تمنع بشار الأسد من وضع إناء من الفخار وباشق خشبي وراءه، وهو يمارس حقه في الحديث عشر دقائق، سمح الروس له أن يلقي خلالها كلمة بحجّة “تحرير” حلب… للمرة العاشرة. أما الفخارة فزعم هو، أو أحد كذبته، أنها هدية للأسد الأب من جندي جلب رملها من بحيرة طبرية في أثناء حرب عام 1973 التي لم يقترب جندي أسدي واحد منها منذ هزيمة 1967، وملئت بماء جلبه جندي آخر منها. وقد أخبر الأسد الأب الرئيس كلينتون حين سأل عنها: هذه مصنوعة من رمل بحيرة طبرية، ومليئة بمائها الذي سأعيده أنا أو أحد أبنائي إليها. أما الباشق، فيستخدمه ساذجٌ لإقناع ضحاياه بأن حرب إعادة مياه الفخارة إلى طبرية صارت وشيكة.
حكم الأسد الأب سورية بتجهم المآسي، ويحكم ابنه بتفاهة المهازل. ولولا تفاهته، لما توهم أن سورياً واحدا سيصدّق أن من حارب “العدو” سويعات في الجولان و”شعبه”، تسعة أعوام في معظم قراه ومدنه، يستطيع إخراج رأسه من ركام نظامه، ليحرّر الجولان بفخارة مليئة بالأكاذيب، وباشق لا يطير.

اترك رد