في الذكرى التاسعة للثورة السورية

راتب شعبو

العلامة الأبرز في المرحلة الأولى من الثورة السورية كانت الابتكار والتجريب. خرج الناس على القديم، على مسارات حياتهم اليومية، وعلى القنوات المعتادة التي يغذّيها الاستبداد، ويتغذّى عليها، إلى مساراتٍ جديدة غير مألوفة، فوجدوا أنفسهم مرغمين على الابتكار والتجريب. وهو إلى هذا ابتكارٌ محفوفٌ بالرعب. كيف يمكن تنظيم مظاهرة في بلدٍ لم تشهد شوارعه منذ عقود أي تجمعات احتجاجية، ولم تعرف سوى مسيرات التأييد والولاء؟ ثم كيف يمكن إيصال الصوت إلى الخارج، للاستفادة من ثقل الإعلام، ومن قوة الرأي العام العالمي، ومن خشية النظام من الفضيحة بأمل لجمه عن “التفظيع” بالمحتجين؟ وكيف يمكن توثيق الانتهاكات التي يتعرّض لها المحتجّون؟ وبعد ذلك، كيف تمكن إدارة مناطق تخلى عنها نظام الأسد طوعاً أو كرهاً؟ وعلى طول الخط، كيف تمكن إدارة هذه العلاقة السياسية الطارئة بين السوريين الرافضين استمرار دورة الاستبداد السياسي المتمثلة في نظام الأسد؟ كانت العلاقة التضامنية التي طرأت فجأة بين السوريين الثائرين تحتاج إدارة تنظيمية، ابتكر لها السوريون شكل التنسيقيات. وكانت تحتاج أيضاً إلى إدارة سياسية: تحديد الشعارات، تحديد الملامح الأساسية للثورة ضد محاولات التشويه الداخلية (من داخل الثورة) والخارجية (من النظام)، أو بكلمة واحدة، إبراز خط سياسي عام للثورة، هو الخط الوطني والديمقراطي والعلماني، بوصفه النقيض المباشر لنظامٍ استبداديٍّ، يستثمر في خطوط الانقسام الطائفية والقومية في سورية، ويستعمر الدولة ويفخخها، بحيث يكون موقع الرئيس فيها هو مركز ثقلها وصمام أمانها، حتى أصبحنا أمام دولة الرئيس، بدلاً من رئيس الدولة.
لم تتوفر للثورة السورية إدارة سياسية من جنس مطالبها وبواعثها الأساسية، الأمر الذي جعلها 

“لم تتوفر للثورة السورية إدارة سياسية من جنس مطالبها وبواعثها الأساسية، ما جعلها تحت تأثير القوة الإسلامية”

تحت تأثير القوة الإسلامية التي تستمد “جاذبيتها” من عامل ذاتي، هو حضور الإسلاميين الذين كانوا في الغالب أكثر جرأةً وثقة بالنفس، وإخلاصاً لمبادئهم من غير الإسلاميين، حتى أصبح كثيرون من هؤلاء ينظرون إلى الإسلاميين أنهم أصحاب الشأن، ويسلمون بأنهم “أم الصبي”، مرتضين لأنفسهم دوراً هامشياً في القضية. هذا فضلاً عن عنصرين موضوعيين داعمين للقوة الإسلامية، هما قوتا التقليد الديني والدعم الخارجي، ليس فقط التركي والخليجي، بل والغربي أيضاً.
لم يقصّر الإسلاميون (بمختلف تلاوينهم) في تولي القضية، وكان هذا، في الحق، يدل على إقدام ومثابرة وانخراط يحسب لهم، بصرف النظر عن روحهم الإقصائية، وعن مدى الاختلاف معهم فكرياً وسياسياً وعمقه. وعليه، كان من طبيعة الأمور أن تصاغ مسيرة الثورة وفق نظرتهم وتصوراتهم، فارضين على الآخرين من غير الإسلاميين الانصياع لهم أو الخروج من “الثورة”. خلال مرحلة من عمر الثورة السورية، أصبح نقد الإسلاميين يعادل نقد الثورة. وإذا كان هذا التطور قد رفع من عتبة تماهي نسبةٍ كبيرة من السوريين مع الثورة، فإن نسبة كبيرة أيضاً من السوريين غير الإسلاميين تقبلت هذا التحول وتماهت معه، ومنهم من راح يجتهد في “اكتشاف” المعنى الثوري في كل ما يصدر عن الإسلاميين الذين صاروا بالفعل قوة “التغيير” الفعلية الوحيدة.
من طبيعة الاستجابات القصوى أن تولد استجابات قصوى مضادّة. وعلى هذا، حين سار نظام الأسد إلى نهاية الطريق في استخدام كل وسائل البطش والتركيع الممكنة، بما في ذلك استخدام وسائل محرّمة دولياً، مثل أسلحة الدمار الشامل وحصار المدن، سار الإسلاميون إلى نهاية الطريق في “إسلاميتهم”، وصولاً إلى إعلان الخلافة والإمارات والمحاكم الشرعية… إلخ. على هذا، لم يعد ممكناً لغير الإسلاميين أن يجاروا الإسلاميين في مواصيلهم تلك.
عانت النخبة المعارضة الديمقراطية السورية، أو غير الإسلامية، من التمادي الإسلامي، ووجدت نفسها في النتيجة مقطوعة، لا هي قادرة على المضي أكثر في “مسايرة” الإسلاميين في ذهابهم البعيد، ولا هي راكمت القدرة الذاتية على الفعل المستقل. كما عانى جمهور الثورة أيضاً من هذا التمادي، بمن في ذلك الجمهور التاريخي للإسلاميين. النخبة السورية التي أيدت نظام الأسد وجدت نفسها في المأزق نفسه، حين ذهب النظام في سياساته إلى حدود الإبادة والارتهان للدول المساندة، فقط كي لا يرى في معارضيه سوى “طرف آخر” أو “إرهابيين”.
قام السكوت الشعبي الذي أحاط بسياسة البطش الأسدي، في البداية، على أرضية التخوف من 

“سار نظام الأسد إلى نهاية الطريق في استخدام كل وسائل البطش والتركيع الممكنة، بما في ذلك استخدام وسائل محرّمة دولياً”

التحول الإسلامي، ثم على أرضية الرفض المطلق للتمادي الإسلامي (على خلفية طائفية وعلى خلفية سياسية). وبالمثل، قام السكوت الشعبي عن “التطرف الإسلامي” في مناطق سيطرته، على أرضية الرفض المطلق لنظام الأسد (على خلفية طائفية أو سياسية). رفضان مطلقان امتلكا القدرة على حرق كامل الطيف الذي بينهما، وأنتجا صراعاً دمّر السياسة والمجتمع والبلاد. ولكن لم يعد هذا السكوت خاوياً بعد هذه السنوات، فقد بات، كما نعتقد، مشحوناً بالشعور بمحدودية الفكر القصووي، هنا وهناك، وبتبعاته المدمّرة، ولا نظن أن هذا الشعور العميق يوفر النخبة المؤثرة في كلا الطرفين.
أدّت الاستجابات المتطرّفة المتبادلة إلى حرمان السوريين من اختبار ما ابتكروه في السياسة والتنظيم خلال الثورة، وكان هذا من أسوأ النتائج التي فرضها البطش الأعمى الذي واجه به نظام الأسد البشائر الأولى ليقظة السوريين.
اليوم، وبعد تسع سنوات من صراعٍ كان يسير باضطراد على درب الاختزال والفقر السياسي كلما تمادى أكثر في الدم والدمار، يبدأ الجمهور، كما النخب، في كل سورية، يتلمسّون حدود أفكارهم السياسية وطفوليتها. يرى “الجمهور الموالي” بالعين المجرّدة أن نظام الأسد يقترب من هزيمته أكثر كلما اقترب من “انتصاره” أكثر، ويرى “الجمهور المعارض” أيضاً أن الإسلاميين الذين شكلوا القوة المعارضة الأساسية لنظام الأسد، لا يقلّون بطشاً وفساداً عن هذا النظام، وهم، بعد كل شيء، تتقلص إمارتهم، ويتحولون، مع الوقت، إلى فضلة صراع مهملة مرشّحة للتحول إلى أتباع وخدم عند النظام الذي ثار السوريون لإسقاطه، أو عند أنظمةٍ خارجيةٍ أخرى، وفي خدمة سياساتها ومطامعها الخاصة.
في اللوحة السورية المريعة، يمكن لنا، مع ذلك، أن نلمح ضوءاً باهتاً، يمكن أن يدعم الأمل في أن يكون السوريون (الجمهور والنخبة معاً) قد اكتشفوا حدود أفكارهم، وقد لمسوا وأحسوا وأدركوا أن التطرّف في إلغاء الآخر السياسي، لا يفضي سوى إلى صراع عقيم، أو قل يفضي إلى إلغاء الذات، في الوقت نفسه الذي تخال فيها الذات أنها تقترب من إلغاء الآخر.

العربي الجديد- راتب شعبو

اترك رد