روسيا والثورة السورية: من دعم النظام إلى منع سقوطه والوصاية عليه

شكّل التدخل العسكري الروسي في سوريا، إلى جانب نظام بشار الأسد، منعطفاً مفصلياً في مجرى ثورة الشعب السوري من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق المواطنة، بعد عقود من حكم نظام الاستبداد الذي أنشأه حافظ الأسد وأورثه لابنه بشار، بعملية تزوير للدستور ولإرادة الشعب السوري.

قرار التدخل العسكري مهّد له الكرملين باستصدار قرار من مجلس “الدوما” (البرلمان)، يفوض الرئيس بوتين نشر قوات روسية في سوريا، ولم تمضِ سوى أيام قليلة حتى كانت الطائرات الروسية تشن غارات وحشية على المناطق الخاضعة للمعارضة، وكانت أولى الغارات في أيلول/سبتمبر 2015، مما أدخل الصراع في سوريا في مرحلة أكثر تعقيداً، عملت فيها روسيا على خلط الأوراق، لتغيير ميزان القوى، الذي كان يميل (حينذاك) لصالح قوى المعارضة، بينما كان النظام يترنح.

وفقاً للخطة التي أعلنها الكرملين، كان من المقدر للتدخل العسكري الروسي في سوريا أن يكون مسقوفاً زمنياً بثلاثة أشهر فقط، لكنه ما زال مستمراً منذ ما يقارب خمس سنوات، وأوقع آلاف القتلى وعشرات آلاف الجرحى وشرَّد الملايين من المدنيين السوريين، فضلاً عن تدمير البنية التحتية في المدن والبلدات والقرى التي التحقت بركب الثورة السورية.

وسريعاً ما ثبت لاحقاً أن السقف الذي حدَّده الكرملين كان ضمن خطة لاستباق ردود الفعل الدولية المحتملة، لجهة التخفيف منها، كون التدخل مسقوف بفترة زمنية قصيرة نسبياً. والأهم من ذلك؛ أرادت موسكو أن تضمن “طريق عودة” على ضوء حساب تكلفة تدخلها العسكري خلال الشهور الثلاثة.

أسباب وأهداف التدخل العسكري

تذرع الكرملين في خطابه الموجه إلى الرأي العام الروسي بأن التدخل العسكري في سوريا ضربة استباقية ضرورية لـ”منع الإرهابيين الذين يحملون الجنسية الروسية من العودة إلى الأراضي الروسية”، في حال انتصرت الثورة السورية. والمقصود هنا مئات المقاتلين الروس، من جمهوريات ضمن الاتحاد الروسي ذات حكم ذاتي وأغلبية سكانها من المسلمين، أفادت تقارير صحفية بأنهم انضموا لصفوف جماعات متطرفة، مثل “تنظيم الدولة” و”جبهة النصرة” وتنظيمات أخرى.

دون التقليل من القلق الذي يشكله هؤلاء للحكومة الروسية، يضع المحللون الاستراتيجيون التدخل العسكري الروسي في سوريا كدليل عملي على نقلة نوعية في السياسات الخارجية الروسية، تسعى موسكو من خلالها إلى فرض قواعد جديدة على غرمائها التقليديين في الغرب، بمد المواجهة معهم إلى خارج نطاق ما تعتبره “قوس مصالحها القومية” ضمن حدود دول الاتحاد السوفييتي السابق.

ويمكن قبول هذا التفسير باعتباره السبب الرئيس من بين الأسباب غير المباشرة، أو البعيدة، للتدخل العسكري الروسي في سوريا، إنما يبقى الأهم الأسباب المباشرة، التي دفعت روسيا للإسراع في تدخلها على ضوء تقديراتها الخاصة بالمعادلتين الإقليمية والدولية المؤثرتين في الصراع السوري.

أسباب التدخل

السبب الأول: تبلور رأي لدى القيادة الروسية بأنه لم يعد كافياً دعم النظام بالأسلحة والعتاد إلى جانب التأييد السياسي المتواصل منذ بداية أزمة النظام، وعليه قرّرت موسكو الانتقال إلى دائرة المشاركة الفعلية في الحرب لحماية نظام بشار الأسد، الذي كان يعاني حينها من هزائم كبيرة ومتلاحقة.

السبب الثاني: بات النظام يعاني من نقص حاد في الطاقة البشرية في قواته، وفشل الإيرانيين وميليشياتهم، التي دخلت على جبهات القتال، في وقف سلسلة هزائم النظام.

السبب الثالث: يضاف إلى ما سبق، جرَّبت موسكو التدخل غير المباشر بإرسال مرتزقة روس للقتال في سوريا، قامت بتجنيدهم شركة “فاغنر” وهي شركة “أمنية روسية”، شبيهة بشركة “بلاك ووتر” الأميركية”، تعمل بناء على عقد مع وزارة الدفاع الروسية. لكن المرتزقة الروس لم يستطيعوا أن يغيروا المعادلة على الأرض ولحقت بهم خسائر فادحة.

السبب الرابع: ربطاً بالأسباب السابقة، الحفاظ على القاعدة البحرية الروسية في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم. والحصول على مكاسب جديدة من النظام مقابل إنقاذه من السقوط، والذي كان يصطلح على تسميته في الخطاب السياسي والإعلامي الروسي “منع انهيار الدولة السورية”. ويشار إلى أن التدخل الروسي جاء على أبواب استعداد المعارضة لفتح معركة الساحل، بعد الانجازات التي حققتها في سهل الغاب وأرياف إدلب وحمص وحماة.

السبب الخامس: سعي موسكو لزيادة نفوذها في المشرق العربي، لاسيما العراق ولبنان، من خلال انتزاع روسيا لدور اللاعب الأساسي، والأكثر تأثيرا بما لا يقارن مع اللاعبين الآخرين، في ملفات الأزمة السورية.

وحشية وخداع سياسي في آن
نفَّذت الدبلوماسية الروسية عملية خداع واسعة في خضم التدخل العسكري الروسي في سوريا، ففي لقاء له مع محطة “روسيا1” دعا وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أطراف النزاع في سوريا للحوار من أجل التحضير لانتخابات تشريعية ورئاسية، لا يشترط فيها ترشح بشار الأسد. وأُشيع حينها أن النقاش خلال الزيارة الخاطفة التي قام بها بشار الأسد إلى موسكو انصبَّ ليس على بقاء بشار بالسلطة بل متى سيرحل.

دعوة كانت في ظاهرها تحولاً كبيراً في الموقف الروسي، لكن بقليل من التدقيق يظهر أنها في جوهرها مناورة لـ”دس السم”، فمقترح الانتخابات ضمن صيغة لافروف تحايل على القرارات الدولية ذات الصلة ومخرجات بيان “جنيف1″، التي نصت على مرحلة انتقالية تتولى الحكم فيها هيئة انتقالية باستطاعتها تأمين بيئة محايدة تتحرك في ظلها العملية الانتقالية، وإعادة النظر بالمنظومة القانونية والدستورية قبل إجراء أي انتخابات، والمساءلة عن الأفعال المرتكبة وإعداد مجموعة شاملة من أدوات العدالة الانتقالية.. إلخ.

وتزامناً مع ذلك، كانت الطائرات الحربية الروسية تنفذ سياسة الأرض المحروقة، ضد البشر والشجر والحجر في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية، تماماً في تكرار لما قامت به القوات الروسية في الشيشان في عملية إبادة أطلق عليها اسم “السجادة المطوية”.

ونفّذت روسيا الخطة بتنسيق وثيق مع إيران والمليشيات التابعة لها وبقايا جيش النظام، على أن تتولى روسيا الضربات الجوية، ويتولى الآخرون التحضير لهجمات برية في حمص، والانتقال من بعدها إلى المناطق الأكثر حساسية وأهمية استراتيجية للنظام، وهي المناطق التي يشملها مصطلح (سوريا المفيدة)، حسب قاموس المتربصين بسوريا والداعمين للنظام.

وبقي في مقدمة أجندة موسكو إفراغ أي عملية سياسية جدية من مضمونها، وتركيز الضربات الجوية على فصائل الجيش الحر، إلى أن نجحت في تعطيل مسار جنيف- فينا، وشقت طريق أستانا لكسب الوقت، بإغراق المفاوضات بمتاهة من القضايا الجزئية، مثل مناطق خفض التوتر، ومن ثم قضمها تدريجياً، في ظل تراجع خيارات المعارضة بشكل مطّرد، جراء التقلص الكبير في الدعم السياسي والمادي المقدم لها.

وظلت روسيا تتذرع باختراق التنظيمات الأصولية المتطرفة لصفوف فصائل المعارضة المسلحة، رغم أن مقاتلي تنظيم “داعش” و”جبهة النصرة” كانا يديران معاركهم مع الجيش الحر لانتزاع السيطرة على المناطق التي حررها من جيش النظام، وما كان لـ”داعش” و”جبهة النصرة” السيطرة على مساحات واسعة من المناطق المحررة لولا تواطؤ النظام وروسيا، بالتركيز على قصف فصائل الجيش الحر.

وساعد روسيا على تنفيذ مخططها تردد إدارة الرئيس أوباما ودول الاتحاد الأوروبي في اتخاذ موقف واضح بخصوص الثورة السورية، وثورات الربيع العربي ككل. كما استفادت روسيا لاحقاً من التناقضات البينية العربية في طريقة التعاطي مع الملفات السورية، وتعمق الخلل بشكل ساحق بعد تأزم العلاقات بين تركيا وبلدان الخليج العربي باستثناء قطر.

وبالنتيجة كانت المعارضة هي الخاسر الأكبر، على الصعيد السياسي تم تجزئتها إلى منصات وهيئات تتنازع على الصلاحيات، و تتجاذبها الولاءات للجهات الفاعلة في الملفات السورية.

من حماية النظام إلى فرض الوصاية عليه
نجحت روسيا في استغلال التناقضات في شبكة العلاقات المتداخلة والمعقدة للجوار الإقليمي لسوريا، فقد استطاعت ضمان قيام شراكة مع تركيا وإيران، وشكَّلت معهما ما يسمى بـ(الدول الضامنة) لمساري “أستانا” و”سوتشي”، رغم أن ما يجمع الاطراف الثلاثة أقل بكثير مما يفرقها. وسيتم تناول خلفيات ذلك بشيء من التفصيل في مادتين خاصتين عن تركيا وإيران، بمناسبة بالذكرى السنوية العاشرة للثورة السورية.

كما حافظت روسياعلى علاقات متميزة مع إسرائيل، وتركت لها عملياً حرية التصرف في الأجواء السورية، لمهاجمة جيش النظام والمليشيات الإيرانية.
ودشن الرئيس بوتين مرحلة جديدة من التدخل العسكري الروسي في سوريا، بالزيارة التي قام بها إلى قاعدة حميميم، في كانون الأول/ ديسمبر 2017، حيث كسر أبسط التقاليد والأعراف الدبلوماسية في لقائه مع بشار الأسد في القاعدة، بإظهاره كتابع لا حول له ولا قوة.

وجدير بالذكر أن قاعدة حميميم (تعد أرضاً روسية وفقاً للمادتين الخامسة والسادسة من الاتفاق العسكري بين موسكو ونظام الأسد)، الذي وقَّع عليه سيرغي شويغو وفهد جاسم الفريج، وكشفت عنه صحيفة واشنطن بوست نقلاً عن مصادر روسية.
ودلَّت الكثير من الوقائع لاحقاً أن الكرملين انتقل من كونه حامي للنظام إلى وصي عليه بما فيها الزيارة التي قام بها بوتين إلى دمشق مؤخراً، والتقى فيها بشار الأسد في مركز القيادة الروسية.

بخلاف ذلك لم تقم روسيا بأي تغيير جدي في سياساتها تجاه الأزمة السورية، ومن غير المتوقع أن تبادر للتغير إلا إذا إذا وجدت نفسها أمام ضغوط دولية، أو اذا برزت إشارات على أن احتلالها سيكون مكلفاً.

لكن في كل الأحوال، عاجلاً أم آجلاً سيرضخ سيد الكرملين لحقيقة أن روسيا رغم ما حققته من نجاحات عسكرية لن تستطيع الحسم، وأنها عجزت عن تحقيق أي مكاسب سياسية استراتيجية من وراء تدخلها العسكري في سورية، وأن المعركة القادمة هي معركة إعادة الإعمار، واليد العليا فيها ليس لروسيا بل للولايات المتحدة وأوروبا، لأنها القادرة على الدفع وتحشيد المانحين الدوليين والإقليميين.

بروكــــار برس

اترك رد